ج10: هل أحرق صلاح الدين "المكتبة الفاطمية الضخمة"؟ وما قصة العزل الجنسي ضد الأسرة الفاطمية؟

 

(صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي). 
ومن الاتهامات التي يوجهها الكاتب الطائفي المعاصر إلى صلاح الدين إحراق المكتبة أو "المكتبات الفاطمية الضخمة" كما يقولون، والتي قيل إن عدد الكتب فيها تجاوز مليوني كتاب. في الواقع لم يكن هناك شيء اسمه "المكتبة الفاطمية الضخمة" إلا على سبيل المجاز والصفة، والمكتبة المقصودة هي تلك التي أمر بإنشائها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله سنة 395 هـ 1004 م، لتكون نظيرا لمكتبة "دار الحكمة" في بغداد العباسية، وأطلق عليها الاسم نفسه "دار الحكمة". وكانت بمثابة جامعة علمية، تشغل قصرا كبيرا قرب القصر الغربي للخليفة الفاطمي. وتذكر المصادر أنها حوت 1.600.000 مجلد، ضمّت (6500) مخطوطة في الرياضيات و (18.000) مخطوطة في الفلسفة، وكان الدخول إليها والاستنساخ والترجمة فيها ومنها مجاناً. وإذا كانت الخلافة الفاطمية قد انتهت رسميا سنة 567 هـ / سبتمبر 1171م كما توثق جميع كتب التاريخ القديمة والحديثة، فنحن نعلم أن هذه المكتبة، انتهت وأصبحت مكتبة بائسة وصغيرة لم يبق فيها إلا القليل من الكتب قبل قرن من دخول صلاح الدين الأيوبي مصر. لقد تعرضت دار الحكمة في القاهرة ( سنة 461هـ/1068م إلى النهب والسلب والتلف والضياع إثر الخلاف الذي نشب بين الجنود السودانيين والأتراك في مصر، وكانت تلك صورة مأساوية وكارثة بحق هذا الصرح الثقافي المهم. وقد أحرق العابثون الكثير من محتوياتها. وهناك من يذكر أن بعضهم قد جعل من جلود الكتب فيها نعالاً له. وزاد في الطين بلّة، انتشار الأوبئة والطاعون، ولم يبق من هذه الدار سوى مئة ألف كتاب، يوم دخل صلاح الدين الأيوبي القاهرة بعد قرن تقريباً من تلك الكارثة التي حلت بها. ولم يسلم ما تبقى أيضاً، فبسبب من انتشار القحط والمجاعة في مصر في عامي 1348-1349م، راح بعضهم يعرض مجلداً كاملاً للمقايضة على رغيف خبز/ موسوعة المعرفة / مادة دار الحكمة / الرابط في خانة أول تعليق ). 
أما ابن الأثير المعاصر للأحداث ( فلم يذكر أن صلاح الدين أحرق مكتبة القصر البتة، بل ذكر أنه "باع جميع ما فيه" (أي ما في القصر). أما المقرزي فيكتب بوضوح أكثر في " اتعاظ الحنفا" ما نصه (وأخرج - صلاح الدين - سائر ما في القصر من العبيد والإماء فباع بعضهم وأعتق بعضهم ووهب منهم‏. ‏ وخلا القصر من ساكنه كأن لم يغن بالأمس‏). ولم يذكر الحريق المزعوم القاضي بهاء الدين بن شدّاد (الذي كان لصلاح الدين ملازما وكاتبه الخاص)، ولا ابن أبي طيّ (المؤرخ الشيعي) المعاصر لصلاح الدين، ويكتب الباحث رائد السمهوري ( ولا ابن العماد الحنبلي، ولا ابن واصل الحموي صاحب كتاب "مفرّج الكروب". ولو كان صلاح الدين قد أحرق مكتبة دار الحكمة " الفاطمية" - كما زعم- لما أغفلها ابن الأثير، وهو خصمٌ لصلاح الدين و كان مواليا للأتابكيين وعاملا لهم. ولساقها أنصار صلاح الدين الأيوبي دلالة على الفخر والاعتزاز بما فعلوا. هذا، وحريق مثل هذه المكتبة التي "لا يوجد في مدائن الإسلام لها نظير" كما وصف ابن أبي طيّ حادثة لا يمكن أن تمرّ من دون أن يذكرها المؤرخون المعاصرون، لا سيّما أن حريقها فيه نكاية بـ "العدوّ" من حيث كون المكتبة تحوي كتب "الزندقة" و"الضلال"، غير أن هذا الحريق لم يقع. وقد علل يوسف زيدان حريق المكتبة المزعوم بحجة سياسية، هي مواجهة "الفكر الشيعي"، وغاب عنه أنه لو كانت المواجهة حقا قد وقعت لما كانت في وجه الشيعة الاثني عشرية ولا الشيعة الزيدية، بل في وجه الفكر الباطني الإسماعيلي على التحقيق، كيف ذلك وابن أبي طيّ مؤرخ صلاح الدين كان شيعيا؟ / مقالة لرائد السمهوري ردا على يوسف زيدان بعنوان "صلاح الدين بطل أم حقير؟" / رابط المقالة في خانة أول تعليق ).
كما اتهم صلاح الدين من قبل يوسف زيدان خصوصا في الفيديو المروج له من الإعلام المذهبي الطائفي سالف الذكر بممارسة العزل الجنسي بين الذكور والإناث في الأسرة الفاطمية لكي ينقرضوا فلا يظهر له مطالب بالعرش مستقبلا. فما حقيقة هذا الاتهام ؟
يمكن تفنيد هذه الكذبة الرخيصة بسهولة تماما بالعودة الى ما كتبه ابن كثير في كتابه " البداية والنهاية / أحداث سنة 738 هـ ، أي بعد قرنين من سيطرة صلاح الدين على الحكم في مصر وإنهائه الحكم الفاطمي كما ينقل الباحث رائد السمهوري. إذْ يخبرنا ابن كثير أن السلطان المملوكي الناصر بن قلاوون أمر بترحيل عليّ ومحمد ابني سليمان بن داود بن سليمان بن الخليفة الفاطمي العاضد، آخر الخلفاء الفاطميين! أي إننا إزاء أربعة أجيال من نسل آخر الخلفاء الفاطميين العاضد. ويضيف السمهوري وهو على حق ( والعاضد - بحكم كونه آخر الخلفاء الفاطميين- أولى أن يقطع نسله، فضلا عمّن هو دونه، وقد مات العاضد وعمره واحد وعشرون سنة، فكان ينبغي - لو أريد قطع نسله- أن يكبر ابنه سليمان ولا يعقّب؛ فكيف ولد أحفاد العاضد وأبناؤهم وتناسلوا، لو كان صلاح الدين عزل رجالهم عن نسائهم، كما زعم يوسف زيدان؟ أعن طريق أطفال الأنابيب يا ترى؟ / مصدر سابق) 
ولكن من أين جاء يوسف زيدان بهذه الكذبة؟ يرجح السمهوري أن زيدان ربما يكون قد قرأ ما كتبه محمد بن عليّ الصنهاجي في كتابه "أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم"، لكنه لم يقل إن صلاح الدين عزل ذكورهم وإناثهم! بل قال: "بقِيّتهم فِيها إلى اليوم وهو سنة 617 فكانوا يتناسلون ثم منعوا النّكاح لينقطع النّسل ويذهب الفرع والأصل"؛ ما يعني أن الفاطميين كانوا يتناسلون إلى عام 617 ( وصلاح الدين توفي سنة 589 هـ ). وكانت الأسرة الفاطمية قليلة الذرية أساسا حتى انهم اضطروا لاستخلاف عبد الله العاضد و هو صبي صغير لم يتجاوز التاسعة من عمره، ولم يكن الذكور كثيرين، وفي هذا يقول المؤرخ ابن كثير كما يقتبس السمهوري عنه ( والفاطميّون قليلو العدّة.. لكنّهم مدّ لهم في المدّة فملكوا بضعا وستين سنة من بعد مئتين فكانت كالسِّنة ). والسِّنة هنا بمعنى " الغفوة القصيرة" . نلاحظ عرضا أن الصنهاجي الذي اعتمد عليه زيدان هو ممن ينفون النسب العلوي عن الفاطميين كسائر المتعصبين للإعلام العباسي، في حين لا ينكر نسبهم عدد من المؤرخين المسلمين السنة الذين يحترمون أنفسهم وضمائرهم كالمقريزي وابن خلدون وأبو شامة المقدسي. والعبيديون نسبة الى عبيد الله، تصغير عبد الله المهدي الخليفة الفاطمي المؤسس لدولتهم، كما يرى بعض الباحثين المعاصرين، وستكون لنا وقفة خاصة في ملحق بهذه الدراسة عند هذا الموضوع تحديدا. في الجزء القادم سنناقش الاتهامات الموجهة لصلاح الدين بمهادنة الصليبيين والتفريط بانتصار حطين مقابل المال وإسكان اليهود في فلسطين وبيت المقدس.. يتبع 
رابطان في خانة أول تعليق

رابط مادة " دار الحكمة في موسوعة المعرفة :

http://www.marefa.org/%D8%AF%D8%A7%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9

رابط مقالة الباحث رائد السمهوري

http://elaphjournal.com/Web/NewsPapers/2017/5/1149682.html