الفقه الجّواهري وتكريس الاحتلال!!

فقه الجواهر مقتبس

لا إشكال بين أحد من المسلمين في أصل وجوب الجّهاد بعد الأمر به والحثّ الأكيد عليه كتاباً وسنّة، وهو كما ينصّ صاحب كتاب جواهر الكلام المتوفّى سنة: "1266هـ": إن لم يكن من الضّروريّات فلا ريب في كونه من القطعيّات، ولكن هناك صورة استثناها صاحب الجّواهر من الوجوب بل ذهب إلى حرمتها أيضاً وهي: صورة ما لو أراد الكفار ـ حسب تعبيره ـ تملّك بعض بلدان الإسلام أو جميعها في هذه الأزمنة من حيث السلطنة والحكومة، مع إبقاء المسلمين على إقامة شعار الإسلام وعدم تعرّضهم في أحكامهم بوجهٍ من الوجوه [وسوف يُسمح لهم أكيداً بمراسم الّلطم والمشي والتّطبير والزّيارات المليونيّة المتكرّرة أيضاً... إلخ]؛ ففي مثل هذه الحالة يشكل القول بوجوب جهادهم؛ ضرورة عدم جواز التّغرير بالنفس من دون إذنٍ شرعي، بل الظاهر ـ والكلام لا زال لصاحب الجّواهر ـ اندراج هذه الصّورة في النّواهي عن القتال في زمن الغيبة مع الكفّار في غير ما اُستثني؛ إذ هو في الحقيقة إعانة لدولة الباطل على مثلها [!!]». [جواهر الكلام: ج21، ص47].
#أقول: ومن هنا تعرف السّر الّذي يكمن وراء صمت وعدم إفتاء مشهور الفقهاء والمراجع المعاصرين بوجوب مقاتلة المحتل بالصياغة الحديثة والمتداولة للاحتلال؛ لأنّهم ينساقون مع الفقه الجّواهري الّذي يرى إنّ هذه الصّيغة من الاحتلال لا تمنع المسلمين والمؤمنين من إقامة شعائرهم كما لا تتعرّض لأحكامهم بحالٍ من الأحوال، بل تسمح لهم الاغراق فيها حتّى الأخير، #أمّا وجوب مقاتلة محتلّ كداعش وأضرابه فالأمر مختلف تمام الاختلاف؛ حيث إنّ الهدف المُعلن لهذه المجاميع ـ ولو في العراق حصراً ـ هو القضاء على من يخالفهم بالمعتقد والقناعات وأوّلهم الشّيعة، وبالتّالي فوجوب مقاتلة هؤلاء وأضرابهم لا يحتاج إلى إعمال نظر فقهيّ أصلاً؛ بل تطبيق كبرى وجوب الجّهاد الدّفاعي على هذه الصّغريّات بدهيّ. ولكن من حقّنا أن نتأمّل ونقول: ربّما يحقّ لفقيهٍ كصاحب الجّواهر أن يُفتي بهذه النتيجة لعدم شعوره بالوطنيّة وفلسفة الدّولة في تلك الأزمنة، لكنّ الاستمرار في التّفكير بنفس هذا الأفق وأدواته في ظلّ ترسّخ مفهوم الوطن عند عموم شعوب العالم المعاصر أمرٌ يعوزه الدّليل، ويبدو لي إنّ هناك مساعي حثيثة للاستمرار بتعاطي هذا الّلون من الفقه الجّواهري الّذي زرع ويزرع فينا الانهزاميّة والسّكون في أمثال هذه القطّاعات؛ وتحيّة لأبطال العراق الّذين أراقوا دماءهم في سبيل الدّفاع عن أرضه وحرماته وأعراضه ومقدّساته.

صفحة الكاتب على الفيسبوك