عبد الكريم قاسم والاميرة انستازيا رومانوف (1)!

من الطبيعي ، تماما ، ان كل فشل يقود ، اوتوماتيكيا ، الى المراجعة والتحري ، في افضل الحالات . والى الاحباط او الارتداد والنكوص في اسؤها . وبين هذه وذاك ، تتباين ردود الافعال بحسب طبيعة وحجم الفشل ،اولا . ومستوى وغايات من يتصدى للمراجعة، ثانيا . وثمة ، ثالثا ،عوامل اخرى ، مهمة ، لا علاقة لها بمن يراجع ولا مصالحه ولا بالحقيقة ومتطلباتها ، وانما ترتبط بالصراع الاجتماعي والسياسي الجاري على نطاق محلي وعالمي على اساس المصالح الاجتماعية الكبرى ، غايته استثمار كل واقعة لتصّب في خدمة اغراضه الايديولوجية . 
منذ ثورة 14 تموز 1958 ، وطوال عقود ، اعتبرت الثورة ، ثابت من ثوابت الحركة الوطنية في العراق ، وعّدتْ، من قبل جميع اجنحة هذه الحر كة ، ورغم صراعاتها الدامية ، ضرورة حتمتها طبيعة الظروف والتطورات الاجتماعية الداخلية والاقليمية والعالمية ، وافقا واعدا فتح امام العراقيين فرصا واسعة لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية وتلبية المتطلبات الحيوّيه للشعب العراقي . ورغم ان الثورة ، كبرنامج اجتماعي وسياسي ، اجهضت منذ سنواتها الاولى ، وأُسُيء الى رموزها وقادتها وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم ، اشّد الاساءة وعلى يد اطراف من القوّى التي كانت ضمن معسكر الثورة ، لكن قراءتها كفعل سلبي وضار وعدّها انقلابا اومغامرة عسكرية اطاحت بنظام دستوري ديمقراطي واجهضت امكانية كانت متوفرة للعراق في سبيل التقدم والارتقاء والبناء السلمي ، ما كانت ممكنة او على الاقل متسعة ، وكانت موقوفة على الفئات المتضررة من الثورة وهي فئات معزولة وافراد لم يمتلكوا تاثيرا فكريا او سياسيا يعتّد به . حيث كانت جميع الاطراف، السياسية الفاعلة، لاتختلف حول ضرورة ومشروعية الثورة وانما حول ادعاء " عائديتها " وحقيقة برنامجها. .
بعد 2003 ، ونظرا لطبيعة القوى السياسية والاجتماعية المهيمنه ، وحجم الفشل والكوارث السياسية والاجتماعية ، ومسيل الدم ، الذي ارتبط بالقوى التي ورثت ثورة تموز واستحوذت على السلطة السياسية منذ ستينات القرن الماضي وخصوصا مع حكم البعث عموما وصدام خصوصا . كان من الطبيعي جدا ، في اطار نقد المرحلة السابقة ، برمتها ، ان تتعرض بداياتها واسسها ، هي الاخرى ، للنقد . وكان لا بد من العودة الى طبيعة ما حصل يوم 14 تموز ، وقواه الاجتماعية وتمثيلاتها السياسية وبرنامجه ، وهل كان فعلا ايجابيا فتح الطريق امام تطور افضل ام انه كان ذريعة وواجهة لرغبات وطموحات فردية اجهضت ماكان ممكنا من تقدم لصالح فوضى لا تنتهي من الانقلابات والانقلابات المضادة ومكّن قوى جاهلة وغوغائية و معادية للديمقراطية من السلطة والتحكم بمسار الدولة والمجتمع . كل هذا مشروع وطبيعي ومطلوب بل ونافع ، لكننا نلاحظ ان هذا النقد كان ، باستمرار ، ينحو منحى عاطفيا لا علاقة له بالنقد السياسي والتاريخي المطلوب ، واخذ على نحو متزايد ،يستعير اساليبه بل وحتى مفرداته ، من تيار عالمي غير معني بالنقد الجاد والمفيد وانما معني بالتشويش الايديولوجي . هذا النقد ، يركز على قتل الملك الشاب ، او العائلة المالكة صبيحة 14 تموز ، اوسحل نوري السعيد والوصي عبد الاله والتمثيل بجثتيهما ، ومن نافل القول ان هذه الممارسات ، هي ممارسات غير مشروعة وغوغائية ومدانه بالفعل، لكنها لم تكن ممارسات مرحب بها من قبل قيادة ثورة تموز ولا تمت بامرها وتوجيهها، بل وادانتها واعلنت البراءة منها في بضعة مناسبات ، وحصول حالات انفلات وممارسات تركب فيها اوساط من الجماهير عواطفها وتندفع وفق ما تمليه غرائزها وانفعالاتها الانية امر معروف ومتواتر في معظم ثورات العالم ولا يمكن ادانة ثورة او وصمها بناءا على افعال من هذا النوع ، خصوصا ، اذا ماكانت عارضة وفردية ومحدودة ، ناهيك عن رفضها من قبل الثورة وقيادتها .
وهو يماشي ، ويعيد انتاج، موجة من النقد المشابه تصدت لثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا ، طوال عقود ، عبر مقالات وكتب واساطير وافلام ومسرحيات ، بقيت تدور ، معظمها ، في اطار توجيه الاتهامات للثورة بكونها مؤامرة خارجية ، وفعل لا يستند الى تسويغ اجتماعي ، اقدم فيه متآمرون مجرمون ، دون وازع انساني ، على اغتيال القيصر وعائلته ووجدت اليوم ، ما يبعثها ، بحميّة ، في جوّ من التوجس تعيشه الراسمالية العالمية من شبح ، محتمل ، لتمرد اجتماعي مع "تصعيدات" واستطرادات يصنعها الخيال والعاطفة المشبوبتان مثل قصة افلات الاميرة " انستازيا " ابنة القيصر ، بالصدفة ، من ايدي اولئك المجرمين الكواسر ، لتعود الى الحياة، بعد معاناة ، ممثلة لقيم الجمال والحق والرفعة ، التي لن تموت ابدا ، بازاء ، قيم الانحطاط والخسة والدناءة التي لا يمكن للجموع والسوقة والثوار ان تنتج غيرها . ورغم ان قصة " انستازيا " كانت فبركة كاملة لا يمكن لاشد المناؤين للثورة الروسية ان يتجنب الشك والريبة ازاء خلقها من العدم غير ان الحملة الايديولوجية كان لابد لها من قصة مثيرة ورمزنبيل تستعيره من عالم الارستقراطية واجواءها الرفيعة المفترضة لتستميل به الجماهير وتداعب مشاعرها ، حيث لا يتوفر في عالم البرجوازية الفكري والاجتماعي ، الفقير ، مثل هذا الرمز الجذاب ! 
وحيث ان القوى الاجتماعية التي تكمن خلف قصة " انستازيا " هي ذاتها ، في روسيا ، كما في امريكا . وفي مصر كما في العراق .فسنجد انفسنا ، هنا او هناك ، امام طبعات محلية مختلفة لذات الاصدار ، فنكون بازاء قصة : ملك شاب بريء او حفيد شرعي لاخر الخلفاء او ابن وطني للشاه الغارب او ابنة مطالبة بالعرش لاخر الملوك الشرعيين وربما لرئيس راحل وهكذا وهكذا .... ، ولا يشار ، اطلاقا ،الى عبد الاله الوصي مثلا ولا نتصدى بالنقد الجاد والمسؤول الى سياساته وسياسات صنوه نوري السعيد التي جعلت الثورة ضد النظام الملكي ضرورة سياسية واجتماعية .ناهيك عن التصدي بالنقد الجاد ، لمن حسبوا على ثورة تموز 1958 ذاتها ممن كانوا جند الثورة المضادة واغرقوا تموز والشعب بالدم عبر اباحة القتل الذريع وشرعنته باوامر رئاسية وقوانين بدلا من القاء اللوم على من مثلوا الجانب المضيء منها !
1-يخلط هذا النقد ، عامدا متعمدا ، بين فترات صعود النظام الملكي في العراق ونكوصه . ويسميها جميعا بذات الاسم . رغم وجوب التمييز . فقد شهدت العقود الاولى من الحكم الملكي ، في ظل قيادة المرحوم فيصل الاول ، تاسيس الدولة العراقية الحديثة .رغم ارتباط ذلك بمصالح ونفوذ بريطانيا الاكيد ، وتاسيس المجتمع العراقي المدني بجهد مخلص وصبر واناة ، من قبل فيصل ذاته ،انعكس في كافة المجالات رغم قلة موارد الدولة ،حيث عرفت قطاعات الادارة والتعليم والصحة العامة والامن والري وغيرها اتساعا ونموا وكذلك بناء الجيش والشرطة والاهتمام بتوسيع قاعدة النظام الاجتماعية والمشاركة السياسية والوحدة الوطنية .اما قي العقدين التاليين ، الاربعينات والخمسينات ، بعد غياب فيصل الاول عن المسرح السياسي ، فقد شهدت البلاد تدهورا على صعد عدة ، رغم توفر موارد كبيرة بين يديها، لم تكن متوفرة لفيصل الاول وادارته، اهمها النفط ، الذي بدأت عائداته تصبح ذات تاثير حاسم منذ الخمسينات . لقد تدهورت الزراعة ، نتيجة تدهور الرّي واستصلاح الاراضي وممارسة ملاك الاراضي الجهلة ، الذين استحوذوا على مساحات شاسعة بحجج واساليب باطلة فتسبب اهمالهم وتخلفهم في تدمير مساحات واسعة واحالتها الى اراض سبخة وجرداء غير صالحة للزراعة الامر الذي تسبب بدوره في هجرة مئات الالوف وتركهم الريف في الوسط والجنوب ليعيشوا في مستوى معيشي لايليق بالانسان وليشكلوا عبئا ثقيلا على المجتمع والدولة في احزمة الفقر المحيطه ببغداد بصورة رئيسة والبصرة بالدرجة الثانية . لم يجد النظام حلا مجديا لهذه المشكلة ذات العواقب الوخيمة بحكم طبيعته ذاتها وممالئته للطبقة شبه الاقطاعية ، اما للمهاجرين الذين شكلوا احزمة من البؤس والبطالة والجهل والمرض ، فلم يجود الاّ بتخصيص بقعة للسكن العشوائي المفتقد لابسط الشروط الصحية هنا او مدّ حنفية ماء هناك! ولقد ظل " الشروكية " واكواخهم الطينية في الشاكرية والميزرة والعاصمة وغيرها ، مستودعا للعمالة الرخيصة ولمراتب الجنود والشرطة تحت الطلب ، مستودعا للمرض والموت المجاني . وبقيت بغداد تنظر اليهم ، من خلف خصاص شناشيلها المتداعية ، بتعال تركي زائف ، وغنج لايحمل على محمل الجد ، آثار الجدري الطيني الزاحف بمثابرة على صفحة وجهها العتيق، وجهها العثماني / الشريفي ، دون حل او اهتمام . بقيت بغداد تنظر اليهم بتوجس وريبة وتتحسس منهم تحسسها من وباء تتطير منه دون ان تسعى جادة لعلاجه، طوال ثلاثة عقود، فكانت هناك بالفعل ، امّتان يفصل بينهما برزخ من نار ، حتى جاءت ثورة تموز، فانتزعت الاراضي من السراق الذين استولوا على تلك المساحات الشاسعة ، دون وجه حق ، وحولوها الى يباب مجدب، ووزعتها على من يمكن ان يسهم في احيائها ، وتصدت لمشكلة االمهاجرين واحزمة الفقر، تلك ،فازالت العشوائيات ووفرّت السكن اللائق والخدمات لهم . والاهم من كل ذلك ، انها اعادت لهؤلاء ، شعورهم بالانتماء للمجتمع والوطن واحساسهم بالكرامة وعملت، بجد، على دمجهم بالمجتمع الامر الذي كانت له عقابيله المعروفة والتي ظلت قوى اجتماعية معينه تتطير منه وتنظر الى آثاره بشك وخوف ، مازالا ، حتى اليوم ، يعبران عن نفسيهما ، بطرق ملتوية ومبطنه ، كان العداء لثورة تموز وعبد الكريم قاسم احد اشكالها !
2-ماهي تعبيرات ومظاهر الحياة الديمقراطية الدستورية ، ورعاية الحقوق الاساسية للانسان ، التي يغّرد بها البعض اليوم ، والتي قضت عليها ثورة 14 تموز واجهضت امكاناتها الفعلية على الارتقاء والنضج والاتساع والتي يمكن قراءتها في مؤسسات وممارسات النظام الملكي ؟هل هي البرلمان والحياة البرلمانية المجّيرة ، في معظمها ، لنفوذ وسيطرة القوى ذاتها من الاقطاعيين والطفيليين والعسكريين المخضرمين المدعومين من قبل بريطانيا ثم امريكا والوجوه التي تكررت طوال سني هذا الحكم مختزلة الديمقراطية السياسية وتداول السلطة في شخص او شخصين ،و دون ان تفلح القوى والتيارات المتنورة في ان تحصل على ما تستحقه من تأثير ودور يتناسب مع حجم وجودها وتاثيرها الاجتماعي ، فأن حصلت ، شُلّتْ الحياة البرلمانية والسياسية عبر انقلابات قصر او احكام عرفية او حل للبرلمان؟ هل تمثلت هذه الحياة الديمقراطية ، في حرّية الصحافة والرأي ، ام حرية التنظيم الحزبي والنقابي ، ام في حرية الفكر والمعتقد ، وقد كانت الصحف تغلق وتصادر، لمخالفتها نهج الحكومة او مباديء النظام، وكان الافراد والجماعات يعتقلون ويسجنون وينفون لممارستهم حقوقهم الاساسية في التنظيم السياسي والنقابي ، بل ويمكن ان يشنقوا ويعلقوا في ساحات بغداد ، كما حصل مع قادة الحزب الشيوعي ، لمجرد المجاهرة باعتناق فكرة ما ودون ان يكونوا قد تصدوا لتغيير النظام الاجتماعي العام بقوة السلاح او مارسوا الارهاب السياسي ؟، بل وكانت الاقليات الدينية والعرقية تتعرض للتمييز والاضطهاد وانتهاءا بالقمع المسلح كما حصل مع الاكراد والايزيديين والاشوريين واليهود ، فاين هي الحياة الدستورية والحقوق الديمقراطية ؟
ان كل ذلك يصدر عن تطير وردة فعل عنيفة ، ومبررة ،اتجاه ما شهده العراق والعراقيين ، من عسف ومصادرة لكل حق انساني واجرام آسن خلال فترة حكم البعث عموما وصدام حسين خصوصا ،اثار نقمة الناس وجعلهم يترحمون على اي شكل من اشكال الحرية الشخصية وجعلهم ينسجون الحكايات، نصف الصحيحة او الخيالية بالكامل حول انسانية العهد الملكي وتواضع رجاله ، بحيث شهدنا من يحّن الى الايام التي كان يسلب فيها خليل ابو الهوب ، الباشا نوري السعيد في عرض الطريق او يضحك الاخير فيها ملأ شدقيه وهو يستمع الى اصداء " عفطة " ابو ليله العربنجي ،كلما مرّ الباشا بشارع الرشيد ، وهي كلها طرائف وحكايات من نسج خيال شعبي مرهف ، نعرفه ، جميعا ، كعراقيين، لكنها لا تفلح في تقديم صورة متماسكة عن عهد زاهر كان يسير قدما ! 
3-ماذا بالنسبة للصناعة؟ ماذا ورثت ثورة تموز من بناء اومكانات صناعية ، عدا محاولات فردية بسيطة في محيط من السيطرة المطلقة للمنتوجات الاجنبيه؟ ماذا بالنسبة للائتمان والمال ، هل كان هناك مصرف عراقي مستقل واحد ؟ماذا بالنسبة للتعليم ، خصوصا بالنسبة للعقدين الاخيرين من الحكم الملكي وهل كان اتساعه يناسب حاجات المجتمع . بل هل يمكن مقارنة نموه بما شهده من نمو خلال العقدين الاولين تحت حكم فيصل الاول كما اشرنا ؟!اما بالنسبة للصحة العامة فمعروف انها لم تكن تحضى باي اهتمام وكان المرض والموت هما رفيقا الغالبيه الفقيره من العراقيين.وماذا بالنسبة لمشاريع الاسكان عدا اعمال محدودة لاسكان الضباط لم تكن تتناسب ابدا مع حجم الحاجة الاجتماعية ، وهكذا الحال بالنسبة لبناء الجيش وكذلك للسياسة الخارجية وغيرها ، فعن اي عهد زاهر وامكانات مجهضة يتحدثون؟ صحيح بالطبع ان مجلس الاعمار وخبراؤه عالجوا الكثير مما يجب فعله ووضعوا الخطط والاسس السليمه للكثير مما هو نافع خلال عقد الخمسينات ، لكن الصحيح ، ايضا ،ان معظم ذلك بقي حبس الادراج ولم يجد طريقه الى النور الاّ في ظل ثورة 14 تموز ، اليس من الممكن اذن القول بان ثورة تموز كانت ضرورة ، من هذه الناحية ، لوضع تلك المشاريع موضع التنفيذ !؟ 
3-في اعقاب وفاة جمال عبد الناصر واثر استيلاء السادات على الحكم وتمّكن ، قوى اجتماعية طفيلية ومرتبطة برأس المال الاجنبي من الامر ،جرى هجوم على كل منجزات المرحلة الناصرية ، وتسفيه وتفنيد لمشاريعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، على نحو تدريجي ، باعتبار ان السادات كان ما يزال يعتبر نفسه من ورثة الثورة ويستند في شرعيته اليها ، ثم على نحو متزايد ومتسع في عهد حسني مبارك، لكن هذا النقد ، لم يقدم ، كما هو معلوم وملموس، بديلا حقيقيا ونافعا ، بل جاء ليبرر ويسوغ ويتستر على كل ما خسرته مصر والشعب المصري من اسس رصينه لحياة كريمة واستقلال سياسي وما جرى من استحواذ على ثروات الشعب المصري ونهب لخيرات مصر وارتهان لمرافقها الحيوية من قبل قلة ضئيلة من الطفيليين واللصوص . ثم ومع ثورات ما سمي بالربيع العربي ، اعيد الاعتبار الفكري لرموز خاوية مثل الملك فاروق وعائلته ، وجري تبييض صفحات سوداء تحت شتى الذرائع ، ومثل هذا الامر جرى ويجري في سوريا وليبيا وغيرها ، بالافادة ، طبعا ، من ممارسات مريرة صدرت عن انظمة الحكم الفردية الطغيانية ، بررت وسوغت واعطت الذريعة لا لهجوم فكري او سياسي فقط وانما لنكوص اجتماعي وتدخلات اجنبية فظة شهدنا ونشهد تداعياتها المهلكة على بلدان المنطقة وشعوبها . 
4-ان هذا الهجوم السياسي والفكري والثقافي ، هجوم عالمي ، يهرب فيه الممثلون الفكريون والسياسيون للطبقات الطفيلية السائدة عالميا ، وهم جيش لجب وطيف متنوع من المحافظين القدامى والجدد الى المجندين من اليساريين المأجورين والشيوعيين المرتدين ، مرورا بكلاسيكيي اقتصاد السوق وحرية التجارة ،من مسؤولياتهم في مواجهة نقد حقيقي وجاد ، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي في اتون ازمة واضحة يغرق فيها الاقتصاد العالمي ، وخسارة مهمة تستشعرها شعوب الغرب والعالم في مكتسباتها على مدى قرن، واشاعة للعسكرة و التدخلات والحروب ، ولعب بمصائر وامن الشعوب ، وابتعاث لنزعات كراهية دينية واثنية غير مسبوقة ، واسناد لاكثر الانظمة رجعية واستبدادا ، وخلق ودعم قوى ظلامية مغرقة في الانحطاط مثل القاعدة وداعش ،الى مسرح الفردوس المفقود ويستعيرون من ارث الارستقراطية حكايات الفرسان والاميرات ومن ارث المشرق قصص الخلفاء ودولهم الاسلامية ويخيفون الشعوب وشبابها المتسائلين والباحثين عن امكانية الخلاص ، من الثورة والثوار ، ساخرين بمثل وقيم الاستقلال الوطني والبناء الاقتصادي القائم على اولوية الحاجات الوطنية ومباديء العدالة الاجتماعية وتشريك وسائل الانتاج والصداقة بين الشعوب والاخوة بين البشر والتعاون الدولي المبني على المصالح المشتركة .ومستهدفين ومسفهين، القوى والبرامج والرؤى المرتبطة بهذه القيم والدعوات، حيثما وجدت ، من فنزويلا الى ايران ومن روسيا حتى اليونان ومن العراق وسوريا ومصر الى الصين.
ان القوى الاجتماعية المهيمنه وممثليها على صعيد الفكر والثقافه، في العراق بل والمنطقة ، اليوم ، لاتقدم مثلا سيئا وبرنامجا عقيما للبناءاو بالاحرى التخريب الاجتماعي ،اغرق شعبنا وشعوب المنطقة في نفق مظلم من ضياع الثروات وخسارة الاوطان وتدمير البنى الارتكازية واغراق المجتمعات بسيل عرم من الدماء وتدمير القيم ثقافة الايجابية، فحسب . ولا تكتفي بانشدادها الى اوهام ماض موغل في القدم . بل وتعبر عن كراهتها وخوفها من التطلع الى الامام فتعكف على ان تنقب وتحفر في الماضي القريب والبعيد عما يمكن ان يمدّها بالحياة والشرعية . ان ثورة تموز او عبد الكريم قاسم لا يمكن ان يكونا فوق النقد بل ان نقدا علميا جادا وحازما ، يسمو على العواطف ويترفع عن الاغراض والحساسيات الشخصية . نقدا منهجيا يدرس مكامن الضعف ونواحي القوة بل ويؤكد على مسببات الفشل وعقابيلها التي نعاني منها حتى اليوم ، امر ضروري ومطلوب .بل وواجب مهم لايمكن الهرب منه او استبداله بالاختباء خلف حكايات الاميرات وقصص الفرسان ! 
---------------------------------------------------
(1) استنفر الاعلام الغربي كل وسيلة ممكنه في حربه على الثورة الروسيه وكان طبيعيا ان يلجأ الى استثارة المشاعر الانسانية ومخاطبة العواطف ، فاختلق قصة الاميرة انستازيا رومانوف التي نجت من اعدام اسرة آل رومانوف والتي تعتبر وريثة عرش روسيا . انتجت الوف القصص والمقالات والدراسات حول الموضوع وانتجت هوليوود افلاما روائيه وكذلك افلام كارتون حول انستازيا ، بل وتقدمت العديد من الفتيات بادعء كونهن انستازيا الناجية من المذبحة ، كانت اشهرهن أنا اندرسون التي توفيت عام 1986 ، وقد ثبت بطلان دعواها !