تحررت الموصل عسكرياً: كيف تتحرر فكرياً؟

أخيراً سقط تنظيم داعش في بلد المنشأ، وحُررت مدينة الموصل (عاصمة الخلافة) من تنظيم داعش المهجن والمركب في أماكن شتى. بظرف تسعة أشهر فقط قدِم الأبطال وحرروا نينوى من براثن الوحش الذي تمنى له اليانكي عمراً مديداً. فسقطت هالة داعش الإعلامية وتهاوت استراتيجيته في الحرب النفسية تحت أقدام الجيش وقوى مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي.

إنجاز يُشعر بالثقة، وبالمقدرة على التخلص من داعش وأمثاله، بالدم العراقي بعرق الجبين، من دون منّة لا من أميركا ولا من سواها من الذين كانوا أول المتواطئين مع التنظيم ومسهلي دخوله بتاريخ التاسع من حزيران إلى الموصل، فهللوا وصفقوا له وقدموا له الغالي والنفيس. لا شك بأن الإنجاز هائل، ويحق للعراق شعباً وجيشاً وحكومة، ولكل عربي ولكل من عانى من الإرهاب أن يحتفي بالنصر، ولكن يجب الالتفات سريعاً إلى تحديات إعادة البناء (بمختلف أنواعه وأشكاله) التي لا تحتمل أي تأخير.

إعادة البناء النفسي والتربوي

لن نتحدث هنا عن إعادة إعمار الحجر وسبل إيواء السكان، وتصليحات الماء والكهرباء والمشافي وتنظيف شوارع المدينة، بل عن الاستراتيجية الإعلامية ـ التربوية ـ الثقافية التي ينبغي أن تكون الدولة والوزارات العراقية قد وضعوها مسبقاً وقبل تسعة أشهر من اليوم.
فتنظيم «داعش» كان قد أعد فور احتلاله للموصل استراتيجية إعلامية وأخرى تربوية بهدف تجييش الأهالي وجذب الشباب إلى صفوفه وتعبئتهم وفقاً لأيديولوجيته معتمداً على وسائل إعلامه المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة فضلاً عن الانترنت. وعلى أفكار الزرقاوي وأبي بكر البغدادي، وعلى آراء الشيخ أبو عبد الله المهاجر في «فقه الدماء». وعمد إلى وضع مناهج تربوية خاصة تتناسب مع عقيدته السلفية الجهادية، فغير المواد التدريسية بشكل شامل من المدارس الابتدائية، وصولاً إلى المعاهد والجامعات. وضع تاريخاً جديداً «تربية جهادية» للمرحلة الابتدائية سعياً منه لبذر عقيدته القتالية في عقول التلامذة منذ صغرهم.


على الدولة العراقية
أن تضع في أولوياتها إعادة التأهيل لجيل
الشباب الموصلي


من يقرأ في الكتب التي يعتمدها «داعش» كروافد أساسية لأيديولوجيته وتربيته السياسية يعرف إلى أي مدى يركز التنظيم على التربية في ميدان القتال، ففي كتاب «إدارة التوحش» لأبي بكر ناجي، نقرأ: «إنّ تخريج الأجيال الجديدة وانتخاب قادة الحركة الجهادية هو الهدف النهائي للعملية التربوية، إنّ هذا النوع من التربية هو الذي سيخرّج الجيل القادر على حمل أمانة هذا الدين وينقل الأمة للالتحاق بدرب الجهاد، وهو الذي سيخرج من خلاله القادة الحقيقيون للأمة وذلك لأن الكلام على المنبر سهل... أما أن يُهدم البيت وتُشرّد الأسرة وتُمزّق الأم والأخت إلى أشلاء فذلك لا يقدر عليه إلا الأفذاذ من الرجال، والقيادات العظيمة والجنود الأشداء لا يخرجون إلا من مثل هذا الجو» (إدارة التوحش، ص 58).
هذا الصنف من التربية وإن تحدثت عنه كتب «داعش» إلا أنه لا يُقرأ بالكتب، بل بالدمار، بمظاهر الأشلاء، بالقسوة، بالحرمان، بمشاهد الدماء وربما بصور الظلم والسحق وامتهان الكرامات واليتم. لذلك ينبغي أن تعمل المؤسسات التربوية الحكومية وحتى العسكرية على بث نقيضه، عبر تلافي مظاهر الشماتة والازدراء تجاه أي شرائح مدنية أو دينية. والمسارعة إلى احتضان الجيل الجديد من الأطفال والاقتراب منهم وتبديد مخاوفهم. وهنا ضرورة وجود طواقم مختصة في مجالات الصحة النفسية والجسدية والتواصل الأكثر أهمية وجدوى هو ذلك الذي يحصل مع السيدات وخاصة الأمهات والنساء بشكل عام. لبث الاطمئنان بدل الخوف، والسلام مكان الحرب، والبناء على حساب الهدم والخراب. والمحبة في مواجهة الضغينة والحقد، والاحترام بدلاً من الإذلال.

 

الأطفال ماذا تعلموا، ماذا قرأوا وعلى ماذا تدربوا؟

تدلل محتويات مكتبة أبي بكر البغدادي زعيم التنظيم والمثال الأعلى لأطفال (دولة الخلافة) على العقلية التكفيرية الأحادية في النظر إلى المعرفة، إذّ يورد ياسر عبد الحسين لائحة بالكتب التي تحتويها هذه المكتبة فيذكر 60 كتاباً يغلب عليها الطابع السلفي الوهابي، أبرزها لأحمد بن حنبل، ابن القيم الجوزية، ابن عبد الوهاب، ابن عثيمين، ابن تيمية، ابن باز، صالح الفوزان، من دون أن ننسى كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب... يعلق عبد الحسين على هذه الكتب بالقول «إنها تمثل خط السلفية الوهابية من حيث الإعداد والأفكار... إنها مكتبة لشخص يريد بناء تيار فكري خاص به... وتهدف الى التجنيد» (الحرب العالمية الثالثة - داعش والعراق وادارة التوحش، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2015، ص 276- 282).
لطالما حرص تنظيم «داعش» على إخضاع عناصره والمنتمين الجدد لفترات تدريبية لمدة سنة كاملة، وإلى عملية تصنيف، وتحكّم بالمعارف. ووفر ظروف التهيئة النفسية من قبل مدربين مختصين، كانوا يتكفلون بإزالة أيّة رواسب فكرية علمانية أو مغايرة للقراءة السلفية للدين. ولطالما ظهّر التنظيم أعمال الذبح وقطع الرؤوس والسحل والصلب وبتر الأعضاء على أنّها تجسيد وترجمة للأحكام الإسلامية بصيغتها الأصلية.
كثيرة هي التقارير التي تحدثت عن تزايد عدد المراهقين الذين يجبرهم «داعش» على الانخراط في صفوفه ويخضعهم لتدريبات قاسية في معسكراته في محيط مدينة الموصل. إن حصول عملية غسل الأدمغة هذه أكدتها مجموعة من الشخصيات والجهات المطّلعة. ففي 16 آذار 2016 كشفت النائب عن التحالف الكردستاني في العراق فيان دخيل، عن «وجود 1000 طفل أيزيدي قد تم احتجازهم في معسكرات تدريبية لدى «داعش»، وتم إجبارهم على تغيير ديانتهم وحمل السلاح واستخدامهم كدروع بشرية أو من أجل تنفيذ العمليات الانتحارية. في 8 آذار 2016 قام التنظيم باستخدام الأطفال الايزيديين المختطفين لإعدام 20 شخصاً من أهالي الموصل في شوارع المدينة وذلك بتهمة التخابر مع الجهات الأمنية، عمليات الإعدام هذه نفذها أطفال تتراوح أعمارهم بين 10و 15 سنة بهدف التأثير عليهم نفسياً وتعويدهم على القتل وإراقة الدماء.

ضرورة إعادة التأهيل النفسي للجيل الجديد

أكثر من ثلاث سنوات من التربية العملية على جبهات القتال في مدينة الموصل وأريافها، جهود حثيثة بذلها خبراء الحرب النفسية لـ«داعش» لغسل أدمغة الفتية الموصليين في معسكرات التدريب، وتعمد تعويدهم على مشاهد الإعدامات في شوارع المدينة، يضاف إلى ذلك كمّ هائل من التسجيلات المرئية والخطب والدروس التي تحضّ على التكفير والذبح. ثلاث سنوات في سجن «داعش» الكبير، ألا تكفي لاحتلال عقول جيل كامل من الناشئة ومسخه وحشوه بالأفكار الهدامة؟ لذلك نقول إنّ عملية تحرير الموصل من الفكر الداعشي هي أكثر صعوبة بمرات من التحرير العسكري، لأنّ أفكار العنف والتكفير غير مرئية، تبقى كامنة لتظهر بعد سنوات وربما عقود وتنتقل من جيل إلى جيل ومن مدينة الى أخرى على امتداد الوطن وأيضاً عبر الحدود.
إن الوقائع التي تقدمت تحتّم على الدولة العراقية أن تضع إعادة التأهيل النفسي والتربوي والاجتماعي لجيل الشباب الموصلي وللنساء والأطفال في أعلى سلم أولوياتها. مع الإقرار بأن المهمة ضخمة جداً في هكذا مدينة كبيرة تتسم بالتنوع الطائفي والديني، عانت خلال السنوات الماضية عملية تدمير ممنهجة لهويتها الثقافية والدينية الثرية والعريقة. إذ نذكر إعلان منظمة اليونسكو عن هواجسها من وقوع عملية «تطهير ثقافي» في نينوى غير مسبوق، بل قل نظيره على الأرض. كذلك لا بد من العمل على استعادة التنوع في التركيبة الاجتماعية الذي هشمه «داعش» عبر تهجير شرائح سكانية لها وجود تاريخي في المدينة.
هزيمة «داعش» في الموصل هي من دون أدنى شك ماحقة وشديدة الرمزية، وبمثابة سقوط مدو لكل طروحاته ومعاركه الإعلامية والنفسية، ولكن يجب أن نقر بأن تحرير الموصل عسكرياً لن يكتمل إلا بتحريرها فكرياً وثقافياً من دعاية «التوحش» الغريبة عن تاريخها. وذلك يتطلب أيضاً جيشاً من الاختصاصيين والمدربين النفسيين والاجتماعيين وطواقم تربوية متخصصة تعمل وفقاً لخطة شاملة ومحكمة وموضوعية تحترم خصوصية هذه المدينة «المختبر» للتعايش والتنوع الثقافي والديني في المشرق، أي تهاون أو إهمال لهذه المشكلة يعني تأمين بيئة مثالية لتفريخ المزيد من الأفكار والكوادر والأجيال الأكثر عنفاً وتوحشاً من نسخة «داعش» الأخيرة.
أولى المناشدات التي أطلقها قائد الشرطة الاتحادية رائد شاكر جودت من أرض المعركة كانت «حاجة أطفال ونساء الموصل إلى عملية تأهيل لدمجهم في المجتمع» كأنه يقول: «نحن القادة العسكريين والأمنيين قمنا بواجبنا، فلتتفضل القيادة السياسية والوزارات وبالتعاون مع مرجعيات دينية وعشائرية محلية وتقوم بواجباتها، وتواجه التحديات التربوية والنفسية والثقافية في المدينة التي قدمناها لكم محررة على طبق من أغلى التضحيات». الأخبار
* كاتب سياسي وأكاديمي لبناني