ج13: بنود صلح الرملة تفضح المشنعين على صلاح الدين

(صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي). لنلق نظرة الآن على بنود صلح أو هدنة الرملة كما وردت في مصادرها الأهم ومنها ( تاريخ الحروب الصليبية : د. محمد سعيد عمران ) و ( المختصر في الحروب الصليبية : د. عمر يحيى محمد) و ( الانجليز والحروب الصليبية : د. زينب عبد المجيد) و ( أبو شامة المقدسي، عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، دمشق 1992، ص 272. ) كما نقلت عنها موسوعة المعرفة مادة "صلح الرملة" لنرى أن هذا " الصلح" عبارة عن هدنة برية وبحرية لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، يجب على الفرنجة الصليبيين بموجبها أن يسحبوا جيوشهم من عسقلان وغزة والداروم (دير البلح)، وأن يبقى تحت سيطرتهم شريط ساحلي يمتد من صور إلى يافا، وأن تكون مدينة الرملة واللد مناصفة بين المسلمين والصليبيين وأن تكون للأوروبيين الحرية التامة في زيارة الأماكن المقدسة في القدس عزل من أي سلاح و دون أن يدفعوا ضرائب، ويجب أن تكون السيادة المطلقة على الأماكن التعبدية من صلاحية المسلمين فقط. أما عن ظروف ومقدمات ودوافع هذه الاتفاقية فنقرأ الآتي: ( كان لوقع الانتصارات التي حققها صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في بلاد الشام أثرها العظيم في الغرب الأوروبي لا سيما سقوط بيت المقدس في أيدي المسلمين سنة ( 583 هـ / 1187 م ) بعد موقعة حطين ، وانكماش الممالك الصليبية في بلاد الشام ، مما جعل صوت البابوية يرتفع مجدداً منادياً ملوك أوروبا وأمرائها للقيام بحملة صليبية جديدة تسترد بيت المقدس وتثأر للصليبيين . وقد آتت هذه الدعوة ثمارها حيث استجاب لها ثلاثة من كبار ملوك أوربا وهم ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا، و فيليب الثاني ملك فرنسا، و فردريك بربروسا امبراطور المانيا.و قد وصل كل من فيليب أغسطس وريشارد قلب الاسد الى عكا وبدأ حصار المسلمين ، إلا أنه لم يكد يمضي الوقت حتى دبت الخلافات بين قائدي الحملة الصليبية نتيجة خلافات قديمة تجددت في أرض المعركة ، نتج عنها انسحاب فيليب أغسطس ملك فرنسا والعودة الى بلاده .
بقي ريتشارد وحيداً في بلاد الشام ليتحمل وحده عبء مواجهة المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وكانت هذه المواجهة ثقيلة على القائد الصليبي اذ تزعم لوحده جموع الصليبيين في بلاد الشام لاسترداد بيت المقدس ودارت بينه وبين صلاح الدين عدة معارك خلال السنوات ( 587 – 588 هـ / 1191 – 1192 م ) كان من أهمها معركة أرسوف سنة ( 587 هـ / 1191 م ) التي أوشك فيها صلاح الدين أن يقضي على الصليبيين لولا اعادة ريتشارد تنظيم صفوفه .
بدأ موقف صلاح الدين يزداد قوة وصلابة في الدفاع عن بيت المقدس، بالرغم مما كان يعانيه من ظروف وأزمات داخلية، وفي المقابل بدأت تظهر داخل الجيش الصليبي خلافات كبيرة ومعقدة، إضافة إلى قلق القائد الصليبي ريتشارد من الأنباء التي كانت تصله تباعاً من عودة عدوه اللدود فيليب أغسطس إلى الاعتداء على أملاكه في الغرب .وفي ظل تلك الظروف بدأ يظهر نوع من المفاوضات بين الطرفين كان كل منهما بحاجة إليه لمعالجة مشاكله الداخلية وترتيب أموره، حيث توصلت تلك المفاوضات العسيرة إلى توقيع اتفاق عرف بصلح الرملة سنة ( 588 هـ / 1192 م ).. وقد تضمنت شروط الاتفاقية ما يلي:
1-تكون الهدنة عامة في البر والبحر، ومدتها ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.
2-أن يتخلى الفرنجة الصليبيون لصلاح الدين عن عسقلان وغزة والداروم (دير البلح)، وأن يبقى الساحل بيدهم من صور إلى يافا بما فيها قيسارية وحيفا وأرسوف.
3-للنصارى الحرية التامة في زيارة الأماكن المقدسة في القدس دون أن يؤدوا ضرائب للمسلمين ودون أن يحملوا أي سلاح.
4- وتكون السيادة على الأماكن التعبدية حسب الاتفاقية من صلاحية المسلمين.
5-اشترط صلاح الدين دخول الاسماعلية الباطنية في الهدنة وفي المقابل اشترط الصليبيون دخول أميري أنطاكية وطرابلس الصليبيين في ذلك .
6-تكون مدينة الرملة واللد مناصفة بين المسلمين والصليبيين .
7-تتم هذه الاتفاقية بعد أن يحلف عليها ملوك وأمراء كلا الطرفين.
فليقارن من شاء المقارنة هذه البنود الواردة في اتفاقية "صلح الرملة" بما زعمه حسن الأمين ومن نقل عنه من البنود المحرفة، ومن ثم فليخرج بالاستنتاجات الملائمة حول موضوعيتهم وصدقهم في السجال حول صلاح الدين الأيوبي الذي لا يعرفون عنه سوى أنه أنهى الخلافة الفاطمية و أغلق الجامع الأزهر. الغريب أن هؤلاء الهاجين لصلاح الدين والمدافعين عن الخلافة الفاطمية يعتبرون تلك الخلافة ومعها الإسماعيليون امتدادا لتشيعهم، جاهلين أو متجاهلين أن فقهاءهم فسقوا إمام الفاطميين الاسماعيليين نفسه "اسماعيل بن جعفر الصادق" واتهموه بشتى التهم كالعصيان وشرب الخمور في أحاديث موضوعة نسبوها إلى أبيه الإمام جعفر الصادق، فليرجع من أراد المزيد إلى ما كتبه محمد باقر المجلسي في موسوعته "بحار الأنوار" ج 25 ص 160 وفي الجزء 47 ص 247 . وهم بهذا لا يدافعون عن الفاطميين ومذهبهم و أسرتهم وإنجازاتهم الحضارية الكبيرة بل عن دولة يعتبرونها شيعية مثلهم وقد أطاح بها "السني" صلاح الدين، أي أنهم يدافعون كعادتهم عن الدولة والدنيا لا عن الدين والحضارة والتاريخ. يتبع في الحلقة القادمة وفيها سنتوقف عن بعض المتفرقات الضرورية.
*رابط موسوعة المعرفة مادة " صلح الرملة" في خانة أول تعليق.
#صفحات_تراثية_معتم_عليها