يحمل ذهب وياكل عاكَول

صرخ الكثير من العراقيين بعد سقوط البعث  بتحقيق حلم الدولة الإسلامية، وكانت أحلامهم تصل إلى الطبقات العليا من السماء . لكن ليس كل مايتمنّى المرء يدركه . واتضح فيما بعد إن ذلك الإدراك نابع من فقاعة كبيرة، سرعان ما تبددت في الهواء كما لو أن اضطرابات القولون ضغطت على مخيالنا بقوة ! .

 لقد سرق الإسلاميون (نجومنا السابقون) ما يكفي لبناء الشرق الأوسط ، وبلغت ثرواتهم أرقاماً نجهل حسابها نحن الفقراء ، وتركوا ورائهم فجائعَ من الصعب نسيانها ، وكل ماعلينا أن نضع هذه الفجائع نٌصبَ أعيننا لنطالب بحياة حرّة كريمة في ظل دولة القانون والعدالة والحرية.

 ربما كانت هذه الفترة الموجعة كافية لكي يأخذ العراقيون العبرة ويبحثوا عن الحياة بدلاً من أحلامهم المتواصلة بالشهادة. مازال البحث عن لغز الحرية والديمقراطية والدولة الوطنية لغزاً "فضائياً" في منطقتنا، إذ لم نجد الساحر حتّى هذه اللحظة الذي يضرب العصا ليبدد هذا الضباب الكثيف.

 في الديمقراطيات العريقة يوجد كيان اسمه مواطن وكيان اسمه دولة، هذه الأخيرة تمنحه أمن وخدمات والمواطن يدفع لها الضرائب. في منطقتنا العربية تبدو هذه المعادلة لغزاً فضائياً؛ فالدولة تقوم بعملية تأميم شاملة ولا تقتصر على المؤسسات الإنتاجية، بل على عقل ووجدان الأفراد !، فيغدو هؤلاء ضمن هذه المعادلة رعايا ينتظرون هِبات الملك السخية.

 تحت ظل هذه الأنظمة البوليسية يتحول الفرد إلى مٌتّهم ضمن مشهد افتراضي ؛ فلا يجوز أن يحافظ الفرد على نقائه مالم تلوثه السلطة البوليسية لكي يكون كلبها الأمين . لابد أن يشعر بقلق وارتياب على لقمة عيشه ويرضى بالقليل، كما نشاهده هذه الأيام من خوف الموظفين على معاشاتهم ورضاهم بالإجراءات التقشّفيّة  لكي يساعدوا الدولة في سداد قروضها الخارجية ! .

 إنها عمليات ضبط دقيقة جداً تَخضِع إلى نظام السلطة مرسومة بعناية، وبدوافع عبودية غريبة نشجّع هذه الروح الاستبدادية بشكل واضح. سينسى العراقيون كل شيء بعد رجوع بعض مخصصاتهم المعاشية، وتذهب المليارات المسروقة في خانة النسيان.

تدوين العبارات أسهل بكثير من الفعل الاجتماعي الراسخ والنابع من الرغبة المتأصلة بالتغيير . لقد كنّا شركاء حقيقين في تدعيم هذا الفساد، ولا يمكن لأي قوة إزاحة هذا الغول الفاسد مالم تتضافر كل القوى الاجتماعية على التغيير، وماعدا ذلك ستأكل الشعارات أصحابها في نهاية المطاف .

  لن يتغير شيء فيما لو تغيرت هذه الحكومة، ذلك أن الإشكالية الأكبر لا تكمن في هذا الكشكول الحكومي فحسب ، وإنما تمتد جذورها إلى انعدام وضياع شكل الدولة وغياب الوعي السياسي، واختفاء الطبقة الوسطى، وانهيار عملية التعليم، والاعتماد الكليّ على اقتصاد ريعي لايصمد أمام الأزمات .

 وعلى منظمات المجتمع المدني أن تبذل جهداً استثنائياً عبر فتح دورات وعقد مؤتمرات، والمساهمة في تعميق وعي المواطن كفاعل اجتماعي مهم . ومع حسن النوايا لدينا عقدين من الزمن للعمل بجدية وإخلاص لتكتسب منظمات المجتمع المدني مهنية عالية وقدرات أكبر للمساهمة بالتغير، وبخلاف ذلك ستنحصر شعاراتنا  إلى خطابات فيسبوكية  وسباقات محمومة للفوز بنجومية رخيصة، ستؤدي في نهاية المطاف إلى كفر المواطن بأي عملية تغيير ممكنة.

بغداد اليوم