الاستعمار وسياسة تجنيد المثقفين

نفهم، أن بقايا الدول الاستعمارية، التي تحولت من شكل الاستعمار المباشر إلى أشكال استعمارية أخرى، تبقي والحالة هذه، جنودها في معسكراتهم، لكن الأشكال الجديدة تقوم بمحاولة تسييد ثقافة ونهج هذه الدولة الاستعمارية أو تلك. ومن جملة الأساليب التي تتبعها، أن تدفع لكتاب ومثقفين محليين من الدول المختلفة، أو الكتاب،الذين درسوا فيها لاستقطابهم أو الأدق قولا تجنيدهم لخدماتها.. الدول من بقايا الفهم الاستعماري لا تزال في حاجة إلى أقلام تكتب مادحةً لها، وإلى أبواقٍ تجمل سياساتها حتى تكون مفهومة ومعتنقة في هذه الدول. الظاهرة ليست جديدة بالطبع، فقد سبق وأن كُتب عنها منذ بدايات القرن الزمني الحالي، من خلال كتاب:”من يدفع للزمار .. الحرب الباردة الثقافية”، لـ فرانسيس ستونر سوندرز، فعلى مدى اكثر من عشرين عاما كانت وكالة المخابرات الأميركية، تنظم وتدير جبهة ثقافية عريضة في معركة ضارية، بدعوى حرية التعبير ، وبتعريفها للحرب الباردة، بأنها معركة من أجل “الاستيلاء على عقول البشر”.
فبعد ان سكت هدير المدافع وازيز الطائرات ودوي القصف، أخرجت الترسانة أثقالها الثقافية، الصحف والمجلات والإذاعات والمؤتمرات ومعارض الفن التشكيلي والمهرجانات الفنية والمنح والجوائز ..الخ ، وتكونت شبكة محكمة من البشر الذين يعملون بالتوازي مع الـ “CIA” لتمحو من الأذهان فكرة أن “أميركا صحراء ثقافية”، وتزرع فيها فكرة جديدة مؤداها ،أن العالم في حاجة إلى سلام أميركي وإلى عصر تنوير جديد، وأن ذلك كله سيكون اسمه “القرن الأميركي”. راديكاليون سابقون ومثقفون يساريون ممن تحطم إيمانهم بالماركسية والشيوعية، ومؤسسات وهمية وتمويل سري ضخم وحملة إقناع هائلة، في حرب دعاية ضارية تخطط لها وتديرها “منظمة الحرية الثقافية”، التي كانت بمثابة وزارة غير رسمية للثقافة الأميركية، أو لتكون “الزمار” الذي تدفع له CIA ثمن ما تطلبه من ألحان. فرنسا تحذو حذو حليفتها، فرنسا بالطبع ليست بعيدة عن هذه الظاهرة، بل حاولت وتحاول إعادة إنتاجها.
ما دعاني لكتابة هذه المقالة. مسألتان: الأولى، ما ذكره صديق لي مثقف وكاتب فلسطيني، عن صديقه الناقد الفلسطيني المشهور، (وهو مريض حاليا، شفاه الله). لقد حاز الناقد الفلسطيني على شهادة الدكتوراة، من أشهر جامعة فرنسية وهي “السوربون”، وفوجئ بعد إعطائه الشهادة بيومين باتصال هاتفي من وزارة الخارجية الفرنسية، ليتبين فيما بعد، أن من قابله، حاول تجنيده لصالح فرنسا من خلال القول “بأنه ومن خلال ما قدمت فرنسا له من خدمات، فعليه بالمقابل تقديم خدماته لها، مقابل مبلغ مالي كبير شهريا”. رفض الكاتب العرض، عاد إلى بيته، وفي صباح اليوم التالي قام بلملمة أغراضه وسافر بالقطار إلى بروكسل ومنها إلى عاصمة عربية، ولم يعد بعدها إلى فرنسا. حدث الناقد صديقنا المشترك عن قسم سري في وزارة الخارجية الفرنسية مختص بتجنيد المثقفين، ومن ضمنهم عرب، وعن قبول كثيرين بأن يكونوا في خدمة السياسات الفرنسية (التي هي سياسات أميركية استعمارية) في جوهرها من خلال ما يكتبوه.
الحادثة الثانية، مقالة قرأتها في جريدة لبنانية، بداية هذا الأسبوع ، لكاتب جزائري، يذكر فيها: أنه “بعد ست سنوات على احتفال فرنسا بالذكرى المئوية لاحتلالها للجزائر، كتب أبرز المثقفين الجزائريين حينها، فرحات عباس، مقالاً بعنوان “فرنسا هي أنا” في مجلة “الوفاق”، بتاريخ 27 شباط/فبراير 1936. يقول فيه:”…لن أموت من أجل الوطن الجزائري، لأن هذا الوطن لا وجود له، ولم أكتشف هذا الوطن… لقد بحثت في التاريخ، وسألت الأحياء والأموات، وزرت المقابر، فلم يُحدّثني أحد عن هذا الوطن”….ويستطرد الكاتب .. كانت كلمات عباس تعبيرا عن أفكار “النخبة المثقفة” المطالبة بالاندماج التام للجزائريين في الأمة الفرنسية، مُنطلقاً من موقع المُنظِّر للواقع الاستيطاني الفرنسي، وليس القابل بوجوده فحسب” (كتاب “في مهب المعركة – إرهاصات ثورة” ،ص 88-90 لمالك بن نبي”. يقول الكاتب في مقالته”عندما اعتمدت الثورة بعد انطلاقها،على أبناء الارياف انتصرت، فهؤلاء لم يُصِبهُم ما أصاب أبناء المدن من فيروسات “الثقافة الاستعمارية”، ولم يعرفوا فرنسا مونتسكيو، ولا جان جاك روسو، ،ولا فولتير، ولا مبادئ الثورة عن الحرية والإخاء والمساواة، إنما ترسخ في وعيهم ما انتقل إليهم من ذاكرة أجدادهم عن أسماء مجرمين، وقتلة مثل الكولونيل مونتانياك (الذي كان مُتحمِّساً لمشروع نقل الشعب الجزائري لجزر ماركيز) أو الجنرال شانغارنيي، أو الكولونيل فوريو وغيرهم كثير، ممن مارسوا كل أنواع الوحشية والتدمير ،وليس بفضل أداء “النخبة المثقفة”، انتصرت ثورة الجزائر.
بالتأكيد، فإن ما ربط بين الحادثتين ومقالتي هذه، أن مثقفين فلسطينين وعربًا ينظرون الآن لأهمية إيجاد تسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل، ويدعون إلى الواقعية والعلمية والعملية، وعدم الانشداد إلى “الفهم الخشبي” في المواقف، إنهم يدينون العمليات الاشتباكية مع العدو ،التي تنتهي باستشهاد المقاومين، على اعتبار”أن لا فائدة منها؟!”، تماما كما روّجوا لاتفاقيات أوسلو الكارثية، سيئة الصيت والسمعة، لكن اعتماد شعبنا ليس على هذه “النخب المثقفة”، التي جعلت هدفها ترويج “ثقافة الهزيمة والاستسلام”، وإنما على مقاومين بواسل، عرفوا ويعرفون حقيقة العدو الصهيوني، فتعاملوا، ويتعاملون، وسيظلون يتعاملون معه بالمقاومة المسلحة. اعتماد الشعب الفلسطيني يتم على مثقفين ثوريين، وما أكثرهم، يروجون لـ “ثقافة المقاومة” ويمارسونها، تماما كالشهيد غسان كنفاني، ناجي العلي، وائل زعيتر وكمال ناصر، وغيرهم كثيرون. ولعل كازانتزاكيس أبدع في إحدى رواياته، عندما دعا إلى أن يكون حتى الإنجيل، “إنجيل السلاح”، تماما كديننا الإسلامي الحنيف في دعوته إلى مقاومة أعداء الدين، تماما مثل كل الشرائع السماوية والإنسانية، تماما مثل قرارات الأمم المتحدة، التي تتيح للشعوب المحتلة أراضيها والمغتصبة إرادتها، مقاومة المستعمرين بالسلاح. مثلما تحررت الجزائر رغم استعمارها الطويل، ستتحرر فلسطين، شاء بعض المثقفين المجندين لأميركا، لفرنسا أو لبريطانيا أو للعدو الصهيوني، أم أبوا.

نشرة كنعان