مؤتمر للسنة في بغداد.. لماذا الاعتراض؟

الهاشمي والمالكي / أرشيف

مؤتمر للسنة في بغداد إن صح الخبر وصدق التوقيت ويا أهلا بكم في بيتكم ومطرحكم ولا أدري ما هو وجه الاعتراض . 
إن كان للسنة فهذا هو العنوان الحقيقي العريض والشامل للطيف الطائفي الذي كان يحكم العراق قبل الاحتلال ثم خسر السلطة فجرب كل الوسائل العسكرية والسياسية لاسترداد الفردوس المفقود ففشل وإنعقاد هذا المؤتمر لسلم بهذا الفشل الذي أخذ من العراق آلاف الضحايا وملايين الدولارات من الثروات وفرصا كثيرة للاستقرار والتطور وكانت داعش آخر سهم في الكنانة ومع كل جهدها المعروف لم تحقق الهدف المنشود لا لأن الطرف الآخر يمتلك من القوة ما يصد به هذه المحاولات ويفشلها ولكن لأن الترتيبات التي تلت الاحتلال رسخت هذه القواعد ولن تسمح أميركا بخرقها أو تدميرها وهذا ما لم تعه القيادات والنخب السنية أو ربما هي أرادت على الأقل أن تعدل الموازين وربما استطاعت الى حد ما تحقيق هذه الغاية وهي تكتفي بما حققت وجاءت لتسلم بقواعد اللعبة وتريد الالتزام بها فلماذا الإعتراض وحين تعارض هذه الجماعات العملية السياسية توصم بالإرهاب وإن كان العنوان التعريفي لهذه المجموعات هو " السنة " فهذا توجه صريح ومباشر نحو وضع الأمور في نصابها الصحيح ولو أن هذه التسمية ستسقط في يد الذين يستخدمون تسمية " البعث " في حشر كل من يعارضهم في خانته ويفقدهم البعد التحريضي للكلمة ولكن الاعتراف بالحقائق فضيلة لكل الأطراف فلا علاقة لهؤلاء بالبعث فكرا أو أهدافا وإنما هم طيف طائفي ارتقى على ظهر البعث كمطية لتحقيق الأهداف والغايات المذهبية والمناطقية والعشائرية خاصة مع صعود صدام وآل المجيد الى كراسي السلطة والحكم وهم اليوم يستخدمون الإسلام السياسي أو المدنية والعلمانية وحتى الشيوعية إن اقتضت المصلحة والحال ولكن يبقى المحتوى والمضمون دون تغيير فلا يقال اليوم بأن البعثيين قد إجتمعوا في بغداد لأن البعث قد إنتهى تاريخيا وتنظيميا وإن أراد أهل السلطة استخدام هذا البعبع لتبرير فشلهم في تقديم أدنى إنجاز فيفترض بالناس أنها أدركت هذه اللعبة اليوم ولم تعد تنطلي عليها فهل هناك إعتراض على كون هؤلاء سنة وهل أن مقابلهم مشروعا وطنيا أو كتلة لا تعير بالا للطائفية والعملية السياسية أقيمت على أركان التقاسم الطائفي والطرف الآخر لا يملك الا الخطاب الطائفي لحشد الأنصار والمؤيدين ولو لم يكونوا كذلك لكان هدم أعمدة المحاصصة الطائفية أسمى وأعلى الغايات والأهداف إذا سنة مقابل شيعة وكلا الطرفين يتاجر بعذابات الناس وآلامهم سواء فيما مضى أو في الزمن الراهن مع أن الطيف الطائفي السني أكثر نزاهة في خدمة إنتمائه الاجتماعي من قرينه الشيعي .
ثم في التوقيت ويوم السابع عشر من تموز إن صدقت الرواية من أنسب التواريخ لهذا الطيف الطائفي وأيضا لم الإعتراض فهناك من يحتفل بذكرى إحتلال العراق ويعتبر يوم التاسع من نيسان يوما تاريخيا عظيما لما ناله من مكاسب وإمتيازات بعد ذلك اليوم أي أن مصلحته تدفعه الى تمجيد ذلك اليوم وفي مقابل هذا فإن السابع عشر من تموز الذي أعتبره أسوأ حادثة مرت في تاريخ العراق بالنسبة لهذا الطيف الطائفي يوم مجيد لأنه وخاصة عند صعود صدام الى سدة الرئاسة تأسس حكم الطائفة ثم بعد ذلك كان لذلك الحكم قاعدته الشرعية والفقهية بالحملة الايمانية ودور الحزب الخاص الذي أنشأه صدام داخل حزب البعث الحاكم شكلا والذي لم يتعد دوره ما يقوم به المخبرين من وكلاء الدوائر الأمنية في أي بلد في العالم وما حصل يوم سقوط بغداد يرسم الصورة الواضحة لحقيقة الحزب ذاك ودوره فرغم الملايين من أعضائه وأنصاره ومؤيديه تبخر خلال ساعات لا أكثر وإنتهى دوره بل وذهب الى مزبلة التاريخ وبقي الحزب الخاص يعمل ويناجز ويقارع وهذا المؤتمر من ثمار عمله والعراقيون ليس لهم تاريخ مشترك يفاخرون به فبالأمس مرت ذكرى ثورة العشرين فأشبعوها شتما وأبطالها ذما وإهانة ولم يراعوا حتى أبسط اللياقات كون أولئك لهم أهل وأحفاد مع أن الشتامين أنفسهم إحتفلوا باليوم الوطني الأميركي والآخر الفرنسي وكأنهم ولدوا من ظهور أبناء تلك البلاد والعراقيون مختلفون حول كل شيء وكذا حول هذا التاريخ فأنت تمتدح التاسع من نيسان ومن حق الآخر أن يقدس السابع عشر من تموز والعكس بالعكس طبعا وعلى هامش ذكر البعث فثلاثة أرباع الكادر الحكومي اليوم من خلفيات إنتسبت الى حزب البعث ومن بينها رئيس الحكومة نفسه وإثنان من قيادي الحزب الحاكم وكلهم كانوا في صفوف حزب البعث الى ما بعد عامين من تأسيس حزب الدعوة في مؤتمر طهران عام 80 وهناك حالة من الإزدواجية في المعايير والمقاييس فمن تعاون مع المحتلين ونال نصيبه من حصة السلطة جب ماضيه وطوي ملفه فماذا يمنع أن يتم التعامل مع التائبين الجدد بنفس الطريقة والميزان . 
وبعد هذا ففي بغداد وهذا حقا تطور مهم في تاريخ الصراعات الطائفية والحزبية والشخصية من نافل القول الإشارة أن ليس في كل هذه الصراعات مكان للوطن والحضور الى بغداد أفضل من إنعقاد مثل هذه المؤتمرات في أستنطبول أو عمان أو القاهرة أو غيرها من العواصم التي توفر مناخا لمثل هذه المؤتمرات فعقد مثل هذه المؤتمرات في بغداد يعني أن المساومات التي تجري من وراء ستار قد أنجزت أغراضها والا ما كان لهؤلاء أن يحضروا الى بغداد وبينهم المطلوب " قضائيا " و أمنيا بدون ضمانة من الشركاء الآخرين المفترضين ومن رعاتهم الذين يديرون العمل السياسي في العراق سواء كانت أميركا صاحبة الكلمة الأعلى أو المقاول الثانوي " إيران " أو أي جهة أخرى ولا يستبعد أن يكون التفاهم الإقليمي حاضرا خاصة بعد التوافق القطري الإيراني والتعاون التركي الإيراني في قطر وربما أبعد من ذلك بمساهمة الدول الأخرى كالسعودية والأردن وحين تريد أميركا فلن يتأخر أحد في الاستجابة حتى وإن بدت الأوضاع الإقليمية والتوترات الإعلامية توحي بوضع مختلف . وبذلك قد تتوفر للمواطن العراقي البسيط والذي لا ناقة له في كل ما يجري ولا جمل فسحة من الراحة من المفخخات والإنتحاريين وعمليات تصفيات الحسابات السياسية في الشارع . 
ومن يعترض على إرتباط هؤلاء بأجهزة مخابرات دول وحقا شر البلية ما يضحك ففي غياب الكيان الوطني العراقي لم تبق دولة ليس لها ذراع في العراق وطالما وجد المرتزقة وباعة الأوطان فإن الساحة مفتوحة لمن يريد أن يخترق وقد عرفت تجارب عديدة في مختلف بلاد العالم خاصة تلك التي تضطر قواها السياسية الى اللجوء الى المنفى ولا تجد فرصة في العمل السياسي داخل بلادها فتقع تحت ضغوط مخابرات الدول التي توفر لها العون والمأوى ومن ذلك تجربة المعارضة العراقية في الخارج بل وقد تدفع أسباب " عقائدية " أطرافا سياسية الى الإرتباط بأجهزة مخابرات دول أخرى وقد حصلت مثل هذه الوقائع عند الشيوعيين والإسلاميين والبعثيين والناصريين وهناك فئة أخرى تبحث عن الربح والمكسب حتى لو باعت نفسها لأي جهة ومهما كانت النتائج التي تترتب على ذلك وفي العراق حالة فريدة لا مثيل لها في تاريخ الشعوب والأمم وخلاصتها أن ليست الحركات المعارضة وحدها هي التي ترتبط بأجهزة مخابرات دول أخرى بل لدينا الحكومة كلها وبدون إستثناء بل وهي من الذلة والرخص بحيث يشار اليها بالاصبع فتنفذ وتمتثل ومن كان من هذه الأحزاب والأطراف السياسية بلا خطيئة فليرم هؤلاء القادمون الى بغداد بحجر . 
لا نتائج وطنية يمكن أن تترتب على مثل هذه المؤتمرات ولا يمكن توقع مثل هذه النتائج لأن الوضع في العراق كله على بعضه لا علاقة له بالحسابات الوطنية ولكن إن كان مثل هذا المؤتمر يساهم في نزع التوترات الاجتماعية والسياسية ويوفر الدماء ويحقق للمواطن البسيط الذي لا ناقة له في كل ما جرى ويجري ولا جمل فسحة من الراحة من المفخخات والانتحاريين وعمليات تصفية الحسابات في الشارع ففي ذلك كل الخير ويا أهلا بكم وقد وعدتم " قادمون يا بغداد " فصدقتم الوعد .