موصل سعدي يوسف، وموصل الآخرين!

من بين عشرات الآلاف من ردود الأفعال، المتعلقة بمعركة الموصل، ساتوقف عند أربعة نماذج خطابيّة. سبب اختيارها والاكتفاء بها يعود الى أنّها متنوعة المساقط والمناشئ، متفرّدة ومتطرفة في شدّة هجائها أو في خلوص طاعتها، والأهمّ من كلّ هذا أنّها لا ترى من الحدث سوى ما تريد هي أن تراه، أو تكسب منه. وهذا أمر عظيم الشأن، لأنـّه يصوّر الحدث عينه، بعيون مختلفة ومتناقضة.
الخطاب الأوّل صاحبه ناقد حداثيّ من جماعة "سلميّة...سلميّة"، يفتح عينيه سلميّا ويغمضهما سلميّا. حتّى أنّ "أبا صقر"، المعارض التكفيريّ الأشهر، الذي أكل قلب الجنديّ السوريّ الأسير، جعلته زمرة الناقد ملمحا عقليّا، مجازيّا، يرمز الى فكرة الالتهام الثوريّ المجرّدة. أي أنّ "أبا صقر" لم يأكل قلب الجنديّ حقيقة، وإنـّما قام الربيع العربيّ بالتهام الظلم استبطانيّا من دون طبخ أو شيّ أو سلق! لأنّ المعارض الأكول لم يكن بنيّة الأكل، بل كان يقدّم للعالم درسا ميسّرا في علم النفس التحرريّ السريريّ، بديلا من الطريقة الفرويديّة المعقـّدة. بهذه الطريقة الحسيّة يبسّط "أبو صقر" للبشرية تعقيدات نظرية "سلميّة...سلميّة"، ويثبت تطابق مفاهيم "السوربون" مع عقيدة "تورا بورا" في مجال الثورة الحداثيّة بقيادة الوهابيّة السعوديّة. لذلك أقول: لم تنتج "ثورة!" في التاريخ زبالة عقليّة بقدر ما أنتجته مجاميع السوربون المعارضة.
صاحب الموقف هو الكاتب السوريّ صبحي حديدي، الذي تحول في لحظة تحرير الموصل الى جنرال ركن، يتحدث عن فن الانغماس والتناص الحربيّ، وعن المواقع الرخوة والحصينة في جبهات الانعكاس القتاليّ. مستخلصا عبرة من عمق دراسته للمعارك التي خاضها التكفيريون في العراق ضد الجيش العراقيّ. الخلاصة التي وصل اليها الجنرال حديدي عجيبة: بما أنّ تنظيم الدولة أجهز مرّة على الجيش العراقيّ، فإنـّه قادر على فعل ذلك ثانية وثالثة، والأيّام بيننا. إذاًً، لماذا هذه الصخب والعبث المسمى تحرير الموصل؟ عبقرية حديدي الحربيّة واضحة المعالم كوضوح دور الوهابيّة في تطوير الحداثة العربيّة! ولكي لا أغمط حقّ حديدي أعترف بأنـّه محقٌ في أمر لم يقصده. فأنا أشاطره الرأي في نقطة واحدة لا تتعلق بالمعارك العسكريّة، بل بالمعارك التي تصنع المعارك العسكريّة وتحدّد هزائمها وانتصاراتها. ففي نظري إذا استمرت العمليّة السياسيّة الفاشلة في العراق، وإذا استمرت إدارة الحكم الفاسدة والمتهرئة، بتحاصصاتها الطائفيّة والعرقيّة والمناطقيّة والعشائريّة، فإنّ ألوانا عديدة من البرابرة سيغريهم المشهد وسيأتون إلينا عاجلا أو آجلا بأقنعة جديدة، أو حتّى قديمة.
في مقابل الناقد الحداثويّ استضافت قناة العراقيّة، الناطقة باسم الإعلام الرسميّ العراقيّ، رئيس تحرير صحيفة الإعلام الرسميّ العراقيّ "الصباح"، الشاعر المستقلّ شوقي عبد الأمير، الذي يتفق مع حديدي في أنـّه يستند في خبراته النفسيّة والثقافية الى مصادر فرنسيّة رفيعة الشأن! ورغم أنّ شوقي شاعر دمث وودود، يمشي سياسيّا قرب الحائط من دون أن نسمع له صوتا، فقد شاهد "قبل أسبوع التلفزيون الفرنسيّ" (وهذه، بحدّ ذاتها، عبقريّة ثقافيّة وانجاز وطني!) قال ذلك بخشوع وتهدّج، كما لو أنـّه شاهد الملاك جبرائيل! ثمّ ما لبث أن كشف عن أمرين إعجازيين: الأوّل، تحوّل الرأي العام العالميّ باتجاه الموصل، "مفضلينه" إعلاميّا حتّى على أحداث بلادهم الهامة والرئيسيّة. وثانيهما هو اعتراف جنرالات عسكريين فرنسيين بثراء تجربة الجيش العراقيّ وتسابق المدارس الحربيّة العالمية على تدريس فنون القتال العراقيّة، رغم أنّ المعركة لم تنته بعد، ورغم أنّ داعش لم يزل يسيطر على تلعفر (مقر قيادته الحقيقيّ ومركز ارتباطه الدوليّ) والحويجة (مركز الحريق القوميّ) وريف بعشيقة (شوكة أردوغان في عين الحاكم العراقيّ) ومدن وأرياف غرب الأنبار (مركز التماس الأميركيّ، وبوابة اللقاء السوريّ العراقيّ) وغيرها، ورغم أنّ الحشد الشعبيّ ضاع اسمه وصوته وخبره، ولفـّه الصمت الثقيل منذ ما يقرب من أسبوعين، بقرار أميركيّ غربي صارم، ولم يتبق منه عند التحرير سوى عبارة "فتوى المرجعية"!
ما هو عظيم الأهمية هنا أنّ جملتي شوقي السحريتين فعلتا فعلهما فورا في عقول وألسنة ببغاوات السلطة. فما أن يفتح محاور أو معلـّق فمه حتى تقفز منه حكمتا شوقي الحربيتان : تسابق المدارس الحربيّة العالميّة، وأولوية معركة الموصل على أحداث العالم. إنّ فن صناعة المعجزات، التي تمجّد في جوهرها سياسة الخراب، مهنة محتكرة من قبل البعض: شوقي في اختلاق العجائب في وطن العجائب وهو يمدح ويقتنص، وحديدي الباحث عن معجزات داعشيّة وهو يذم وينتقص. وعلى الرغم من هذا التعارض غير القابل للجرح والتعديل، فإنّهما يتفقان على أمر واحد: بيع بضاعة فاسدة للحمقى والجهلة باسم النصر (شوقي)، وباسم استحالة تحقيق النصر (حديدي). هذه الفلتات العقليّة بعضٌ من حسنات الربيع العربيّ، المعجزةّ الثقافيّة القوميّة الوحيدة في عصرنا الراهن!
نحن لسنا بخلاء لكي نمنع العالم المتطور من التعلم منـّا! بيد أنّ شوقي نسي أن يتحدث عن أنّ المعركة الراهنة هي امتداد لمعركة ما قبل ثلاث سنوات ونتيجة من نتائج ممارسات القوى السياسيّة الحاكمة نفسها. وأعني بهذا أنّها نتيجة وليست سببا، ليست سببا للنصر أو الهزيمة. فهي نتيجة من نتائج فساد نظام الحكم، الذي قاد الى ولادة داعش، وليس العكس. لذلك فإنّ المجتمع العراقيّ في عوز تام الى تعلم الحروف الأولى من دروس محو الأميّة السياسيّة والأخلاقيّة، لكي يستطيع أن يصنع نصرا على الفساد، وعلى التفكك المجتمعيّ، والخراب الروحيّ، والتلفيق العقليّ، وتاليا لكي يتعلم المبادئ الأوليّة لإدارة أنشطة الحرب والسلام.
النموذج الثالث يلتقي مع شوقي في أنـّه أحد فرسان الإعلام العراقيّ الرسميّ الجديد. من خلال تطعيم عباراته بكلمات مكرّرة "نحن"، "قررنا" "مصادرنا" " أمرنا"، يشعرنا صاحب الخطاب بأنـّه صحافيّ برتبة فريق ركن. هذا النموذج، انطلاقا من موقعه الساميّ، آثر - وهي مهمته المكلف بها - أن يسرّب عددا من الأخبار الخاصة جدّا والمثيرة والمسليّة: العثورة على فرنسيّة من تنظيم داعش، العثور على داعشيّة تدّعي أنّها أمٌ لأربعة أطفال! وفي الخبرين كان السيّد، المبجل، ينطق بلذة عجيبة عبارة "نكاح الجهاد " بصوت عقائديّ ذي فحيح، عقب كلّ ذكر لكلمة امرأة! هذا هو الوجه الآخر لداعش، داعش الطـرّة، الذي لا يرى النصر الحربيّ من فوهة البندقيّة، بل من أفواه المهابل. إنـّه الممثل المزدوج، الأخلاقيّ والعقليّ، لداعش النصر وداعش الهزيمة.
النموذج الرابع هو أكبر شعراء العراق والعرب طرّا، وأكبرهم سنـّا.
إنـّه سعدي يوسف، الذي نال من الشتائم، باسم النصر، ما لم ينله من باغضيه من قبل. وهذه نقطة تحسب له، لأنّها تثبت جبن وانتهازيّة ونفاق من يهجمون تحت عباءة النصر العسكريّ، ومن يستمدّون جرأتهم من هتافات القطيع.
نقطتان أثارتا هيجان الآخرين: سخرية سعدي من الفريق الركن عبد الوهاب الساعديّ، وحزنه على حجر الموصل. 
الساعديّ! لا أعرف من هو، ولا أهمية خاصة لمعرفة ذلك، ولا أنكر أو أقلـّل من إخلاصه أو شجاعته أو لطفه الظاهر. أثار انتباهي قبل سعدي لكثرة سلفيّاته، وكثرة ما يرسل من صور مقربة جدّا عنه، شاغلا عسكرييه المرافقين بفن التصوير ومتعته وأسراره. هذا الانشغال والانهمام التسويقيّ وصل حدّ تصويره وهو يقذف الرمانات اليدويّة (ماذا أبقيت للجنود وأنت قائد المعركة!). إنّ من يتعمق كثيرا في الموقف يجد أنّ الساعديّ لم يقدم مشاهده التمثيليّة عبثا أو عن جهل. فهو يدرك بحكم موقعه العسكريّ أنّه لا أحد يعرف عديد قوات المعركة من الطرفين. فهي تقدر أحيانا بربع مليون مقاتل تشمل صنوف القوات "المشتركة" والحشد الشعبيّ، مقابل خمسة آلاف مسلح تكفيريّ، قيل إنّهم ثلاثة آلاف، وقيل إنّهم ألف وخمسمائة، يسيطرون على منطقة قيل إنّها مئة وخمسون مترا لا أكثر ولا أقل، وأحيانا جعلها بعضهم خمسين مترا، وأحيانا منطقة تمتدّ من الحدود التركيّة شمالا حتّى "أبو غريب" جنوبا، ومن الحدود الإيرانيّة شرقا حتى الحدود السوريّة غربا. ما عديد هذه القوات، وأين هي؟ ألا يشبه اختفاؤها طريقة اختفاء الجيش العراقي العرمرم عند ظهور داعش للمرّة الأولى؟ يا لها من مصادفة داعشيّة مقلوبة!
إنـّنا أمام معركة مجهولة الحركة والاتجاه، مجهولة التقدم والتأخر، مجهولة القيادة الفعليّة الآمرة. معركة تشبه التمثيليّة المبكيّة في مغازيها وحيثياتها المسببة، وربّما تشبه المؤامرة. نصرٌ مجهول الاتجاه والإمرة، يشبه سقوط الموصل المجهول الاتجاه والمسبّبين! معركة لا نعرف من يحركها من أعلى ومن أسفل. سؤال استطراديّ ساذجٌ: من الداعشيّ؟ هل هو حقا تونسيّ أو مغربيّ أو شيشانيّ بائس جاء للجهاد تعصّبا وجهلا ويأسا؟ كلا، إنّهم ثلاثة فصائل: عراقيون جلـّهم من العسكريين السابقين، الانتقاميين، الذين يتمتعون بالخبرة المهنيّة العالية وبالمعرفة الجغرافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، وأكراد عراقيون، ومقاتلون أتراك أو تركمان قوميون، يعمل بعضهم في أجهزة الاستخبارات العسكريّة التركيّة. هؤلاء هم قيادة ألوية دولة العراق المسمّاة "داعش". هؤلاء، لا أحد يذكرهم في الإعلام البتـّة، بقدر ما يُذكر التونسيّّ والشيشانيّ البائس. هؤلاء هم من نقل تنظيم "القاعدة" المريب، ابن المخابرات الأجنبيّة، من وضع الحركة الهلاميّة الى وضع المنظمة المركزيّة، الأرضيّة، التي تحمل اسم وكيان دولة. هؤلاء هم قادة ومؤسسو دولة الخلافة، الذين سيعودون جميعا الى صفوفهم الخلفيّة بعد أن يتم ذبح التونسيّ والمغربيّ والشيشانيّ الضحية المزدوجة أو المركبّة، وبعد أن يتمّ بيع السعوديّ والكويتيّ. تمثيليّة كونيّة شاملة، مُركـّبة على رأس العراقيّ، تمثيليّة دمويّة، بشعة، استنزافيّة للمشاعر والثروات والأزمان والأعمار، لا حيّ فيها سوى المقاتل العراقيّ، البطل، الشجاع، السخيّ حتّى بدمه وروحه، الذي أثبت أنـّه لم يُهزم قبل ثلاث سنوات في الموقع والموقعة عينهما بسبب الجبن، بل بسبب الخيانة (خيانة السياسيين المتحاصصين)، بسبب الفساد الشامل، البنيويّ؛ وأنـّه غير هيّاب، معطاء، حالما يوضع في موضع الامتحان البطوليّ. العراقيّ ليس شجاعا حسب، بل هو شجاع الى حدّ الإعجاز، حينما يقاتل وهو يعرف أنّ خلف النصر الذي يحققه لا يوجد نصر لحاضره ومستقبله. تلك هي طبائعه المتناقضة! هنا لم يجد الساعديّ في ظل التمثيليّة الكبيرة- صناعة واندحار داعش- التي يدرك تفاصيلها أكثر منا جميعا، سوى اللجوء الى السلفيّ. وربّما لهذا السبب جذب الساعديّ أنظار سعدي فوضعه الأخير تحت مجهره النقديّ القاسي. 
الأمر الثاني هو الحزن على الموصل القديمة. نعم، العراق حضارة طينيّة، لم يتبق من آثار العراق شيء، حتّى بوابة عشتار نسخة مزورة، حتى جنائن بابل فخرنا الأول والأخير. لكنّ المدينة القديمة في الموصل من المدن العربيّة العراقيّة النادرة ذات الطبيعة الحجريّة. لذلك هي الأثر الأكثر تأهيلا للبقاء، والأكثر مقاومة للتدمير. أحياء تراثيّة مثلها جعلت مدنا أوروبيّة وعالمية تغدو كنزا سياحيّا، ونبضا ثقافيّا تاريخيّا وطنيّا. هذه البقعة تمت إبادتها، تمّ استئصالها، تمّ إخراجها من دائرة التاريخ الحيّ. تصريحات قادة القوات التي تؤكد وجود مقاتلين مختبئين تحت الانقاض، تؤكد أيضا أنّ الداعشيين لم يكونوا هم من فجّر الأحياء كلـّها، وتؤكد أنـّنا لا نعرف حقيقة من يرقد تحتها: هل هو مدنيّ أم مسلح؟ هل هو مقاتل أم طفل أم امرأة؟ من تحت الركام؟ (لا أحد ينكر صعوبة المعركة وضرورة الحسم. إلا أن الطيران الأميركيّ والغربيّ يريد جعل الهزيمة معضلة وطنيّة طويلة الأمد، وجعل النصر، إن تحقق، معضلة أكبر وأقسىّ وأشمل وأطول!) ولكن، من لم يثره هذا المشهد المرعب، بصرف النظر عن تأويله السلبيّ أو الإيجابيّ، لا يحبّ وطنه، بل أكاد أجزم أنـّه لا ينتسب الى هذا الوطن بعواطفه.
كان المشهد شعريّا، سها سعدي وذهب قلبه عنه الى غيره، فكتبه نثرا، كما أحسب: من عينيّ أم الربيعين تتساقط جدران التاريخي، مثل دموع حجرية. ووسط الدمار يسير جنرال النار متبخترا بين أكوام الجثث. هذا ما جذب سعدي في ظنـّي.
لم يكن سعدي قد أخطأ في الموضعين، لكنـّه لم يواصل إكمال دوره كمثقف طليعي وأحد المتنورين المتحررين القلـّة، الذين يقفون شهودا على تدمير الوجود العراقيّ، مكتفيا بانطباع عاطفيّ ناقد. إنّ اختزال الوطن في ذروة المأساة، وتضييق المنظور في لحظة وجوديّة كبرى يهبط بالرؤية، ويرغمها على الاختلاط بما هو أدنى منها.
نقطة اللقاء في معركة الموصل، ليست الموصل وحدها، بل العراق كلـّه. ليس الساعديّ أو سواه، بل العراقيّ كمواطن، كإنسان، كمصير، كوجود.
لقد تمّ سوق العراقيّ الشهم الى معركة جديدة، حتّى لو كانت عادلة. إنـّهم يستكملون بتجييش العراقيّ تاريخ الحروب المتلاحقة. المعضلة تكمن في أنـّهم يسوقونه حربا بعد حرب لكي ينهزم أو لكي يعالج عار الهزيمة السابقة؛ وفي كلا الاحتمالين هو من يقدّم الدم، وهم الذين ينعمون بالسلطة والثروة والأمان. هم الورقة الرابحة وهو الورقة المحترقة!
إنّ ثمن الدم لا يمكن أن يكون جولة أسبوعيّة من الأهازيج والزغاريد حسب. بل يجب أن لا يكون أقلّ من وحدة العراق شعبا وأرضا، وتحرير العراق أرضا وشعبا من مغتصبي كرامته. لا يجوز أن يكون أقلّ من عودة العراق لاعبا إقليميّا طليعيّا مؤثرا بثوب حضاريّ، ولا يجوز أن يكون أقلّ من نصر على فساد العمليّة السياسيّة وقياداتها السنيّة والشيعيّة، القوميّة والمناطقيّة والعشائريّة. لا يجوز أن يكون أقلّ من دولة المواطن الحرّ، المواطن الذي يتساوى مع خلق الله في حجم الأمان وحرّيّة المعتقد وطمأنينة العيش والكرامة.
وأخيرا ليس أقلّ من تكامل عراقيّ سوريّ، إن لم يكن وحدة، على المستوى العسكريّ والاقتصاديّ والسياسيّ، باعتباره الرّد الطبيعيّ على الاستفراد والتمزيق القوميّ، الذي تقوده القوى الأجنبيّة وترعاه الرجعيات العربيّة.
هذا النصر لا يختلف كثيرا عن الهزيمة، إن لم يكن هو تأكيد لها، لأنـّه نتيجة مثلها وليس سببا. أما السبب فيكمن في فساد المنظومة السياسيّة والسلطويّة، التي شيّد بنيانها وأرسى أسسها المحتلّ الأميركيّ، بمساعدة القوى الطائفيّة والعرقيّة والمناطقيّة النهمة والجاهلة والأنانيّة.
ما نفع النصر في ظلّ هزيمة مرعبة في مجال الحكم وإدارة السلطة؟
ما نفع نصر في ظلّ الهزائم والأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة المروّعة؟
ما نفع نصر في الموصل في ظلّ هزيمة وجوديّة لمجتمع كامل وتاريخ كامل؟
ما نفع نصر في ظلّ غياب دولة المواطنين الأحرار؟
ما نفع نصر على أكتاف مواطن مقهور ومهزوم الأعماق، ممزق الكرامة، يتم نحره لأنـّه أطال شعره ولبس قميصا خاليا من الدم أو السواد؟
إنـّه نصرٌ لا يُذكـّر بشئ على الإطلاق، سوى بالهزيمة المرّة، الهزيمة التي لم يزل مجترحوها ماثلين أمام أعيننا، والتي غدت سببا إضافيّا في التضحية الجسيمة من أجل تحقيق نصر ننوب به عن العالم أجمع. إنـّها دورة الشرّ الأبديّة، التي تبدأ حيث تنتهي، وتنتهي حيث تبدأ!
يحق لنا أن نفرح، ولكن بالقدر نفسه يحق لنا أن نضع أصابعنا على الجرح، فهو جرحنا، كما أنّ النصر المرّ نصرُنا.
إنه نصرٌ "عراقيّ" عظيم، وإن كان ممهورا برماد الهزيمة!
# # # # # #
الجميع، من القائد الأعلى حتّى العبد الأسفل، يقولون: إنّهم فخورون لأنّ العراقيّ قاتل (أي نـُحر، ودمرت مدنه، وشرد شعبه) نيابة عن العالم كلـّه!
الجميع فخورون!
بمن ولماذا تفتخرون؟
أنا هنا، ربّما وحدي، أعلن بملء الفم: لست فخورا بقتال العراقيّ نيابة عن أحد، لا عن ترامب أو عن مشائخ الخليج أو عن أيّ قرصان ولصّ دوليّ أو إقليميّ أو محلـّيّ أو زقاقيّ.
لستُ فخورا بالقتال نيابة عن أحد.
لسنا نوّاب موت عالميين!
دعونا ننوب عن العالم في مجال الرخاء، في مجال العلم والفن، في مجال الأمان والحرّية والكرامة.
آن الأوان أن نلغي "سبارطة" العراق الأزليّة اللعينة، الخاسرة الأبديّة، التي يقودها الحكـّام والسياسيّون التافهون من حرب الى حرب، ومن مفخرة كارثيّة الى أخرى.

الحوار المتمدن