ج11: اتهام صلاح الدين بمهادنة الصليبيين والتفريط بانتصار حطين مقابل المال وإسكان اليهود في فلسطين

(صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي). يتهم المتحدث في الفيديو ( د. جاسب الموسوي على الأرجح ) صلاح الدين بأنه (أخذ بيت المقدس بعد حطين الشهيرة ولكن بعد 7 أشهر - وهو يكذب هنا كذبا صريحا فصلح الرملة حدث بعد خمسة اعوام على انتصار حطين وسنوثق ذلك بالأرقام في الجزء القادم من البحث- فاوض الصليبيين ومنحهم يافا وحيفا وقيسارية وأراضي الساحل الفلسطيني واللبناني كلها منحها للصليبيين ولم يتبقى للعرب المسلمين سوى عشر أراضي فلسطين وأفرغ الخزينة لفقراء اليهود والمسيحيين ومنع الرافضة الشيعة من أي عطاء بل شردهم في أصقاع الأرض ) ويتهمه أيضا بأنه مشبوه و ( تأخر في تحرير بيت المقدس فأرسل له نور الدين جيش جرار قاده بنفسه لقتال صلاح الدين او لجلبه الى الطاعة أخذ صلاح الدين يفاوض الصليبيين ومنحهم بيت المقدس مرة أخرى بثمن بخس وقيل أن أولاده بعده قاموا ببيع بيت المقدس بشكل نهائي بـ 11 ألف صرة ذهب في كل صرة 100 قطعة .. الكامل لابن الأثير الجزء 11). راجعت الجزء 11 من الكامل من النسخة التي بحوزتي " ط 4 / دار الكتب العلمية بيروت سنة 2003 " فوجدته مخصصا للفهارس وليس به شيء من هذا وربما قصد المتحدث جزءا آخر. 
عموما، هناك جزء من هذه الاتهامات لا يرقى إلى مستوى النقد والاتهام بل هو كلام جزافي لا سند و لا معنى له كالقول أن صلاح الدين ( منع العطاء عن الشيعة وشردهم) بما يوحي وكأن الشيعة كانوا يقيمون في فلسطين، وهذا محض هراء لا طائل تحته، فقد قضى الصليبيون على الشيعة في فلسطين وصولا الى طبرية شمالا وعمان شرقا كما يخبرنا محمد المقدسي المتوفي قبل وفاة صلاح الدين بأكثر من قرنين في كتابة " احسن التقاسيم " وناصر خسرو المتوفي قبل صلاح الدين بقرن تقريبا في كتابه " سفر نامه "، أما مع الشيعة في مصر فقد تعرض الكثيرون منهم فعلا للقمع على خلفية الثورات والانتفاضات الفاطمية المسلحة الثلاث التي حدثت ضد حكم صلاح الدين، وقد توقفنا عندها في موضع آخر من هذه الدراسة، وسجلنا إدانتنا القوية لهذا القمع، واعتبرنا استهداف الناس غير المقاتلين قمعا دمويا وعملا من أعمال الإبادة كانت تقوم به جميع الدول المسلمة وغير المسلمة آنذاك دون استثناء حين كانت جميع تلك الدول ذات طابع استبدادي، وليس من العلمي أن نسقط مفاهيم عصرنا على ظواهر وأحداث وقعت قبل ألف عام كأن ندين عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب ونصفهما بانهما دكتاتوريان لأنهما لم يسمحا بانتخاب برلمان آنذاك ولا سمحا بتشكيل نقابات وأحزاب!
أما منح صلاح الدين العطاء للمسيحيين واليهود بعد معركة حطين فإن الحقائق التاريخية تقول عكس هذا تماماً فهو أخذ الفدية حتى عن فقرائهم بعد تحرير القدس. وعلى هذا إنما عاتب الراحل العلوي صلاح الدين وانتقده فكتب ( و وزع صلاح الدين جميع ما تحصل عليه منهم - من الصليبيين من فدية مقدارها عشر دنانير عن كل رجل و خمس عن كل امرأة و ديناران عن كل صغير وصغيرة ع ل - و وزعه على مقاتليه ولم يأخذ منه شيئا لنفسه ولكنه ارتكب في تنفيذ الشروط حيف أصاب الفقراء من الأوروبيين . ذلك أن عددا كبيرا من الرجال والنساء والأطفال لم يمكن دفع الفدية عنهم فدخلوا في عداد الأسرى وكانوا قرابة ستة عشر ألف. ومع أن فقير الإفرنج هنا هو بدوره غاصب ومحتل فإن شموله بالعفو كان أقرب إلى روح التسامح التي عرف بها. ص 236 /شخصيات غير قلقة في الإسلام والنص مكتوب بالنحو الساكن فلا توجد فيه أخطاء نحوية حسب النحو المتحرك)
وبخصوص اتهام صلاح الدين بالتنازل عن فلسطين أو معظمها للصليبيين فهو اتهام لاعقلاني تماما ولكن لا بأس من مناقشته لفهم طريقة "فبركته" عبر خلط الروايات والمصادر التاريخية ببعضها و تحطيم السياق التاريخي للأحداث من قبل المشنع المذهبي والطائفي المعاصر. يبدو أن د.جاسب الموسوي، الذي وجه هذا الاتهام في التسجيل التلفزيوني المذكور، قد قرأ ما ورد في كتاب رجل الدين الشيعي اللبناني حسن الأمين في كتابه ( صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين). ولكن الأمين كان أكثر نزاهة ممن نقلوا عنه فقد قال إن صلاح الدين انسحب من مدن فلسطينية و أبقى على وجود الصليبيين في مدن كانوا يسيطرون عليها منذ عدة سنوات أما الناقلون عنه فاتهموا صلاح الدين بالتنازل عن فلسطين كلها إلا نسبة قليلة منها، لنقرأ ما كتبه حسن الأمين ونقارنه لاحقا بالوقائع...يتبع في الجزء القادم .. شكرا لكم على المتابعة.
#صفحات_تراثية_معتم_عليها