الحركة الاشتراكية في مواجهة الحركات الليبرالية والدينية

لعل أمضى الأسلحة التي يمكن أن تستعملها البورجوازية في مواجهة الهبات الثورية للشغيلة، هو ذاك السلاح المتمثل في خلق إستقطابات ثنائية وهمية هدفها إخفاء وتمييع الاستقطاب الطبقي بين الرأسمال وعبيد الأجر. فلقطع الطريق أمام تشكل طبقي مستقل الأهداف والحركة لعموم الكادحين في مواجهة أصحاب الثروة، فان البورجوازية تسعى دائما، وخاصة وقت الأزمات الثورية، إلى تقسيم الحركة الثورية إلى فئات وجماعات وأقطاب متنازعة ومتصارعة، بما يسمح لها باستعمال هذا الشق من الفقراء في مواجهة الشق الآخر. بين شق "مؤمن" وآخر "كافر"، بين شق "سني" وآخر "شيعي"، بين شق "مسلم "وآخر "مسيحي"، بين شق "سلفي متشدد" وآخر "ليبرالي معتدل"..الخ، وهو ما يعني أن الحركة، وبدل أن توجه عنفها الثوري ضد أعدائها، فإنها تجد نفسها تستنزف كل طاقاتها وراء هذا الشق أو ذاك، وتستنفذ وقتها، في اللحظات الحاسمة، في جدالات عقيمة ومعارك وهمية. وهذا ما يعطي الفرصة والوقت اللازمين للبورجوازية لإعادة ترتيب نفسها وتجهيز قواها واستعادة زمام المبادرة وتنظيم الثورة المضادة. ولعل الموجة الثورية الحالية مثلت ولا تزال الفرصة التاريخية لاكتشاف هذا السلاح البورجوازي، ومعاينة خطورته وقدرته الكبيرة على تفكيك أواصر الوحدة الطبقية لجمهور المنتفضين وجره وراء معارك جانبية تستهلكه والتمويه على أهدافه الحقيقية التي قام من أجلها. 
* * *

إن الحركات الدينية مثلها مثل الحركات الليبرالية لا تعبر إلا عن مصالح رأس المال والبورجوازية. ورغم كل ما يظهر وكأنه تناقض عميق بين هذه الحركات، فان برامجها ومشاريعها لا تمثل سوى برامج ومشاريع الرأسمالية نفسها. فكلاهما، مهما زين خطابه بمصطلحات فضفاضة من نوع "العدالة الاجتماعية" و"الحرية" و"الكرامة"، فانه في الحقيقة لا يهدف إلا إلى تأبيد نظام الاستغلال الرأسمالي، أي إعادة إنتاج نفس النظام الاقتصادي والاجتماعي المتسبب الفعلي في غياب العدالة الاجتماعية وسلب الجماهير الكادحة حريتها وكرامتها ورميها في حضيض البطالة والتهميش. 

وليس غريبا أن هذه الأحزاب، برغم كل الجعجعة الإعلامية، فإنها تجد دائما ما يسمونه "توافقا" بينها، وفي كل مرة تقيم التسويات والتفاهمات (تقع أغلبها في الكواليس والغرف المغلقة) للخروج مما يسمون "أزمة"، أي للخروج من الأزمة التي يواجهها النظام في مواجهة الموجة الثورية التي تهدد كيانه. 
ونزاعها الفعلي فيما بينها، لا يعبر عن المضمون الحقيقي للنزاع الاجتماعي الذي تمثله الموجة الثورية، بل هو نزاعها من أجل حيازة موقع في كرسي الحكم، أي حيازة موقع في الآلة السياسية للحكم الطبقي للبورجوازية. وهم، في نزاعاتهم تلك، تجدهم يجرون الجمهور المنتفض وراءهم بخلق مهام وهمية (يسمونها مهام الثورة) أو بخلق معارك مضللة من نوع هوية/علمانية، خلافة/دولة مدنية، إسلام/حداثة..الخ، وليس غريبا أنه، بعد اللغط والمشاحنات حول هذه القضية أو تلك من القضايا التي يبتدعونها، سريعا ما تغيب هذه القضية بالذات وينتهي تداولها في وسائل الإعلام بمجرد قيام توازن معين بين تلك الأحزاب والحركات. وفي كل مرة يحاول الطرف "الضعيف" تغيير التوازن الحاصل إلا وينبري ليعيد طرح قضية وهمية جديدة يحاول من خلالها "تحريك الشارع" وتجييش الأنصار. وهكذا إلى ما لا نهاية من المنازعات والمشاحنات التي كلما تطورت، كلما استطاعت أن تجر جمهور الكادحين إلى خارج أرض معركتهم الطبقية الفعلية. 
* * *

إن الحركات الدينية ليست حالة خاصة، ولا تمثل أحزابا "ذات خصوصية" في المجتمع. فهي مثل نظيراتها من الحركات الليبرالية أحزاب بورجوازية بامتياز. وبرنامجها الاقتصادي والاجتماعي هو صيغة من صيغ برامج البورجوازية والرأسمال. ولذلك فان الحركة الاشتراكية لا تواجهها كقضية خاصة، أو بصفتها الدينية، ولا بصفتها ممثلا لعالم "الإيمان" في مواجهة عالم "الإلحاد" أو "العلمانية" إنما تواجهها بصفتها الواقعية كمعبر عن مصالح البورجوازية بمختلف فئاتها وشرائحها. وبصفتها احتياطي سياسي للنظام الاجتماعي في مواجهته للثورة الاجتماعية. 
هذا الأمر يجعل الحركة الاشتراكية تواجه الحركات الدينية بصفتها الواقعية وليس بالصفة "الدينية" التي تريد أن تسبغها على نفسها. فالحركة الاشتراكية لا تواجه الأفكار والمعتقدات، بل هي في مواجهة للنظام الاجتماعي والاقتصادي القائم (وما ينتج من الأفكار للدفاع عن شكله الاستغلالي وأزليته المزعوم). أي أننا لا نطمح لاستبدال عقائد قديمة بعقائد جديدة، فلا نحن نطمح لوضع "الإلحاد" مكان "الإيمان" في رؤوس البشر، ولا نطمح لوضع تأويل ليبرالي لنص مقدس مكان تأويل "سلفي" له، ولا نطمح لإرساء دين "متسامح" في مكان دين "متشدد"، ولا أن نبث "نور العقل" في مكان "الظلامية"...الخ. فالحركة الاشتراكية لا يمكن لها أن تتقدم خطوة واحدة بدون التخلص من هذه الثنائيات الوهمية، وإبراز التناقض الواقعي في المجتمع بين مالكي وسائل إنتاج الثروة وبين أغلبية المجتمع الخاضعة لهم. 
* * *

لكن العقائد والإيديولوجيات بكل أشكال ظهورها، السماوية منها والأرضية، هي من جهة سلاح بيد الطبقة السائدة، أي قوة مادية لتأبيد السيطرة الطبقية وتبرير وجودها، ومن جهة أخرى تظهر بصفتها يوطوبيات خيالية للتحرر في صفوف البروليتاريا ذاتها. وفي الحالتين فهي قوة كبح للحركة الثورية وعائق أمام تطورها. والحركة الاشتراكية تجد نفسها مجبرة على النضال ضد كل هذه الإيديولوجيات التي تنشئها آلة الدعاية البورجوازية. لكن ليس كمهمة خاصة، أو مثلما يسمونه "صراع إيديولوجي"، بل بصفتها مواجهة واقعية بين مشروعين اجتماعيين متناقضين. ولعل كل خطأ في هذا المجال تكون عواقبه وخيمة، ويمكنه أن يساهم ، بوعي أو بغير وعي، في إعادة تدجين الحركة الاجتماعية في إطار الثنائيات البورجوازية التي ذكرناها سابقا. 
فالحركة الاشتراكية ليست حركة من أجل دولة علمانية في مواجهة الدولة الدينية. إنها حركة العمال ضد الدولة البورجوازية ورأس المال، من أجل تحرر المجتمع من عبودية الحكم السياسي للبشر. 
والحركة الاشتراكية ليست حركة الحادية في مواجهة الدين. إنها حركة البروليتاريا الثورية ضد كل الإيديولوجيات التي تريد تبرير الاستغلال والطبقية وإضفاء شرعية (سماوية أو أرضية) على أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتصويره كأسلوب طبيعي وأزلي. وفي الواقع فليست العقائد الدينية هي وحدها من يقوم بمهمة إقناع العمال بأن الربح الرأسمالي والمنافسة والتفاوت الطبقي وكل الأصناف الاقتصادية الخاصة بالرأسمالية هي أصناف طبيعية مرتبطة بالطبيعة البشرية نفسها وليست ظاهرة تاريخية طارئة يمكن التخلص منها ومن آفاتها الاجتماعية، بل إن العقائد الدينية لا تبدو اليوم هي أخطر تلك الإيديولوجيات، فالإيديولوجيات القومية والوطنية والليبرالية والمسماة "حداثية" لعبت ولا تزال أدوارا حاسمة في غلق أي أفق لتجاوز الرأسمالية أمام البروليتاريا وعموم الكادحين بالاكتفاء بهذا الإصلاح أو ذاك لدولة رأس المال. 
كذلك فالحركة الاشتراكية لا تعارض الاستبداد الديني بما يسمى "حرية المعتقد"، بل هي تطمح لتحرر فعلي للمجتمع من عبودية فعلية على الأرض، عبودية الأجر وديكتاتورية قانون القيمة والمردودية الاقتصادية. ذلك أن حرية واقعية للحياة الروحية للمجتمع غير ممكنة بدون تحرر المجتمع من القوى المادية التي تستلبه وتقف فوقه كقوة ميتافيزيقية غير قابلة للضبط أو الفهم. فهل سيتغير وضع العامل إذا قلنا له أن الدولة تمنحك حقك في الاعتقاد بما تشاء؟ وهل سيغير من وضعه كعامل أن يكون حرا في أن يذهب لتأدية خمس صلوات في المسجد أو يذهب لقداس الكنيسة يوم الأحد أو يتكدس في إحدى الحانات المتسخة ويدفع نصف أجره في مقابل قاذورات المصانع الكيميائية ويقولون له أنها ستنعشه وتخرجه من جحيم العمل؟ فحريته الوحيدة، في هذا العالم المتفسخ، تكمن في حريته في أن يبيع نفسه يوميا لصاحب العمل في مقابل أجرة بائسة أو في أن يموت بالجوع. حريته في أن يواصل حياته الذليلة تلك أو أن يضرم في جسده النار، وسيتكفل الفقهاء والشيوخ بإصدار الفتاوي لإدخاله الجنة وتجنيبه جحيم السماء بعد أن ذاق ألوان الجحيم الأرضي. 
تلك هي حريتكم التي تتكرمون علينا بها أيها الأوغاد. 
* * *

كل ما سبق لا يعني البتة أن الحركة الاشتراكية محايدة في علاقة بقمع الحريات الشخصية (وفي الواقع هو ليس قمعا شخصيا بل طبقيا بامتياز، فهو يعني تقيد الافراد الاجتماعييين بتقييدات الطبقة الحاكمة)، وتكميم الأفواه ومختلف أشكال الإرهاب الذي تمارسه الدولة سواء باسم الدين أو باسم "الحداثة" و"المدنية" و"الحفاظ على النظام"...الخ. كما ليست محايدة في علاقة بالنضال من أجل فرض حرية الجماهير في ممارسة كل أشكال التعبير والدعاية، أو في النضال من أجل فرض شروط نضال طبقي أفضل من خلال فرض حرية التنظيم الطبقي لعموم الكادحين وتطوير كل أشكال نضالهم ضد النظام الذي يسحقهم. 
إن الحركة الاشتراكية، بالعكس تماما، تعتبر كل ذلك مستوى من مستويات نضال طبقتنا من أجل تحررها. بل إنها تجده أمرا حيويا وحاسما في تطوير المسار الثوري نفسه. غير أن الحركة الاشتراكية لا تنطلق في نظرتها لهذه النضالات من زاوية حقوقية (النضال من أجل "الحق" في التعبير)، بل من زاوية النضال الثوري الذي لا يعبر عن حرية التعبير بل عن الحرية التي تعطينا فرصة المساهمة في تقرير مصيرنا بوصفنا افرادا اجتماعييين ومساهمين في تنظيم كل الامور المتعلقة بحياتنا اليومية، فما حرية التعبير ان لم تتعلق بحاجياتنا وامور تطويرها؟ كما لا تنطلق من زاوية سياسية (النضال من أجل حق الأحزاب في التداول السلمي على السلطة) بل من زاوية طبقية (النضال من أجل فرض حرية التعبير السياسي للطبقة الكادحة)، ولا تنطلق من زاوية ما يسمى بالنضال من أجل الجمهورية الديمقراطية (أي دولة رأس المال الديمقراطية)، بل من زاوية النضال من أجل فرض توازن طبقي يجبر دولة البورجوازية على ترك هامش من الحرية لعموم الجماهير، يكون قاعدة لتطور الحركة الثورية. ولا تنطلق الحركة الاشتراكية من زاوية ابتداع مرحلة وهمية اسمها "المرحلة الديمقراطية البورجوازية" كمهمة ملقاة على عاتق العمال، وهي في الواقع ليست سوى إعادة إنتاج النظام الرأسمالي بيافطات جديدة، إنما هي تنطلق من كون الحرية الفعلية والواقعية التي يمكن للشغيلة أن تحصل عليها لا توجد إلا في خضم النضال الثوري نفسه. وفي هذا الخضم لا تعود الحرية هدفا خاصا، أو مهمة للانجاز، بل حالة واقعية تتطور بتطور النضال الثوري نفسه. 
وهكذا فالحركة الاشتراكية لا تتعارض مع الحركات الليبرالية والديمقراطية من زاوية الحركات البورجوازية الأخرى المسماة فاشية أو دينية أو غيرها، ولا تتميز عنهم، مثلما يدعون، بكونها محايدة في ما يسمونه بقضايا الحريات. إن تناقضها معهم يكمن في كونهم يريدون الوقوف عند حدود تغيير هذا الشكل أو ذاك من الدولة البورجوازية، كونهم يضعون البروليتاريا الثورية، خاصة في اللحظات الانتفاضية، أمام ثنائية وهمية بين دولة ديمقراطية/دولة ديكتاتورية، دولة مدنية/دولة دينية، دولة علمانية/دولة تيوقراطية، جمهورية/ملكية...الخ، أي أنهم يخيرون العمال بين استعبادهم بشكل ديمقراطي أو استعبادهم بشكل ديكتاتوري، استعبادهم من طرف فئة ليبرالية أو استعبادهم من طرف فئة سياسية فاشية أو دينية، قمعهم باسم "الحداثة" أو قمعهم باسم "الهوية". 
فهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأن أحد زعماء الحركات الدينية دعا لإقامة الخلافة (وهي دعوة إيديولوجية بحتة)، لكنهم يصمتون تماما عندما يقول نفس هذا الزعيم الديني كون حزبه سيطبق سياسة "اقتصاد السوق" و"سيشجع الاستثمار"، أي أنه سيواصل نفس الخيارات الرأسمالية القائمة. ويخرجون إلى الشوارع ضد "تعدد الزوجات" ومطالبين "بالمحافظة على مكاسب المرأة" و"مكاسب الحداثة"..الخ، لكنهم في المقابل يدعون العمال إلى الانضباط والعودة للعمل و"الحفاظ على المصلحة الوطنية" و"عدم الإضرار بالاقتصاد الوطني"، بل إنهم يسمون النضالات الاجتماعية التي يخوضها الفقراء "انفلاتا اجتماعيا" ويسمون المصادمات بين الجماهير المنتفضة وأجهزة القمع "انفلاتا أمنيا". ويستعرضون بكائياتهم لأن المنتفضين قد دمروا أحد مراكز القمع، ويسمون ذلك "إضرارا بالمصالح العامة". كما أنهم يملؤون الدنيا زعيقا لأن أحد الشخصيات السياسية أو الثقافية "المرموقة" قد تعرض للاعتداء، لكنهم ينظرون بعين الامتنان لحملة الإيقافات التي تعد بالآلاف شهريا (في تونس أكثر من أربعين ألف عملية إيقاف في الشهور العشرة الأوائل من سنة 2011 ) ويعتبرون ذلك "حملة تنظيف" للمجتمع من الحشرات المضرة. 
و"عشاق الحريات الشخصية" هؤلاء يشعرون بالتبرم من ممارسة الجماهير لحريتها، ويعتبرون ذلك فوضى. وكل حركة تخرج عن إطار "الانضباط للقانون" وعن "الطابع السلمي والمدني" فإنها مدانة بنظرهم، وهي مؤامرة تحيكها "فلول التجمع" أو "عصابات الفارين من السجون". وأكثر من ذلك فهم لا يعتبرون الاستغلال اليومي للعمال أو رميهم في حضيض البطالة اعتداء على الحرية الشخصية، انه أمر عادي، أو هو في أحسن الأحوال "مشكلة اجتماعية" يجب فضها "بالحوار المسؤول" وترك المجال للسياسيين والإداريين لكي يبحثوا لها عن حلول. 
إن هؤلاء ليسوا رفاق درب ولا حلفاء وقتيين، فهم، برغم لهجتهم الليبرالية، سريعا ما يكشرون عن أنيابهم عندما تبرز البروليتاريا أهدافها الحقيقية، وسريعا ما يصطفون في صف النظام عندما تخرج الحركة عن تأطيرهم الحزبي. وبينما يأتون متباكين من صعود اليمين الفاشي، ويدعون لتوحيد صف "الجبهة التقدمية"، فإنهم سريعا ما ينعتون العناصر الثورية بالمتطرفين والفوضويين عندما يوجهون نضالهم ضد النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يدافعون عنه. وكل دعايتهم تقوم على "رفض التطرف يمينا أو يسارا"، وهو ما يعني أنهم يواجهون المجموعات الثورية ويحاولون عزلها بالقدر الذي ينافسون فيه اليمين. بل إنهم لا يتورعون على عقد الصفقات والوفاقات مع هذا اليمين الذي يدعون النضال ضده، بل إنهم يميلون إليه أكثر من ميلهم إلى صف الثورة، لأنهم ببساطة، كاليمين، يدافعون عن نفس النظام، ويواجهون، كاليمين، حركة البروليتاريا الثورية ويتناقضون مع مشروعها التاريخي.