حول حملة الشتائم والتشويه ضد ثورة العشرين الكبرى

طوابع بريدية عن ثورة العشرين

هل هي صدفة أن يتشاطر من يوجهون الإهانة والشتيمة لتاريخ بلدهم الوطني دعوات التطبيع مع الكيان الصهيوني في نفس الوقت وبنفس الحماس . 
قبيل الاحتلال ببضعة أشهر أقامت السي آي أيه دورة تدريبية في هنغاريا لمائتين من المتعاقدين مع قوات الاحتلال المتأهبة لغزو العراق وعنوانها كيف تخاطب العقل العراقي إعلاميا والغرض هو التمهيد بتلك الحفنة من العملاء " يسمونها فرصة عمل " لإختراق الوعي الوطني المتعب من ممارسات ديكتاتورية آل المجيد الاجرامية وثقل الحصار المرهق الذي نفذته أميركا وبريطانيا بحق العراقيين المحرومين أصلا والاحباطات السياسية التاريخية بعد التجارب المريرة التي عاش في دوامتها العراقي عقودا من الزمن ومن مفردات تلك الدورة إعادة النظر في التاريخ الوطني العراقي فإذا أضيف اليهم من التحق بالركب لاحقا من مترجمين ومخبرين ومقاولين وإعلاميين ومراسلين وموردي بغايا ومرفهات عن جنود الاحتلال فضلا عن منسقي الأحزاب مع قوات الاحتلال ومثل هذا التعامل بدون شك يسقط الغيرة والحياء من نفس ووجه المتعامل ولو أحصينا هؤلاء جميعا لكان لدينا ما يملأ الآلاف من أحصنة طروادة . 
وفي حبائل هؤلاء الناعمة والزاهية يقع كثيرون بحسن نية وبغفلة خاصة في أجواء التوتر والاستقطاب الطائفي التي تشكلت في العراق كواحدة من منجزات نظام صدام الكبرى التي بنى عليها الاحتلال صرح العداوات الشاهق والذي يحتاج هدمه الى عشرات السنين وما لا يعد ولا يحصى من الجهود . 
ترى هل أهدرت أميركا مالها هباء في العراق ؟ . 
الهجوم الكاسح على ذكرى ثورة العشرين التي مرت بالأمس والذي يتجدد كل عام ليس بريئا أو عفويا أو مجرد تبديد ضيق وانفعال وفورة عصبية إنها المعاول التي تهدم كل شيء في العراق ومن هذا الذاكرة الوطنية . 
حجة هؤلاء بأن ثورة العشرين كانت تحالفا بين فئتين من المجتمع العراقي هما الإقطاع ورجال الدين لمقاومة جهد التحديث الذي كانت ستقوم به بريطانيا لولا ثورة العشرين وهذا السبب الظاهر لا يخفي الدافع الذي " يهوس " بين السطور وخلاصته لولا ثورة العشرين لكان مصير الشيعة في العراق مختلفا ولكان الحكم بأيديهم بدلا من السنة ولقامت دولة الشيعة في العراق منذ ذلك الحين بدلا من تأخيرها الى عام الاحتلال الأميركي للعراق .
ومع أن المجال يضيق بتناول هذه القضية المتشعبة ولكن لا بأس من ذكر بعض الأمور الأساسية في نقد هذه الإساءات المنظمة للتاريخ الوطني العراقي ومع أن العالم كله قد شهد ثورات ضد الاستعمار بما في ذلك أميركا نفسها التي ثارت ضد الاستعمار البريطاني ونالت إستقلالها منه فإن العراق يتميز عن كل دول العالم بأن الناس فيه تشتم نفسها وأجدادها ونسبها وأصلها وفصلها وتحط من تاريخها وتحتقر رموزه . 
********************************************
يدعي الصائلون على ذكرى ثورة العشرين بأنها فوتت فرصة التطور وإنها كانت انتفاضة ضد الحداثة التي جلبتها بريطانيا الى العراق وقد تحالف ضدها الإقطاع ورجال الدين للنيل من تلك الفرصة التي كانت ستخلق عراقا آخر وهي نفسه الحجة الواهية التي منحت للأميركان عند إحتلالهم العراق 2003 ومازال المتثاقفون الى اليوم يلطمون على ضياع الفرصة الذهبية التي جلبتها أميركا مع أن أميركا لم تعد إطلاقا بتلك الجائزة التي تنتظر في خيالات وأماني وأحلام هؤلاء وسذاجتهم وانعدام فهمهم لأحوال الأمم ووقائع التاريخ خاصة عندما يقرنون العراق بألمانيا أو اليابان وقد كان لدى أميركا فرصة لكي تقدم نموذجا لما تريد تقديمه للعراق فتلجم بها كل من يعارضها حين تبني تجربة نموذجية في أي من المحافظات والمدن الجنوبية الهادئة والتي لم تشهد غزو عصابات الإرهاب التي أستوردتها أميركا نفسها الى العراق لكي يتحول بحسب مبدأ بوش الى ميدان الدفاع عن الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب . 
بريطانيا لم تترك العراق بعد ثورة العشرين التي كان لها الفضل أي الثورة بنقل العراق الى مرحلة الدولة الحديثة وقطع الطريق على بريطانيا لتقيم نموذجها الاستعماري الخاص وقد بقيت بريطانيا بعد الثورة تدير العراق بالانتداب لمدة إثني عشر عاما وقد رتبت الحكم في العراق لخدمة مصالحها وبعد إعلان الاستقلال في العام 32 من القرن الماضي بقيت بريطانيا تقرر شؤون العراق من خلف ستار حتى اسقاط الملكية عام 58 أي أن بريطانيا امتلكت فرصة أمدها ثمانية وثلاثون عاما كافية لأن تبني بريطانيا ما تريد بناؤه في العراق وتسقط في يد من يعارضون وجودها . 
لقد استطاعت بريطانيا افراغ الدولة في العراق من مضمونها التطويري وأثقلتها بتدخلاتها وتسليط طبقة سياسية فاسدة وعميلة يعاونها جزء إجتماعي مهم هم شيوخ العشائر والاقطاعيون بخلاف ما يروج هؤلاء الجهلة الذين يطعنون التاريخ الوطني العراقي حيث كانت هذه الفئة الاجتماعية حديثة التكوين يد المستعمرين الضاربة في المجتمع العراقي وينسى هؤلاء حقيقة مهمة وهي أن ميدان الثورة كان الفرات الأوسط وقد قام شيوخ العشائر المتعاونون مع المحتلين بمنع امتداد الثورة الى الجنوب حيث كانت حدودها البطحاء شمال الناصرية من جهة الفرات والغراف شمال الناصرية من ناحية دجلة مع أن قادة الثورة : الياسريان السيد نور والسيد علوان والسيد محسن أبو طبيخ والشيخ عبد الواحد آل سكر الفتلاوي الدليمي والشيخ شعلان أبو الچـون لم يكونوا إقطاعيين بل وجوها إجتماعية أبرزتها التقاليد السائدة في العراق ومن يتصورون بأن الثورة قامت نتيجة تحالف بين الاقطاع وبين رجال الدين يعبرون بتلك الرؤية عن جهلهم بتاريخ بلدهم لأن الإقطاع لم يكن قد تشكل بعد وكان المرجع الأهم كاظم اليزدي ضد الثورة ويميل الى التعاون مع المحتلين . . 
والتجربة الاستعمارية البريطانية عموما وليست في العراق وحده وإنما في كل المستعمرات وأبرزها مثالا مصر والهند ليست تجربة تحديثية وإنما تميزت بالحرص على الحفاظ على البنى الاجتماعية والاقتصادية التقليدية بخلاف التجربة الاستعمارية الفرنسية حيث كانت فرنسا تغزو الدول بحجة نشر مبادئ الثورة الفرنسية وتحاول بقدر الإمكان ستر نزعتها الاستعمارية بتحقيق بعض الإنجازات الثقافية والعمرانية والاجتماعية . 
بنهب الدول والشعوب عاشت بريطانيا أهم فترات غناها ورخائها وفي بريطانيا على سبيل المثال يفضل الناس البيوت والأبنية التي يشار الى أنها من العهد الفيكتوري حيث تتميز بالفخامة وعلامات الرفاه وقد صدق ماركس في مقولته الشهيرة : إن كل لقمة مغمسة بدماء أبناء المستعمرات .
من يتخيل أن بريطانيا تركت أثرا إيجابيا في الهند عليه أن يقرأ تاريخ الاستعمار البريطاني في الهند الذي دام قرنا ونصف وكانت الهند مركزا للنهب الاستعماري الذي خلف بلدا متعبا ومثقلا بأمراض الاستعمار لولا القيادة الحكيمة والتاريخية لجواهر لال نهرو وتراث المهاتما غاندي الوطني . 
*******************************************
بين سطور الغائرين تقرأ لولا ثورة العشرين لسلمت بريطانيا الحكم للشيعة الذين يشكلون غالبية سكان العراق ولوفروا الكثير من الآلام والمتاعب والمعاناة وهذا جهل مفضوح آخر بتاريخ المنطقة فبريطانيا هي التي احتضنت تلك المجموعة المسماة بالضباط الشريفيين " نسبة الى الشريف حسين ملك الحجاز " وهي تمثل الاختراق البريطاني للدولة العثمانية وهذه المجموعة من الضباط شاركت بريطانيا في تحقيق ما سمي بالثورة العربية الكبرى التي طردت العثمانيين من المنطقة العربية ليتم تقاسم التركة بين فرنسا وبريطانيا وفق اتفاقية سايكس بيكو التي جزأت المنطقة وحولتها الى حصص في تلك القسمة من يتخيلون بأن التاريخ كان سيتغير لو أن الثورة لم تقم واهمون على فرض حسن نيتهم ذلك أن الشريف حسين ملك الحجاز وأنباؤه تعاونوا مع البريطانيين بكل اندفاع وإخلاص وجيشوا خلفهم القبائل العربية لإسقاط سلطة الدولة العثمانية فهل كان ذلك التعاون شفيعا للشريف حسين كي يحافظ على ملكه فلا يطرد منه ويهان وينفى الى قبرص ثم بعد ذلك تساعد بريطانيا عبد العزيز بن سعود وحركة الاخوان الوهابية على اسقاط حكم الاشراف في الحجاز ليصبح صفحة من التاريخ ثم إن بريطانيا حينما استولت على سوريا قبل أن تتحول الى حساب الفرنسيين ألم تحكمها بفيصل الأول ملك العراق لاحقا وبنفس المجموعة من الضباط الشريفيين وسوريا بلد ذي أغلبية سنية كما أنه لم يشهد بعد ثورته الوطنية التي قامت عام 25 فهل أقامت بريطانيا تلك الحكومة في سوريا ردا على ثورة الشيعة في العراق مثلا وقد استوردت بعد ذلك نفس الطاقم المرتبط بها لتحكم به العراق . 
ما يلفت الانتباه أيضا أن هؤلاء الذين يشتمون التاريخ الوطني العراقي وبعضهم للأسف ممن يحسبون أنفسهم على اليسار يمجدون عبد الكريم قاسم الى حد التأليه ويتباكون على عهده والفرصة التي ضاعت لبناء العراق وتطوره بالانقلاب عليه فيظهرون بذلك ضياعا حقيقيا وكأنهم بذلك كما وصف القرآن الكريم هذه الحالة بدقة : " حمر مستنفرة فرت من قسورة " والا فبحسب معاييرهم ومقاييسهم عبد الكريم قاسم أولى بالشتم والسب لأنه من أنهى الوجود البريطاني في العراق وأخرج العراق من كليا من المرحلة الاستعمارية وقضى على العهد الملكي وقطع ما يعتقد أنه التطور الطبيعي للعراق وقد احترنا يا قرعة من أين نمسك شعرك كما يقول المثل الشامي : نوري السعيد شخصية وطنية وسياسية فذة ويعرف من أين تؤكل الكتف ونتحسر عليه مع أن نوري السعيد كان بريطانيا أكثر مما تطلب بريطانيا وقد دمر العراق بإندفاعته في العمالة تلك وسيدنا عبد الكريم قاسم الذي قتل سيدنا نوري السعيد كان باني العراق ومحرره ولو نال الفرصة لكنا في مصاف العالم المتقدم وهذا لا يشبه ذاك . 
وإن كان العراق قد ضيع فرصة لم تتح له أبدا فقد تابع بذلك أميركا النموذج التصنيمي لهذا النفر من العراقيين أليس ما تقوله وتفعله عند هؤلاء آية وقد فعل العراق ما فعلته إزاء الاستعمار البريطاني مع أنها أقرب الى البريطانيين أصلا وثقافة ودينا ودرجة في التطور .