أوراق من الذاكرة"3"

كان نشاط(شركة المسح الجيولوجي والتعدين)،محموما في ثمانينات القرن الماضي، في كردستان العراق، سيما في فترات الصيف. لتشرع فرق المسح والتحري تجوب مناطقه القصية، لاستكمال عمليات المسح الجيولوجي، وتحديد اماكن شواهد التمعدنات الظاهرة على السطح، لتكثيف اعمال التحري عليها لتحديد هويتها المعدنية وامتداداتها. ويعمل معنا عدد من العمال الإجراء ، لاغراض المساعدة المطلوبة، وأغلبهم من الايزيديين الذين يعرفون الكردية والعربية معا. وكل ذلك يتم بحماية من الجيش. وكانت اعمالنا تستغرق اغلب النهار، مع تمتعنا بأستراحة وقت الظهيرة، لتناول وجبة طعام خفيفة، مع الشاي، وكنت أتناول طعامي مع العمال والتبادل معهم شرائح الرقي والخبز، وهم طافحين  بالحيوية والحركة، في إعداد الشاي، وتسخين الطعام. شاعرا بألفتهم معي، ولامسا فرحهم وانجذابهم بشيء يوحي بالاعتزاز. وقد جلب لي هذا الانفتاح تنبيه من أمر مجموعة الحماية، الذي انزوى بي ،ليذكرني بأنهم ليسوا من ديننا، ونجسين ،،الخ تركته بدون رد، ورجعت الى أصدقائي، اصحاب التقاطيع الحادة والشوارب الكثة، والسراويل الفضفاضة، وفِي احد ايام العمل، وجدت بالوعة (sink hole )، تسمح بالكاد، لشخص واحد للنزول من فتحتها، وتتوسع بالداخل لمجموعة حجرات متصلة، محفورة بفعل المحاليل الكيميائية وجدرانها محدبة لها اهمية لاغراض الدراسة والعمل. المهم اكملت مشواري، في الداخل، ولكن تعذر علي الخروج، وقد لاحظ العمال محنتي، خلعوا ملابسهم فورا، و نزلوا من الفتحة بمهارة و قاموا، برفعي لأتمكن من الخروج، بما يشبه الولادة، وما ان اصبحنا جميعا بالخارج، ساورتنا موجة من الضحك المتواصل، والتندر على الشاطر حسن (الذي هو انا). كنا نقضي(22)يوم عمل حقلي ننزل بعدها الى بغداد ،ونرجع مع بداية الشهر الجديد، وقبيل النزول نقوم بجمع الفاكهة من مزارع القرى المجاورة، والحقيقة كان ذلك بتشجيع وإلحاح أصدقائي الايزيديين، الذين يحملون الاكياس لجمع الفاكهة المتساقطة، وكنت أتردد بالأمر ،لعدم الاستئذان وضرورة دفع الاثمان،،،الخ وكنت في نهاية الامر أتنازل امام الحاحهم، وفِي احدى المرات سمعت أصوات وحركة داخل البستان، طلبت التوقف للتأكد، وفعلا اصبحنا امام اصحاب الارض، اعتذرت وطلبت من العمال الخروج. ولكن الاعتراض صدر من الشيخ الكردي، الذي طالبهم بمواصلة عملهم، تنحيت جانبا للجلوس قرب احدى الشجيرات، وأخرجت دفتر مدوناتي، لتسجيل امر معين، لم انتبه لجلوس الشيخ الى جواري، ومعه سلة من الفاكهة هدية لي، وبادر الحديث معي عن ماهية عملي، وعائلتي، فأجبته، وقتها لم أكن متزوج، ما اثار استغرابه، وسألني ان كنت راغبا بالأمر، فأجبته بأيماءة الرأس، نهض وغاب فترة، ليأتي مبتسما، لقد وافقت ابنتي على الامر. بهت مع شكي بالأمر، وأين هي؟؟ عندها ناداها، واتت مبتسمة، كانت أية من الجمال، ضحكت للامر، مع الاعتذار عن نزولي في مجاراته. وان ظرفي لا يسمح في الوقت الحاضر، بسبب الحرب، واحتمال استدعائي في اية لحظة. وفِي العودة الى بغداد، لبثت متأملا في احداث الماضي، وكيف أصدقائي الايزديين، أنقذوني من الموت، وفرصة الزواج التي هبطت علي من السماء. لعنة الجدران، والفواصل التي تصنعها أوهامنا، وتقسم مساحاتنا البشرية كعراقيين، وكيف تسلبنا هويتنا كبشر، نتشارك، في الخبز، والصباحات الوردية والامل.

يتبع