دماء بالمجان وحدود مستباحة ؟

علينا أن لا نتغافل عن حجم الخسائر الفادحة التي يتكبدها الشعب العراقي جراء الحروب الاستنزافية التي يخوضها . ونحن لا نعلم إلى أين نتوجه ومن يخبرنا عن حجم الضحايا والمعاقين والمفقودين والأرامل والأيتام .فأغلبنا مجمعون على الصمت والتغافل عن هذه الكارثة الكبرى التي حلّت على هذا البلد . البنية التحتية شبه متهاكلة ، والخدمات بمنزلة العدم، والعقوبة الجماعية التي نتعرّض لها يومياً بسبب نقص الكهرباء ،فضلاً عن الفساد المستشري في كل مكان، حتى أضحى الفساد ثقافة متأصلة في أوساط المجتمع العراقي.لم يبقَ سوى الملكية العامة التي يحوم عليها جماعة الخضراء لبيعها وتوريط الناس في معاناة مضافة لمعاناتهم التي لا تعد ولا تحصى. كل شيء مستباح في هذا البلد العظيم!؛ فنحن لا نملك حياتنا ولا نملك مؤسساتنا العامة ولا نملك تاريخنا! ولا نملك قرارنا السياسي. ولا نستبعد، بعد فترة من الزمن، إن يتحفنا أحد المستكشفين إننا أقوام نازحة من أحد الجزر النائية مثلما استباح صدام لنفسه إخراج عرب الجنوب من عراقيتهم لأنهم جاءوا مع الجاموس من الهند ! . وعلى هذا المنوال نغدو كائنات مأجورة أو عمّال "سخرة " يتاجر بتاريخنا وجغرافيتنا تجار الحروب لتحقيق مصالحهم الإستراتيجية. دائما ما تكون الدماء مقدمة مهمّة لرسم الحدود الوطنية وتتشكّل على أثرها جغرافية الوطن. ونحن كما يظهر استثناء من ذلك كله ! حيث تأخذ حروبنا أشكال غريبة : حروب بالنيابة لا ناقة لنا فيها ولا جمل ، فقد دافعنا نيابة عن أخوتنا العرب الذين يستطعمون المزاج العثماني حتى لو أذلّهم هذه الأخير عدة قرون ويستقذرون كل ما يصدر عن " الفرس المجوس " حتى لو كانوا عدواً للكيان الصهيوني. وبالمناسبة لقد استحضر الإيرانيون والأتراك تاريخهم الحربي كمقدمة للسلام لأنهم كبار وقادة دول وليسوا قادة لدويلات الطوائف.

هذا من جهة بني جلدتنا العرب، إما من جهة العم سام فقد كان صدام كلب أمين لأسياده فجنّب الأمريكان ضغوطاً هائلة لكي لا يتوحد " الهلال الشيعي " وتتسرب الثورة وتربط العراق وسوريا.فمن هذه الناحية أدى صدام دوره المخطط له . وبالطبع لا يعني هذا تسويقاً للسياسة الإيرانية فهذه الأخيرة ليست معصومة من النقد فهي بالنتيجة تعمل لأمنها القومي ومصالحها الشخصية. على ماذا نتقاتل الآن وتسيل دماء أبنائنا ؟ ضد حيوانات مفترسة ومدربة تدريباً عالياً يماثل التدريب المركّز الذي أشرفت عليه المخابرات الأمريكية لتدريب طالبان الإرهابية وبتخطيط من أحد منظري الأمن القوم "زبيغنيو بريجنسكي".. ولكن ماثمن هذه الدماء ؟ ثمنها تفتيت الحدود وتقسيم البلد ! . وربّ عاقل يستفهم: لماذا يتقاتل العراقيون وتسيل دمائهم ثم يقسّمون بلدهم هذا الجواب موكول للمخابرات الأمريكية وصنّاع " الأمن القومي الإسرائيلي " وهم يحظون بقبول حسن من قبل جالياتهم من إخوتنا الذين يزمّرون ويطبّلون للديمقراطية الليبرالية التي يبشر بها ترامب.ماهي الحلول ؟ الرهان الوحيد هو تعميق الوعي الوطني عسى أن ينضج!، وانتظار نخبة وطنية تعي مشاكلها جيداً وتبتعد عن التكالب على المتاع الرخيص والنجومية الصبيانية ، ويتذكروا أن هناك دستور يجذر كل أشكال الخراب، ويتذكروا أن هذا النظام هو المولود المشوّه للدستور، قبل التورط بمحاكاة الغرب والكفران بثقافتنا ولغتنا، يحسن بنا التعلّم من تجارب الحضارات وكيفية امتلاكها لقرارها السياسي واعتزازها بتاريخها. فما يحدث في العراق حدث عند الغير بشكلٍ مضاعف.ظهر للصين ماوتسي تونغ، وظهر لألمانيا بسمارك،وظهر لفرنسا نابليون، وظهر للولايات المتحدة الآباء المؤسسون.. ثمة معادلة عصية على الفهم لا يمكن حل مغاليقها بهذه السهولة : ماهي الإرادة الحديدية التي امتلكها الصينيون لتوفير الأمن القومي والغذائي والزراعي والمائي لمليار وأربعمائة مليون وتوحدت هذه القارّة العظيمة بفعل الدماء التي سالت وحكمة قادتها فيما ينشغل العراقيون بموضوعة الإلحاد والعلمانية وسط بلد مستباح من شماله إلى جنوبه ؟