الحرب الأهلية في فنزويلا ومصير الدول الصغيرة [1]

أوّل ما يجب فهمه عن هوغو تشافيز هو أنّه لم يصل الى الرئاسة وهو يملك مخططاً لبناء نظامٍ اشتراكيٍّ أو الصدام مع النخبة الفنزويلية أو معاداة اميركا. في الحقيقة، فإنّ وصول رجلٍ مثل تشافيز الى الحكم لم يكن مستغرباً في التقليد السياسي لأميركا اللاتينية: بلادٌ مأزومةٌ تديرها أحزابٌ تقليدية فاسدة في إطار ديمقراطية شكلية، يصل المجتمع فيها دورياً الى لحظة انهيارٍ أو انتفاضة (تنخفض أسعار النفط أو تقع أزمة دينٍ عام أو ينكسر الاقتصاد)، فيدعم الناس نظاماً «شعبوياً»، أو انقلاباً عسكرياً، أو مرشّحاً من خارج النظام، يستبدل النخبة التقليدية ويعد بوضع حدٍّ لفسادها.

الفارق الأساس بين تشافيز وبين أمثال خوان بيرون في الارجنتين أو فارغاس قبله في البرازيل، بحسب نصٍّ لغريغ غراندِن في «لندن ريفيو اوف بوكس»، هو أنّ تشافيز لم يقم بخيانة الطبقات الشعبية التي أوصلته الى الحكم. كان النمط المعتاد هو أن يصل الحزب «الراديكالي» أو الجنرال، كما فعل بيرون، الى السّلطة محمولاً على وعودٍ شعبية، ثم يقوم فوراً بالاستدارة والتحالف مع اليمين التقليدي ورأس المال المحلي، ويتحوّل الى محض جنرالٍ سلطويّ، يحكم النّظام القديم ذاته تحت شعاراتٍ وطنية وقوميّة، في ما يشبه صورة «الجنرال» التي رسمها ماركيز في رواياته (بالمناسبة: هل يوجد نقدٌ سياسيّ لروايات ماركيز؟ ألا يمكن أن نعتبرها من الرموز التي ألهمت جيل النرجسية والفردانية في العقود الأخيرة؟ في العالم الفنّي الذي بناه ماركيز، ألا تلاحظون أن «الثّورة» هي دائماً مسخرة، والسياسة عالمٌ وسخ، متروكٌ للواهمين والمجانين والفاسدين؛ والأمثولة التي توصلها الرواية هي غالباً أنّ المعنى الحقيقي للحياة يتمثّل في أن تجد حبيبتك، وتلتفت الى سعادتك الفرديّة وشغفك الصغير ومكتبتك، ولا تكترث لـ«الوساوس» كالقضايا والنضال؟).
ما دفع تشافيز الى سياسات أكثر جذرية والى الالتصاق بالطبقات الفقيرة كان، أساساً، العداء الشرس الذي أبدته النخبة الفنزويلية وواشنطن تجاهه. لم يتكلّم تشافيز عن «اشتراكية»، ولكن شعاراته «البوليفارية»، وهي مستقاة من تقليد سياسي فنزويلي قديم لم يكن يمثّل ايديولوجيا واضحة بل شعارات عمومية عن التوزيع والعدالة ومعاداة الامبريالية، هذه الشعارات كانت كافية لإثارة ذعر الطبقة الحاكمة في كاراكاس، وهي قد شنّت عليه ــــ منذ البداية ــــ حرباً بلا هوادة. انتخب تشافيز رئيساً عام 1999 ووقع ضدّه أوّل انقلابٍ عام 2002، وقد وقفت فيه وسائل الإعلام الرئيسية في فنزويلا، وأكثر وجوه المعارضة، موقفاً داعماً للإنقلاب العسكري بل لعبت دور «الإعلام الحربي» لفلول المعارضة اليمينية. يلفت غراندِن الى أنّ عدداً قليلاً من المتورّطين المباشرين الكبار قد تمّ سجنهم أو نفيهم اثر الانقلاب المدعوم أميركياً، ولم تحاول حكومة تشافيز حينها أن تستغلّ المناسبة لملاحقة وسجن من أيّد الإنقلاب. النتيجة كانت أنّه، بعد أشهر قليلة، حاولت النّخبة في فنزويلا ــــ مجدداً ــــ إسقاط النّظام عبر تحطيم الاقتصاد، ومنع تشافيز من الحصول على الموارد المالية لتنفيذ مشاريعه الاجتماعية، فحصل إضرابٌ في شركة النفط الوطنية أوقف فعلياً انتاج النّفط ــــ وسيل العائدات الى الحكومة والاقتصاد ــــ لمدّة أشهر.
هذه العقلية ذاتها هي التي تسعّر الصّراع في فنزويلا حالياً، فالمعارضة اليمينية لا تريد اتفاقاً أو مواءمةً مع مادورو، أو خفضاً لمستوى الاضطرابات والعنف، بل هي لن تقبل بأقلّ من الهزيمة الكاملة للحركة التشافيزية وخروجها من النّظام السّياسي. في مطالعةٍ للاقتصادي كلاوديو كاتز حول الصّراع الدائر في فنزويلا، يلفت الباحث الأرجنتيني الى أنّ السيناريو الاعتيادي لانقلابٍ من هذا النّوع ــــ باستخدام الجيش ــــ غير ممكنٍ في حالة فنزويلا، ومادورو يملك دعماً شعبياً في وجه المعارضة فهو لن يتراجع تحت ضغط الشارع، فأصبح المسار الوحيد لتنفيذ الانقلاب هو عبر استدامة الاضطرابات وشلّ البلد وتخريب الاقتصاد، حتّى ينهار النّظام وينفضّ عنه مؤيدوه وقد نال منهم التّعب والإفقار والفوضى.

«ثورة» أو رئاسة؟

المسألة الثانية التي يلفت اليها أكثر دارسي السياسة في فنزويلا هي أنّ «الثورة البوليفارية» لم تكن «ثورةً» بالمعنى التاريخي، تمسك بالسلطة وتُقصي أعداءها وتقود المجتمع. تشافيز ومادورو قد سيطرا فحسبٍ على الجهاز التنفيذي عبر عملية انتخابية دستورية، فيما ظلّ الاقتصاد والإعلام والبيروقراطية والمحاكم ــــ وكلّ مؤسسة ذات قيمة في البلد ــــ في يد خصومهم. هذا السيناريو يشبه حالة «الثورة» في مصر، حيث تغيّر رأس الهرم وبعض الأفراد وظلّت الدولة والمجتمع تحت هيمنة النّظام القديم. أو كأن تؤسس نظاماً «ثورياً» في لبنان، يدعو الى التوزيع والعدالة وتحفيز الزراعة والانتاج، فيما كلّ العائلات التقليدية لا تزال في مواقعها، والدّولة تحت تصرّفهم، والمصارف تدير اللعبة المالية.
بحسب توصيف غراندِن، اضطرّ تشافيز ــــ بعد أن استعاد شركة النفط الوطنية ومعها موارد البترول ــــ الى بناء بنية موازية للدولة التقليدية، بدلاً من استبدالها. أبقى على البيروقراطية الفاسدة كما هي ولكنّه أطلق عدداً كبيراً من البرامج تحت مسمّى «بعثات» (Misiones) تموّلها عائدات النفط وتؤدّي المهام التي ترفض البرجوازية الفنزويلية التعاون فيها: بعثات لتوزيع الطعام في أحياء المهمشين، بعثات للتعليم وللصحّة والتدريب المهني والبيئة الخ… يضيف الكاتب أنّ هذه البرامج التوزيعية، بين عامي 2005 و2012، قد حققت نجاحاً كبيراً ــــ كما تظهر الأرقام ــــ في رفع مستوى حياة الفقراء في فنزويلا، وخفض مستوى الأمراض والآفات الاجتماعية، حتّى أنّ البلد كان على وشك بلوغ الأهداف التي وضعتها الأمم المتحدة للتنمية الانسانية قبل الموعد بسنوات. ولكن تشافيز ــــ من جهةٍ ــــ لم ينجح في تغيير شيءٍ مهمٍّ في النظام الاقتصادي، أو بناء صناعات محلية ومصادر انتاج بديلة، وكان هذا النمط المكلف في الإدارة ــــ من جهةٍ أخرى ــــ معتمداً على أسعار نفط مرتفعة. فلمّا انهار السوق النفطي عام 2014 انكسرت ماليّة الدّولة ووقعت في هوّة الاستدانة، فيما فُقدت البضائع من السوق وبدأ التراجع على كلّ المستويات، بما في ذلك الخدمات الطبية والأساسية.
تشافيز، على حدّ قول غراندِن، هاجم خصومه على التلفزيون وهزمهم في الانتخابات، ولكنّه سمح لهم بأن يصيروا أثرياء وأن يضاعفوا ثرواتهم (تضخّم القطاع الخاص في عهد تشافيز ولم ينحسر)، وأن يتّحكموا بالاستيراد ويقطعوا السّلع عن السّوق متى شاؤوا، ويخرجوا رساميلهم بسهولة ما أن يقرّروا تخريب الاقتصاد. هذه أهمّ الاسباب التي أبقت على طموح المعارضة بسحق الحركة التشافيزية واستعادة «النظام القديم»، فالأمر ــــ بالنسبة الى النخبة المهيمنة ــــ هو بسهولة خلع الرئيس أو تغييره.

شروط المعركة

دراسة كلاوديو كاتز هي، في عمقها، تقريعٌ لليسار «الجديد» في اميركا اللاتينية وفي الغرب، والذي يقف الكثير منه على الحياد في فنزويلا، أو يساهم حتّى في الدعاية المعادية لمادورو (في دراسة أخرى له، يوصّف كاتز هذا اليسار الذي يقول انه يعتنق «الاستقلالية الذاتوية» ــــ autonomism ــــ وصفاته أنّه يعارض الرأسمالية والامبراطورية، ولكن من زاوية معارضة عامّة لكلّ سلطةٍ، عنده أميركا والاتحاد السوفياتي وكوبا سيّان. وهو تيّارٌ يأنف «الرضوخ» للايديولوجيا والقيود التنظيمية التي تحدّ الفرد، ويعتقد أنّ نقده يساريٌّ فيما هو، في الواقع، أشبه بالخطاب الليبرتاني الأميركي libertarian. قسمٌ كبير من هؤلاء المثقفين يعتبر أن مادورو مجرّد سلطويٍّ برجوازي لا يختلف عن البديل الفنزويلي اليميني). الأمور سيّئة للغاية في فنزويلا، يقول كاتز. قُتل أكثر من أربعين شخصاً في اضطرابات 2014 وعدد القتلى في الاشتباكات الحالية صار يربو على السبعين. ولكنّ الأوضاع أسوأ بكثير في باقي أميركا اللاتينية، يضيف كاتز، ولا أحد يوجّه اليها كلّ هذا الاهتمام الاعلامي: قُتل أكثر من 46 قيادياً لحركات شعبية في كولومبيا منذ بداية السنة، وبلغ عدد من اغتالتهم قوى موالية للحكومة 120 ناشطاً في الأشهر الـ14 الماضية، والآلاف في العقدين الأخيرين، والحال مماثلة في هندوراس والمكسيك وغيرهما، بل في فنزويلا نفسها، قتلت الحكومة خلال احتجاجات 1989 أكثر من ألف متظاهر (هذه الوقائع لا تجعل الوضع في فنزويلا أفضل، ولكنّها تشكك في دوافع من يقارن مادورو بصدّام حسين ويدّعي الحرص على الشعب والديمقراطية في فنزويلا).
هؤلاء النشطاء، يضيف كاتز، لا يشيرون الى العنف الذي تمارسه المعارضة الفنزويلية (سواء ضدّ مؤسسات الدولة التي تعتبرها «معادية» أم ضدّ رموز الحركة الشعبية التشافيزية)، والى أنّ أكثر القتلى في اضطرابات 2014 و2017 لم يسقطوا على يد الأمن. الإعلام العالمي لا يلفت الى العنف والاحتقار الذي يمارسه اليمين الفنزويلي ضدّ الفئات التي يعتبرها «تشافيزية»، في علاقة تشبه العلاقة بين البيض والسود في جنوب افريقيا واميركا، وصولاً الى الهجوم على مدارس وعيادات ومراكز لتوزيع الغذاء، ومنازل ناشطين تشافيزيين، وصولاً الى إحراقهم أحياء (منذ يومين فقط، قام شرطيّ معارض بالاستيلاء على مروحية واستخدمها للهجوم على المحكمة العليا بالقنابل والرصاص، وتقول الأخبار من كاراكاس إنه تمّ قتل شرطيٍّ وإحراق اثنين في اليوم نفسه). منذ مجيء تشافيز الى السّلطة، يذكّر كاتز، فازت الحركة البوليفارية بـ17 جولة انتخابية مقابل اثنتين للمعارضة، وقد اعترف التشافيزيون بالهزيمة حين حصلت فيما اعترض خصومهم على كلّ نتيجة لم تناسبهم ورفضوا الاعتراف بها؛ وقاموا بعد انتخابات 2012 الرئاسية بشنّ مواجهةٍ طاحنة تحت دعوى أنّ الانتخابات قد تمّ تزويرها وأنّ مادورو ليس شرعياً ــــ وعلى الطريقة الايرانية، من دون أي اثباتٍ أو حجّة ــــ وحين فازت المعارضة بأغلبية برلمانية عام 2015، اعتبرت أن ذلك يعطيها الحق بإسقاط مادورو واعتباره غير موجود.
يحاجج كاتز بأنّ نخب «اليسار الليبرالي» لا يمكن الاعتماد عليها في مواجهةٍ من هذا النّوع، بل يمكن توقّع أن تدعم ــــ من موقعها ــــ الانقلاب، وهذا حصل فعلاً في البرازيل والباراغواي وغيرها. من صفات اليسار الليبرالي، يقول كاتز، أنّه يقف دوماً، في المحطّات المفصلية، مع القوى الرجعية أو يظلّ، في أحسن الأحوال، على الحياد خلال المعركة (ولو راقبنا سلوك نخبنا العربية في السنوات الماضية ومواقفها في اللحظات الحاسمة، من مصر وسوريا وصولاً الى اليمن والعراق والحشد الشعبي، فإنّ نظرية كاتز لا تنطبق فقط على اميركا اللاتينية). أن تختار «طريقاً ثالثاً»، يقول الباحث الأرجنتيني، فيما هناك استقطاب ومواجهة هو مجرّد هروبٍ وجبن، والمعركة في فنزويلا اليوم ليست بسيطة، وسيكون لها تأثير عميق على مستقبل الشعب هناك. هناك خشيةٌ من أن تخطو فنزويلا صوب الحرب الأهلية ولكنّ من ينظر الى تاريخ البلد يفهم أنّه ــــ حقيقةً ــــ في حربٍ أهلية منذ أكثر من ثمانين عاماً. موقفنا، كعرب وكأفراد، لن يؤثّر على الأحداث في فنزويلا، ولكنّنا قادرون على التعلّم واستخلاص الدّروس، وهو ما سنناقشه في المقال القادم. ولكن أبرز أمثولةٍ تختزلها تجربة الحركة البوليفارية هي أنّ الصراع مع الخارج والامبراطورية مريرٌ وصعب من دون شكّ، وقد تكون المواجهة المباشرة معهم مستحيلة، ولكنّ الحرب ضدّ العدوّ الداخلي ــــ لأي مشروع استقلالي ــــ هي التي لا بديل عن حسمها. (يتبع) الأخبار