هل سيصبح الحشد الشعبي مشكلة كبرى في عراق ما بعد داعش ؟

خطبة الجهاد الكفائي : المرجعية لم تدع لتأسيس مؤسسة الحشد الشعبي

في حزيران 2014 أعلن الشيخ عبد المهدي الكربلائي ، ممثل المرجعية الدينية العليا المتمثلة بالمرجع الأعلى السيد علي السيستاني ، بيان المرجعية عن الجهاد الكفائي.
في تلك الخطبة قال ممثل المرجعية : ( إن العراق وشعب العراق يواجه تحديا كبيرا وخطرا عظيما ... وأن الإرهابيين يستهدفون كل العراقيين وفي جميع مناطقهم ... ومسؤولية التصدي لهم لا تختص بطائفة دون آخرى ... وأن الشعب العراقي أكبر من هذه التحديات ... وإن المسؤولية ... هي حفظ بلدنا ومقدساتنا ... والحفاظ على وحدة بلدنا وكرامته وصيانة مقدساته.) 
وقال إن على (المواطنين الدفاع عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم.) ودعاهم إلى (التطوع للانخراط في القوات الأمنية) ليؤدوا (الواجب الوطني.)

بالإمكان هنا تسجيل الملاحظات التالية ، وهي في غاية الأهمية :

* واضح ، أن هدف الجهاد الكفائي ، كما ورد في خطبة ممثل المرجعية ، يكمن في الدفاع عن "العراق وشعبه'' ، حصرا ، وليس الدفاع عن سوريا وشعبها ، ولا عن أي دولة آخرى ولا عن أي شعب آخر. 
* المرجعية ناشدت '' المواطنين العراقيين'' ، أي بهويتهم الوطنية العراقية الشاملة الجامعة ، وليس بهوياتهم الفرعية ، كأبناء مكونات أو مذاهب أو طوائف أو مناطق. 
* أرادت المرجعية الدفاع عن ''حرمات العراق '' تحديدا وحصريا ، وليس عن حرمات تقع خارج حدود العراق ، في سوريا أو غير سوريا. 
* أرادت المرجعية دفع الشر عن ''هذا البلد وشعبه" ، وليس عن "ذاك" البلد وشعبه ، أي ليس الدفاع عن بلد آخر وشعب آخر ، سواء في سوريا أو في أي مكان آخر. 
* كررت المرجعية بأنها تريد من المتطوعين العراقيين الدفاع عن ''بلدهم وشعبهم ومقدساتهم" ، وليس عن بلد آخر غير بلدهم ، ولا عن شعب آخر غير شعبهم ، ولا الدفاع عن مقدسات تقع في بلد آخر غير بلدهم العراق ، كسوريا مثلا ( لسنا بحاجة للقول ، أن كل مقدسات المسلمين تتساوى عند المرجعية). 
* أرادت المرجعية من الذين يتطوعون من العراقيين '' الانخراط في القوات الأمنية" حصرا ، وليس الانخراط في مليشيات و جماعات شبه عسكرية غير نظامية وغير حكومية ، مهما كانت مذاهبها الدينية و مسمياتها ونواياها وشعاراتها.

ماذا حصل بعد بدء الجهاد الكفائي ، و هل تم تطبيق فتوى الجهاد الكفائي كما أرادت لها المرجعية أن تكون ؟ 
ما حصل هو ، أن سياسيين عراقيين شكلوا قوة عسكرية غير نظامية وغير رسمية حكومية أطلقوا عليها تسمية (الحشد الشعبي) ، ثم قالوا إن هذه القوة العسكرية باقية وتتمدد ، وليس بمقدور كائن من كان أن يحلها ، و أنها (مقدسة) ، و هي عابرة للحدود العراقية. وقالوا وما زالوا يقولون ، إننا نفعل ذلك تطبيقا لفتوى المرجعية.


فتوى التأكيد التي لم تذكر أسم الحشد الشعبي

يبدو أن المرجع الأعلى السيد علي السيستاني لاحظ ، بعد مرور نحو سنتين على بيان الجهاد الكفائي ، أن الجهاد الكفائي لم يتم تطبيقه كما أرادت له المرجعية أن يكون ، وأن أحزاب و قوى سياسية عراقية حاكمة توظف الفتوى لتشكيل قوة عسكرية دائمية تكون تحت أشرافها وسيطرتها ، ويكون هدفها الدفاع عن هذه الأحزاب السياسية الحاكمة ، ربما فيما إذا تم إبعادها عن الحكم حتى بانتخابات ديمقراطية غدا أو بعد غد ، تطبيقا لفلسفة '' ما ننطيها''.
لهذا فأن السيد السيستاني أصدر بداية عام 2016 فتوى مكتوبة وممهورة بختمه هذه المرة ، ردا على من سأله إن كانت فتواه بخصوص الجهاد الكفائي ما تزال مستمرة أو لا. 
في هذه الفتوى المكتوبة أعاد السيستاني التأكيد على الثوابت الجوهرية الكبرى التي وردت في خطبة الشيخ الكربلائي عام 2014 عن الجهاد الكفائي. 
قال المرجع السيستاني في الفتوى :

(باسمه تعالى. قد افتينا بوجوب الالتحاق بالقوات المسلحة وجوبا كفائيا للدفاع عن الشعب العراقي وأرضه ومقدساته ، وهذه الفتوى لا تزال نافذة لاستمرار موجبها ، بالرغم من بعض التقدم الذي أحرزه المقاتلون الأبطال في دحر الإرهابيين.)

هنا ، كرر المرجع السيستاني بأن فتوى الجهاد الكفائي هي شأن وطني عراقي داخلي ، وهي إنما صدرت ، حصرا ، ''للدفاع عن الشعب العراقي وأرضه ومقدساته'' ، وليس عن شعب آخر غيره ، ولا عن أرض غير الأرض العراقية ، ولا عن أي مقدسات توجد خارج الأراضي العراقية.

هذه الفتوى تم التعتيم عليها ، و لم يتم الترويج لها ، ولم تنتشر في الأوساط الشعبية. وربما قد يكون ذلك حدث بفعل ضغوطات سياسية داخلية وإقليمية. والسبب يكمن في فقرة "لا تزال نافذة لاستمرار موجبها" التي وردت في الفتوى. هذه الفقرة خطيرة جدا ، لأنها تمس مباشرة كينونة الحشد الشعبي.

تعبير أن فتوى الجهاد الكفائي " لا تزال نافذة لاستمرار موجبها" يعني ، لغويا ومنطقيا ، أن فتوى الجهاد الكفائي مؤقتة حّتم صدورها ظرف تاريخي محدد ، وأن المرجعية ستُلغيها وتوقف العمل بها إذا غاب موجبها ، وسيعود المتطوعون الذين لبوا نداء المرجعية والتحقوا بالقوات الأمنية ، إلى بيوتهم. 
أي أن المتطوعين الذين التحقوا بالقوات الأمنية تطبيقا لفتوى المرجعية لن يقولوا ، كما يقول قادة الحشد الشعبي : نحن باقون ونتمدد ، وسنعبر حدود العراق ، دفاعا عن الدولة الفلانية وهجوما ضد الدولة العلانية ، إنما سيقولون : لبينا نداء المرجعية و أدينا واجبنا ودافعنا عن وطننا العراق ودافعنا عن مقدساتنا الموجودة داخل بلدنا ، وانتهى الأمر. 
وهنا يكمن التناقض الخطير بين ما أراده المرجع السيستاني من فتوى الجهاد الكفائي ، وبين توظيف الفتوى من قبل جهات سياسية عراقية ، لتشكيل قوة عسكرية دائمية تكون رديفا للجيش الوطني وليس جزءا منه.

خطبة الوداع لم تذكر الحشد الشعبي

قبل أسبوعين من الآن ، أي في يوم الجمعة 30 حزيران 2017 القى ممثل المرجعية الدينية ، الشيخ عبد المهدي الكربلائي نفسه خطبة تحدث فيها عن المعركة ضد داعش بعد مرور ثلاث سنوات على صدور دعوة المرجعية عن الجهاد الكفائي. 
خطبة الشيخ الكربلائي لها أهمية قصوى ، فهي آخر خطبة للمرجعية قبل تحرير الموصل ، و أريد لها ، كما أفترض ، أن تكون بمثابة (خطبة الوداع) للمرحلة الداعشية وما رافقها ، واستقبال لمرحلة جديدة بأفاق جديدة. وربما بسبب ذلك تم اختيار مفردات الخطبة و صياغة جملها واختيار أسماء الجهات التي ذُكرت فيها ، بعناية بالغة وبدقة متناهية. و حرص الشيخ الكربلائي على إعادة التأكيد على بعض المقاطع وتكرارها ، حتى تكون الأمور واضحة أمام الجميع ، دون لبس و لا غموض.
في خطبته ذكر الشيخ مهدي الكربلائي جميع الجهات التي قاتلت داعش ، وعّددها واحدة واحدة بالأسماء ، وثّمن أدوارها.
الجهة الوحيدة التي تجاهلها تماما الشيخ الكربلائي ولم يذكرها ، لا تصريحا ولا تلميحا ، ولم يطر عليها هي الحشد الشعبي.
قال الكربلائي : ( صاحب الفضل الاول والأخير في هذه الملحمة الكبرى التي مضى عليها الى اليوم ثلاثة اعوام هم المقاتلون الشجعان بمختلف صنوفهم ومسمياتهم من قوات مكافحة الارهاب والشرطة الاتحادية وفرق الجيش العراقي البطل والقوة الجوية وطيران الجيش وفصائل المتطوعين الغيارى وأبناء العشائر العراقية الاصيلة ومن ورائهم عوائلهم وأسرهم ومن ساندهم في مواكب الدعم اللوجستي، انهم هم اصحاب هذه الملحمة العظيمة التي سطروها بدمائهم الزكية وتضحياتهم الكبيرة وهم الاحق من الاخرين أياً كانوا برفع راية النصر النهائي عند انجازه قريباً بإذن الله تعالى بتحرير بقية المناطق التي ما زالت تحت سيطرة عصابات داعش الاجرامية. أكرر انهم هم أصحاب هذه الملحمة العظيمة التي سطروها بدمائهم الزكية وتضحياتهم الكبيرة وهم الأحق من الآخرين أيا كانوا برفع راية النصر النهائي عند إنجازه قريبا بإذن الله تعالى بتحرير بقية المناطق التي ما زالت تحت سيطرة عصابات داعش الأجرامية.) انتهى.

وكما نقرأ ، فأن الجهة (الأولى والأخيرة) التي ثَمنت المرجعية دورها ، أي الجهة التي ما قبلها وما بعدها جهة آخرى هي : المقاتلون في الأجهزة الأمنية الحكومية : قوات مكافحة الإرهاب ، الشرطة الاتحادية ، القوة الجوية. 
ثم ، وبعد القوات الأمنية الحكومية ، ثمنت المرجعية دور القوى الأهلية ، فجاء تسلسلهم كالآتي : المتطوعون الذين لبوا نداء المرجعية للالتحاق بصفوف الجيش العراقي وليس بصفوف أي جهة سياسية أو أي مليشيا أو أي تنظيم شبه عسكري. ثم بعد ذلك ذكر الكربلائي أبناء العشائر.
لم يضف خطاب المرجعية صفة ( المقدس) لأي جهة. والجهة الوحيدة التي أضفت عليها خطبة المرجعية صفة القدسية أو الطهرانية هي ، الوطن العراقي (أرض العراق الطاهرة). ولم تستخدم المرجعية مصطلح (مقاومة إسلامية) ولم تطلقه على أية جهة. و حتى صفة (البطولة) لم تمنحها المرجعية إلا لجهة واحدة ، لا غير هي ، الجيش العراقي (البطل) ، باعتباره المؤسسة العسكرية الوطنية العراقية الوحيدة التي تضم كل العراقيين وتدافع عن كل العراقيين. 
أطرى ممثل المرجعية على (الشعب العراقي) ، كله دون تخصيص ، بما يحمله ( من مبادئ وقيم) و (أصالة) ، هكذا بالمطلق و بدون تحديد وتخصيص ، ، أيضا ، وبدون الإشارة لفترة تاريخية بعينها. 
المرجعية أكدت على أن الجهات التي وردت أسمائها في الخطبة ، هي (وحدها) (الأحق) من (الآخرين) ( أيا كانوا) برفع راية النصر النهائي.
تعبير (أيا كانوا) في غاية الأهمية ، ولهذا توقف عنده ممثل المرجعية و شدد عليه وكرره مرتين ، وقد تمت صياغته بعناية قصوى لأنه ، كما أرى ، هو لب وجوهر الخطبة ، ولحمتها وسداها.

تعبير (أيا كانوا) يعني أن أي جهة لم يرد أسمها على لسان ممثل المرجعية لا يجوز لها أن تقول أنها أحق بالنصر ، و إذا قالت هذه الجهات إنها أحق بالنصر ، فهذا من شأنها وحدها ، وليس من شأن المرجعية ، ولا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد ، سواء كانت هذه الجهات عراقية محلية ، أو دولية ، أو إقليمية حكومية ، أو إقليمية شعبية ، بما في ذلك الحشد الشعبي ، والأحزاب السياسية العراقية ، وبما في ذلك الولايات المتحدة وقوات التحالف ، و بما في ذلك فيلق القدس الإيراني وأفراده الذين قاتلوا في العراق بأشراف قائده الجنرال قاسم سليماني ، وبما في ذلك أعضاء حزب الله اللبناني الذين أرسلهم الحزب للقتال مع الحشد داخل العراق.

السؤال الجوهري والذي له علاقة بمستقبل العراق في مرحلة ما بعد داعش هو : لماذا لم يذكر ممثل المرجعية في خطبته أسم الحشد الشعبي ، بينما ذكر بالأسماء كل الجهات الآخرى التي قاتلت داعش وثمن مشاركاتها وأطرى عليها ؟ هل نسى ممثل المرجعية أسم الحشد الشعبي ؟ هل غاب عن باله ؟
يقينا لا. قطعا لا. أسم الحشد الشعبي لم يسقط سهوا في خطبة المرجعية ، مثلما لم يسقط سهوا في كلمة رئيس الوزراء السيد العبادي التي ألقاها في الموصل احتفالا بانتهاء معركة الموصل ، مثلما لم يسقط سهوا في كلمة زعيم التيار الصدري ، السيد مقتدى الصدر ، التي ألقاها بمناسبة انتهاء معركة الموصل.