قراءات نقدية (ادب ومسرح) : في شعرنا الحديث.. أفكار للمناقشة

سألني صديق أن أبعث إليه ببضع قصائد لي؛ لنشرها في كتاب عن الشعراء العرب في الشمال الإمريكيّ. ثم قال: "إنّ اللجنة الشعريّة المشرفة تشترط ألّا تكون القصائد تقليديّة من الشعر العموديّ؛ وإنّما حديثة من الشعر الحرّ".. إستوقفني من شرط اللجنة الشعريّة شيئان: الأوّل هو تأكيدها على الحداثة الشعريّة لا على جودة الشاعريّة. ولا أدري كيف يمكن أن تتحقّق تلك الحداثة من دون شعر جيِّد؟. والشئ الآخر هو ماتشير به ضمنيّاً، إلى أنّ الشعر الحرّ هو البديل لشعرنا العربيّ؛ إذ الحداثة الشعريّة تكمن في نصّه الجديد المختلف شكلاً عن النصّ القديم.. هذا المفهوم الشكليّ لشعرنا الحديث ليس خاصّاً بهذه اللجنة الشعريّة وحدها؛ وإنّما هو المفهوم العام، والسائد المتكرّر بين معظم مثقفينا امتداداً لمفهوم الشعر الحرّ الذي ظهر في أواخر الأربعينيات بناء على أساسين رئيسين: أوّلهما أنّ القصيدة العربيّة ذات الشطرين (العموديّة) تفتقر إلى الوحدة المعنويّة؛ لأنّها قائمة على وحدة البيت الشعريّ. وثانيهما أنّ تحديد طول موسيقيّة الشطرين في كلّ بيت من القصيدة، والإلتزام بالقافية الواحدة، يقيّدان حريّة الشاعر في التعبير، ويدعوانه إلى الحشو التعبيريّ.. لا أودّ أن أردّ هنا على هذين الرأيين؛ وانّما سأدع الردّ على الرأي الأوّل لعلّامة الأدب العربيّ وناقده (د. طه حسين) حيث يقول: "ماسمعت من خصوم الشعر القديم حديثهم عن وحدة القصيدة عند المحدثين، وتفكّكها عند القدماء إلا ضحكت وأغرقت في الضحك. والعجيب أن تنشأ الأساطير في العصر الحديث، وأن تنمو ويعظم أمرها، وتسيطر على العقول مع انّ عهد الأساطير قد انقضى". ثم يقف، من بعد، وقفة نقديّة تطبيقيّة عند قصيدة الشاعر الجاهليّ (لبيد بن ربيعة العامريّ)؛ ليثبت وحدة نسيجها الشعريّ متحدّياً الخصوم أن يقدّموا فيها بيتاً أو يؤخّروا. علماً أنّه لاينكر أنَّ كثيراً من القصائد العربيّة القديمة قد بدت مضطربة النسيج إلا أنّه يوعز ذلك الإضطراب الى ذاكرة الرواة التي نقلت الشعر إلينا، لا إلى طبيعة بنية القصيدة العربيّة(1).. وسأدع الردّ على الرأي الآخر لرائد الحداثة الشعريّة في أوربا وأمريكا الشاعر الناقد ( تي. أس إليوت)، حيث يقول في محاضرة له عن موسيقى الشعر: "لا شعر حرّ لمن يريد أن يقوم بعمل جيّد. إنّ الشاعر الردئ هو وحده الذي يرحّب بالشعر الحرّ كوسيلة للخلاص من الشكل"(2). ولقد حضرتني هذه القولة النقديّة النافذة، يوم أصدرت مجلة عراقيّة (الثقافة الجديدة ــ 279) عدداً خاصّاً مقصوراً على الشعر العموديّ في تأبين الشاعر محمد مهدي الجواهري ، فرأيت مما رأيت في ذلك العدد ثلاثة من شعراء الشعر الحرّ وهم ينشرون أبياتاً عموديّة لهم في غرض الرثاء، مؤكّدين من حيث يدرون أو لايدرون صواب رأي الشاعر الناقد(تي أس إليوت)؛ لعدم استيفائهم شروط الإجادة الشكليّة في عمود الشعر. كان أوّلهم الشاعر(عبد الوهاب البيّاتي)، إذ كرّر ذات القافية بلفظها ومعناها ثلاث مرّات(نفس). في قصيدة له لم تتجاوز إثنين وعشرين بيتاً ص88. ودونكم الآن الأبيات التي تكرّرت فيها ذات القافية:

"في سنوات الضوء والبؤسِ** وجدتُ في مرآته نفسي" (البيت الأول)

"مثلـــك لايولـــد إلا كما ** يولد برق العشق في النفس" (البيت العاشر)

"ومنهمُ من جاع حتى اشترى** بما جناه عفّة النفس" (البيت الخامس عشر)

لا يخفى على الراسخين في الشعر العربيّ أنه يُعاب حتى الشاعر الناشئ، إذا أعاد القافية بلفظها ومعناها قبل سبعة ابيات. ويسمّى هذا العيب في "علم العروض" "الإيطاء". وثانيهم الشاعر(سعدي يوسف)، إذ خلط البحر البسيط بـالبحر الكامل توهّماً، في نتفة شعريّة له لم تتجاوز ستّة أبيات ص90. جرى بها على البحر الكامل وزناً حتى البيت السادس. ولئن فصل بين كل بيتين منها بأسطر ذوات تفعيلة مرّة، ومن دون تفعيلة مرّة أخرى ؛ فإنّ ذلك الفصل المتعمّد لم يؤثّرعلى وحدتها مبنىً ومعنىً. ودونكم الأبيات الستّة الآن. وسأقطّع البيت السادس منها عروضياً، لأبيّن موضع اللبس فيه:

"كالنيزك المنقضّ تستعرُ** بالنور أنت النار والحجرُ (البيت الأول)

أشعلت دجلة إذ أَقمت بها**بيت الشراة فزمزم المطرُ

لك ثورة العشرين اوّلها**قمر وآخر عهدها سقرُ

هل كان أحمد في شبيبته**يختال مثلك ام هو القدرُ؟

نمضي لكي نمضي ومنهلنا**ماء الثماد، ورحلنا النَمِرُ

نحيا حياةً لا يليق بنا **إلا السبيلانِ: فيها الطُّهر والخطرُ". (البيت السادس)

متْفاعلنْ/ متْفاعلنْ/ فعِلنْ**مستفعلن/ فاعلن/ مستفعلن/ فعلن.

في بيته السادس الأخير، كما ترون، قد خرج الشاعر بالعجز: "إلا السبيلانِ: فيها الطُّهر والخطرُ" عن البحر الكامل الى البحر البسيط. ولا أكاد أعرف في حياتي شاعراً كبا هذه الكبوة العروضية المعيبة. أمّا الثالث فهو محرّر القسم الأدبيّ والفنيّ في المجلّة عينها. إذ نشر له قصيدة عموديّة طويلة من سبعة وخمسين بيتاً؛ وقد خُيّل إليه أنه يعارض بها قصيدة(المقصورة)الشهيرة للجواهريّ ؛ ولهذا سمّاها"مقصورتي". كتبها حسب الهامش ص96: "على مدى خمس سنوات". ودونكم بضعة أبيات منها. إخترتها جزافاً، تاركاً لكم الحكم، لأنّ عيبها بيّن لاريب فيه: "خرجتُ بما بالعيون يُرى**وسرتُ بما لايُرى في الحشَى

فان ضاع في "دجلة الخير" بيتٌ**فقد ضاع في النفي أحفادُنا

إلى مبــــدعٍ خيــــرَ دجلتِهـــا** شــراعاً وجسراً ، وجعفرَها

فنسألُـــــه فيُشيـــــر لنـــــــا** ونصحبــــه فنـــوازي السما

فسيرتُه من مسير العـــــراق**"وشطّيه والجرف والمنحنى"

فيـابؤسنـــا ثــــم يابؤسنـــا** ويابؤسنــــا ثم يابؤسنـــــا"(3).

 ليست الرداءة في تجريب الشعر العربيّ محصورة في هؤلاء الثلاثة الذين كشفوا عن قصورهم العروضيّ للقرّاء لسوء حظهم ؛ وإنّما هي ظاهرة أمست شائعة في ميدان الشعر اليوم. وما هؤلاء إلاغيض من فيض شعراء. لايكاد أكثرهم يعرف المبادئ الأوّليّة للشعر العربيّ الذي قيل عنه في أيسر الكتب المتداولة: "النظم أربعة أنواع ـ نظم خالٍ من العيب والضرورة ـ ونظم فيه عيب فيضرب به عُرض الحائط ـ ونظم فيه ضرورة قبيحة وهذا مبتذل ـ ونظم فيه ضرورة مقبولة يجوز للشاعر ارتكابها"(4).. ولربّ قارئ يحتجّ عليَّ فيقول: إنّ هؤلاء شعراء حداثة. والشعر الحديث يختلف عن الشعر القديم. فلا تؤاخذهم إن لم يجيدوا في غير ديدنهم الشعريّ. أقول له مع احترامي رأيه: إنّ هذا الإختلاف المزعوم هو محض وهم. وهذا الحكم ليس اجتهاداً يخصّني وحدي ، بل هو رأي مفكّر الحداثة الشعريّة العربيّة أدونيس كذلك؛ إذ يقول في إحصاء مظاهر أوهام الحداثة الشعريّة العربيّة: "الوهم الثاني هو الإختلاف عن القديم. وأصحاب هذا القول يرون أن مجرد الإختلاف عما سبق دليل على الحداثة. وهذه نظرة آليّة تحيل الإبداع إلى لعبة من التضاد"(5). ولربّ قارئ آخر يتساءل: هل يعني التمثّل بقولة الشاعر( تي أس إليوت)* أنّ كلّ شاعر استجاب للشعر الحرّ، وكتب فيه هو ردئ حقّاً ؟جوابي: قطعاً. لا. إنّ هذا الحكم لاينطبق على الشعراء المبدعين الذين جرّبوا الشعر العموديّ ، وأجادوا فيه ثمّ كتبوا الشعر الحرّ تأثّراً بالشعر الغربيّ مثل الشاعر(بدر شاكر السيّاب)، أوحبّاً بالتغيير والتجديد مثل الشاعر (نزار قبّاني)، وسواهما من الشعراء المُجيدين؛ ولكن من المؤكّد أن شعر التفعيلة أي الشعر الحرّ هو أيسر موسيقيّاً على الشاعر من شعر الشطرين أي الشعر العموديّ بغضّ النظر عن مسألة القافية؛ لأنّ شاعر التفعيلة الواحدة يختارــ أولاً ــ عدد التفعيلات المتماثلات في الشطر الشعريّ ، كما يشاء، طولا أو قصراً، ولايلتزم كشاعر الشطرين بعدد محدّد منها؛ كما أنّه يكرّرــ ثانياً ــ في الشطر ذات التفعيلة البسيطة مثل (فاعلاتن.. .)، ولايركّب كشاعر الشطرين تفعيلتين مختلفتين مثل(مستفعلن فاعلن...)، أو غيرهما من التفعيلات المركّبات. ولكَم حاول الشاعران (السيّاب) و(أدونيس) أن يمزجا تفعيلتين مختلفتين في الشعر الحرّ، كما تُمزجان في الشعر العموديّ، فلم يفلحا!(6). هذا هو السبب الرئيس الذي جعل موسيقيّة الشعر الحرّ محدودة. تدور عملياً في فلك سبعة انماط موسيقيّة من أنماط الأبحر الشعريّة، ومجزوءاتها التي تُنيف على ستين نمطاً في الشعر العربيّ(7). والأنماط الموسيقيّة السبعة في الشعر الحرّ هي تكرار(متفاعلن ومستفعلن ومفاعلتن ومفاعيلن وفاعلاتن وفعولن وفاعلن). وماهي بثمانية كما زعمت الأستاذة(نازك الملائكة) بقولها: "يقتصر الشعر الحرّ بالضرورة على ثمانية بحور من بحور الشعر العربيّ الستة عشر"(8). لأنّ تفعيلة (مفعولات)، التي تعنيها في (البحر المنسرح)، لم تكد ترد صحيحة حتّى في عمود الشعر؛ وانما وردت على الأغلب (فاعلات) (9). إذاً الشعر الحرّ من الناحية العروضية هو رافد صغير من روافد شعرنا العربيّ، كالموشح وكالأرجوزة وكالشعر المرسل لاغير. قد يتسع نمطه الموسيقيّ أحياناً، للتعبير عن تجربة شعريّة خاصّة، لاتتسع لها الأنماط الموسيقيّة الأخرى. ومهما يكن؛ فإنّه يؤكّد أصله ولاينفيه خلافاً لغلو مؤيديه المتأثرين بالشعر الأوربيّ ــ الأمريكيّ اقتباساً ومحاكاة؛ أوغلو معارضيه المتأثرين بالشعر العربيّ القديم حفاظاً وتقليداً. وهو ليس بجديد الشكل كما يظنّ الكثير، بل هو شكل شعري قديم . ظهر قبل ثلاثة قرون، وعُرف باسم"البند"(10) ثمّ أفل نجمه، لأنّ الأذن العربيّة لم تكن لتستسيغ نمطه الموسيقيّ ــ فيما أعتقد ــ ولأنّ القافية الواحدة في القصيدة لم تكن لتُعجز الشاعر العربيّ المقتدر عليها فيميل إليه، كما أعجزت غيره من شعراء الأمم الأخرى. اللغة العربيّة لغة واسعة. ليست كغيرها فتضنَّ بالقافية على شاعرها. ولهذا احتاج الشاعر الإنجليزيّ ، مثلاً، إلى تنوّع القافية في قصيدته، لمحدوديّة ثراء لغته (11). كما أنّ الشعر الحرّ أعني "البند" ليس بأجنبيّ، وإنْ رابت تسميته شبهة أعجميّة؛ بل هو شعرعربيّ قحّ، لأنه يتأسّس على الكم الموسيقيّ لشعرنا العربيّ . انّما قصيدة النثر هي وحدها التي ليست بعربيّة الأصل. امتدّت الى تربتنا الشعريّة من جذر أوربيّ. ولمّا كتبها الشاعر الفرنسيّ (بودلير) كان عالماً بشعره الفرنسيّ القديم، لا كبعض كاتبيها من جيلنا الحالي، ممن لا يكادون يعلمون الف باء الشعر العربيّ. وإنّي لأتساءل: إذا كان الشكل الموسيقيّ الشعريّ، يقيّد الحريّة في التعبير؛ فلماذا لايعدل المعبِّرعن الشعر إلى النثر؟. فما النثر باقلّ شأناً من الشعر، ولا الشعر باعظم شأناً منه.. لهذا كلّه أقول رجوعاً إلى صلب الموضوع: إنّني لا أرى الشعر الحرّ بديلاً لشعرنا العربيّ؛ لإنّ الجزء لايصحّ ان يكون بديلاً عن الكلّ إلّا من باب المجاز لا الحقيقة. ولا أرى الحداثة التي اشترطتها اللّجنة الشعريّة عليَّ في مستهلّ هذا المقال إلا مفهوماً سطحيّاً متطرّفاً لايعبّرعن كنه الحداثة الشعريّة ، ولايطابق حقيقتها. الحداثة الشعريّة ، كما أرى، لاتُبنى على صورة القصيدة الخارجيّة سواء أكانت من الشعر الحرّ أم من الشعر العموديّ أم من غيرهما؛ ولكن على رؤيا الشاعر أوالشاعرة ، وعلى موقفهما الإنسانيّ، بعد أن يكونا شاعرين فعلاً. ولاتُبنى كذلك على ارتباط القصيدة بزمنها الحاضر كما لو كانت زيّاً؛ ولكن على قدرتها على احتضان الأزمنة جميعاً. ولعلّ قصيدة ماضية زمنياً هي أحدث من كثير من قصائد اللحظة الراهنة. فلا تكن الغاية شكل الشعر، ولا زمنه؛ بل قيمته الأنسانيّة وجماليّته الفنيّة. الشعر هو وحده الحيّ الباقي من حضارتنا التي فنيت، والبديل الجميل النقيّ لكلّ ما تشوّه من واقعنا، وتلوّث بسلطاته قمعاً واستبداداً. والشعرهو وحده مايمكن أن نسمو به إنسانيّاً وفنيّاً سموّ الأمم التي تخلّفنا عنها نظراً وعملاً؛ ومايمكن، أيضا، أن نجد به شخصيّتنا وهويّتنا الضائعة او كالضائعة بين رماد الأمس وسراب اليوم. إذاً فلْنَعِ الشعر على حقيقته، ونَقِهِ اتباع الآخر رغباً في الحفاظ على خاصّية حضاريّة لأمّة توشك أن تنقرض معنويّاً وتبلَى.

ورحم الله الحطيئة حين قال:

"الشعر صعبٌ وطويلٌ سلّمُه إذا ارتقى فيه الذي لايعلمُه

زلّتْ به إلى الحضيض قدمُه يريد أن يُعربه، فيعجمُه"

 

عبدالإله الياسري

....................

(1) طه حسين ــ حديث الأربعاء ج1ــ ص30 ــ الطبعة12 ــ دار المعارف بمصر The Music of Poetry –T. S. Eliot -1942(2)

(3) الثقافة الجديدة ـ العدد279 ـ تشرين الثاني ـ كانون الأول1997

(4) أحمد الهاشمي ــ ميزان الذهب ــ ص24 ــ 1979

(5) أدونيس ــ الشِّعريّة العربية ص93ــ الطبعة الثالثة 2000ــ دارالآداب ــ بيروت.

(6) أنظر للسياب قصائد(بور سعيد ـ أفياء جيكور ـ غربة الروح ـ هاها هوه)، ولأدونيس قصيدة(هذا هو اسمي). وراجع ديوان مصطفى جمال الدين؛ إذ أشار الشاعر الى تلك المحاولة في مقدّمة ديوانه.

(7) انظر: "الإيقاع في الشعر العربي من البيت الى التفعيلة" ــ مصطفى جمال الدين.

 (8) نازك الملائكة ــ قضايا الشعر المعاصرــ ص34 ــ1967 ــ مكتبة النهضة.

(9) أجزاء البحر المنسرح هي ستة: مستفعلن مفعولات مستفعلن مستفعلن مفعولات مستفعلن يدخل في حشوه من التغيير طيّ مَفْعُوْلات (حذف الرابع الساكن) فتصبح مَفْعُلات = فاعلات.

(10) عبدالكريم الدجيليّ ــ البند في الأدب العربيّ.

(11) يمكن مراجعة تعدد أبنية الكلمة العربية وتنوّعها في"علم الصرف" للمقارنة بين اللغة العربية واللغة الأنجليزية.

المثقف

 

Tags