ج12: ما بعد حطين حرب استمرت لخمسة أعوام وليس كما يكذب المشنعون

(صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي).
كتب حسن الأمين ( إن صلاح الدين لم يكد يطمئن إلى النصر الرائع في تلك المعركة، حطين، حتّى أسرع إلى القيام بعمل لا يكاد الإنسان يصدّقه، لولا أنّه يقرأ بعينيه تفاصيله الواضحة، في ما سجّله مؤرّخو تلك الحقبة، المؤرّخون الذين خدّرت عقولهم روائع استرداد القدس، فذهلوا عمّا بعده، لم تتخدّر أقلامهم فسجّلوا الحقائق كما هـي، وظلّ تخدير العقول متواصلاً من جيل إلى جيل، تتعامى حتّى عمّا هـو كالشمس الطالعة، حصل بعد حطين أنّ صلاح الدين الأيّوبي آثر الراحة بعد العناء، والتسليم بعد التمرّد، فأسرع يطلب إلى الإفرنج إنهاء حالة الحرب وإحلال السلام عبر التنازل للصليبيين عن الكثير من المدن التي كان صلاح الدين قد استردها منهم بالحرب.. حيفا - يافا - قيسارية - نصف اللد، ونصف الرملة - عكا - صور - وسوى ذلك، حتّى صارت لهم فلسطين إلاّ القليل ، إضافة إلى ما وراء ذلك من اعتراف بوجودهم وإقرار لاحتلالهم ... وإعطائهم الفرصة الذهبية للراحة، والاستعداد التام للانقضاض على القدس من جديد، الأمر الذي حصل فعلاً بعد موت صلاح الدين / ص 144 صلاح الدين بين العباسيين والفاطميين والأمويين). 
نلاحظ ان الكلام هنا يتعلق تحديدا بصلح الرملة خلال مرحلة ما بعد انتصار حطين، وقفزا الى تنازل صلاح الدين عن الشريط الساحلي الذي أطلق عليه صاحب الاتهام صفة "معظم فلسطين"، وصولا الى استرداد الصليبيين للقدس، فهل حدثت الأمور هكذا، وبهذا الإيقاع، وبهذه الطريقة، وهذه السرعة التي قدرها د. جاسب الموسوي بسبعة أشهر بعد حطين؟ لنلق نظرة على الأرقام والتواريخ أولا لنتأكد من أن الرجل - وهو الأستاذ الجامعي كما يقال - يكذب مع سابق إصرار حين يحدد الفترة بسبعة أشهر وهذه هي التواريخ الدقيقة أمامكم : (تحقق انتصار حطين يوم السبت 25 ربيع الآخر سنة 583 هـ، الموافق فيه 5 يوليو سنة 1187م. أما تحرير القدس و دخول صلاح الدين المدينة فقد تم في يوم 27 رجب سنة 583 هـ، الموافق فيه 2 أكتوبر سنة 1187م، في حين تم "التوقيع" والقسم على صلح الرملة بعد خمسة أعوام وتحديدا في شهر حزيران سنة 588 هـ / 1192 م).
تم التوقيع على صلح الرملة بعد خمسة أعوام من الحرب الضارية التي خاضها صلاح الدين ضد الفرنجة بعد معركة حطين وهو عمليا ليس صلحاً أو اتفاقية سلام ولكنه اتخذ هذا الاسم على سبيل الاعتياد والمجاز، فهو في الحقيقة عبارة عن معاهدة هدنة لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر كما تقول بنوده، بين صلاح الدين المنتصر في "حطين" وعدد من الإمارات والممالك الصليبية على الساحل الشامي واكبرها مملكة ريتشارد قلب الأسد في الساحل الفلسطيني، والتي لم يستطع فتحها بعد تحريره لبيت المقدس مباشرة. كان على صلاح الدين أن يستعيد قواه ويريح جيشه بعد معركة ضارية كحطين، ويستجمع العوامل المادية من رجال وأموال وسلاح ليستعد لمواجهة حملة صليبية جديدة. وقبل عرض بنود صلح الرملة دعونا نعود لعرض الأحداث التي تلت تحرير القدس كما يرويها هادي العلوي عن مصادره التاريخية السالف ذكرها وعذرا عن طول الاقتباس: ( بعد الفراغ من القدس وتحريرها، زحف صلاح الدين إلى صور، وكان الإفرنج قد حصنوها ونشروا فيها قوة ضخمة وحاصرها مدة، ثم انسحب عنها بعد أن رأى تذمر جيشه من طول الحصار مع اشتداد البرد. وعاد الى دمشق فوجد وكيل الخزانة فيها قد بنى له قصر فخم لاستراحته فغضب عليه وعزله و قال له "إنا لم نخلق للمقام بدمشق ولا غيرها...". وبعد استراحة قصيرة في دمشق خرج صلاح الدين على رأس جيش إلى السواحل الشمالية فاستعاد اللاذقية وجبلة مع قلاع وحصون كثيرة في تلك الجهات. لكنه عجز عن فتح أنطاكيا، فاضطر الى قبول عرض بالهدنة من حاكمها الإفرنجي لقاء الإفراج عن الأسرى المسلمين فيها. وعاد إلى دمشق، فأقام فيها بضعة أيام - بضعة أيام لا بضعة أشهر! - ليخرج بعد ذلك إلى صفد التي تمكن من فتحها بعد حصار شديد. ثم أعاد الكرة على صور فاستسلمت هذه المرة دون قتال بعد أن رأى محتلوها الإفرنج ما جرى في حصار صفد وفتحها. وبهذه العمليات أنهى صلاح الدين الوجود الأوروبي في بلاد الشام، عدا أنطاكيا وطرطوس التي بقيت في أيديهم ولكن تحت نفوذ صلاح الدين، وكان يخطط لاسترجاعها حين مرض مرضته الأخيرة التي توفي بها سنة 589 هـ. على أن إنهاء الوجود الأوربي لم ينهي الحروب الصليبية، فقد استمرت الموجات مع تساقط المعاقل الأخيرة، واستطاع الأوروبيون إعادة احتلال عكا في حياة صلاح الدين بعد معارك مريرة دامت سبعة وثلاثين شهرا وتكبد فيها الأوروبيون ما بين خمسين ألف إلى مائة ألف قتيل دون أن ينال ذلك من قوتهم التي كانت تتضاعف بالمدد المتواصل من البحر. وعاد صلاح الدين ليريح جيوشه، ويتهيأ لإعادة الكرة، لكنه مات قبل أن يتم له ما عزم عليه. وحقيقة الحال هنا أن صلاح الدين لم يكن بمقدوره إنهاء الحروب الصليبية التي انتظمت في موجات متلاحقة، ولم تؤثر فيها الخسائر البشرية الهائلة التي ألحقها بهم صلاح الدين. ويرجع ذلك لأنها كانت قرار جماعي أوروبي للاستيلاء على المنطقة ضمن سياق الصراع الطويل بين طرفي العالم الأوراسي - الأوروبي الآسيوي ع ل - وتم إيقافها لا حقا على يد الظاهر بيبرس وخليفتيه قلاوون وخليل بعمليات مماثلة في الحجم لعمليات صلاح الدين، ولكنها لم تنتهي وإنما انتهى الاحتلال .. واستمرت الحرب في القرون اللاحقة على شكل غزوات قرصنية كانت تقوم بكبسات في سواحل شمال أفريقيا ومصر والشام .../ 238/ مصدر سابق/ نص العلوي مكتوب بالنحو الساكن فلا توجد فيه أخطاء نحوية حسب النحو المتحرك). الفرق واضح وجلي بين القراءتين السابقتين، فالأولى " قراءة الأمين ومن معه" تقتنص نماذج منتقاة من الأحداث و ترصفها بشكل مقصود ومزور التواريخ لتحقيق الإدانة و تسويق الاتهام المسبق لصلاح الدين، أما الثانية كما يقدمها العلوي فتقرأ الأحداث ضمن سياقها الخاص بحرب طويلة تتخللها فترات من التراجع والتقدم والتحضير والانهاك والتفاوض والقتال ...الخ، لتطرح من ثم خلاصاتها واستنتاجاتها. يتبع في الجزء القادم وفيه نطلع على نصوص بنود صلح الرملة السبعة لتنكشف تماما أكذوبة المشنعين.. شكرا لكم على متابعتكم.
#صفحات_تراثية_معتم_عليها