بديهيات فاسدة 1: الشيعة راضون لأنهم يلطمون والسنة رافضون لأنهم يريدون الحكم كاملا

 الخرافة التي تقول (الشيعة العراقيون راضون عن نظام الحكم طالما سمح لهم باللطم والتطبير وممارسة شعائرهم الدينية، والعرب السُّنة لن يرضوا إلا باستعادة الحكم كاملا)! أعتقد أن الوضع العراقي تجاوز هذه المعادلة الساذجة والمملة والتي ربما كانت تصح نسبيا ومن ناحية رصديات علم النفس الاجتماعي لا من ناحية التحليل "السياجتماعي" في السنوات الثلاث أو الأربع الأولى من عهد الاحتلال وحكوماته المحلية. أما اليوم فقد تغير الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي تماما، وهناك اصطفاف اجتماعي ومشهد تراتبي سياسي وأمني جديد تماما. فالشيعة أصبحوا فئتين: فئة الأقلية الحاكمة المحمية من قبل الولايات المتحدة وإيران، تساندها نخبة واسعة من بيروقراطية الدولة العميقة وجيش المدراء والمدراء العامين وكبار الضباط، والمتعيشين من فتات الاقتصاد الريعي في أسفل السلم الاجتماعي ومحدثي النعمة من مقاولين ومختلسي المال العام، وزعماء وكوادر الفصائل المؤدلَجة المسلحة، وفي المقابل هناك غالبية مليونية شيعية تعاني الأمرين من هذا الحكم وكوارثه وتدفع ثمن حماقاته من دماء أبنائها وأرواحهم. بمعنى، إننا نقترب من تشكل سلطة شبيهة بالحكم الأوليغارشي، ولكن من النوع المعقد، بسبب تعقيدات حكم المحاصصة القائم على مبدأ (كلنا نحكم لنغنم وكلنا نعارض الحكم حين نختلف على توزيع الحصص والغنائم). وهذا ليس حكما كومبرادوريا كما يعتقد البعض. إن حكم الكومبرادور يشترط تحالفا بين حكم محلي ورأسمال أجنبي، ولا وجود لتحالف من هذا النوع، بل هناك حماية من دول أجنبية في مقدمتها الولايات المتحدة وإيران، لنظام أقلوي انتخابي في دولة ريعية ليس فيها أي عملية انتاجية غير استخراج وتصدير النفط. والدول الأجنبية المهيمنة على العراق اليوم لا تضخ أي رأسمال أجنبي على شكل استثمارات ضخمة أو ما شابه ذلك في الاقتصاد العراقي، بل هي تشفط نسبة كبيرة من الرأسمال الريعي النفطي وتترك جزءا منه للبيروقراطية التي تدير الحكم وللشبكة الزبائنية الواسعة التي تصفق له في الشارع! هل قلتُ حكما أوليغارشيا؟ عذرا، إنه ليس أوليغارشيا تماما، بل شبيه به شكلا إلى درجة ما، لأن حكم الأقلية الأوليغارشية يفترض منذ عهد أفلاطون أن يكون مصنوعا من قبل الأقلية الحاكمة نفسها، أما في حالة العراق فالحكم مصنوع ومعلب "ديليفري" من قبل غزاة أجانب، وليس من قبل الأقلية الحاكمة نفسها وهذا فرق تأسيسي كبير بين الحالتين.
أما من يطلق عليهم "العرب السنة"، أو بالقاموس الوطني، سكان العراق في الشمال والمناطق الغربية فقد قادتهم نخبتهم السياسية داخل وخارج العملية السياسية، وخصوصا بقايا حزب البعث وحركة الإخوان المسلمين ومشتقاتهما إلى كارثتين كبيرتين: الأولى في سنة 2005 حين دفعوا إلى إنقاذ دستور المحاصصة وعوَّموه وشاركوا في الحكم ثم انقلبوا عليه وراهنوا على القاعدة، والكارثة الثانية حين راهنت هذه النخبة على داعش فحوَّلت مناطقها الى خراب شامل ومخيمات نازحين. وهذا ثمن باهض لن يتمكن العراقيون في هذه المناطق من استيعابه والتخلص من مفاعيله السلبية في أمد قريب إلا إذا تخلوا عن الحلول الطائفية الهادفة الى تكبير حصة الطائفة في حكم المحاصصة وتبنوا البديل الوطني الديموقراطي المطالب بحصة الشعب العراقي في الوطن العلماني كاملة غير منقوصة. هذا الاحتمال سيكون صعب التحقق خصوصا في ظل غياب بديل ديموقراطي وطني عراقي له وزنه في المجتمع العراقي ككل في الوقت الحاضر علما أن حاجة المناطق الجنوبية إليه لا تقل عن حاجة هذه المناطق بل ربما تكون مضاعفة لوجود جماهير المناطق الجنوبية في مرمى الفصائل المسلحة وتحت تضليل عمائم التحريض الديني الطائفي مباشرة وعن قرب وكثب. 
*البديهيات الفاسدة هي تلك الخرافات والأكاذيب والأضاليل التي تكتسب بفعل تكرارها الكثيف في وسائل الإعلام والثقافة الشعبية الشفاهية والمكتوبة قوة البديهية وماهي كذلك. ففي عصر ما كانت الأرض مسطحة ومبسوطة وثابتة ثم اكتشفنا أنها كروية وتدور. 
هويمش: لا أحب استعمال المصطلحات الايديولوجية "المجعمرة"، ولكني اضطررت اليوم لاستعمال هذين المصطلحين (الكومبرادور والأوليغارشية) بهدف تبيان قصورهما وعدم ملائمتهما التامة للحالة الاجتماسية العراقية ولأن هناك "إلحاحا بالزلاطة" عليهما هذه الأيام من قبل بعض (الخائطين بصف الاستكان) العراقي!