بديهيات فاسدة 2: خرافة (يطبهم طوب: لأنهم انتخبوا الفاسدين!)

خلاصة هذه الخرافة تقول إنَّ (الشعب العراقي يستحق ويستأهل ما يعانيه بسبب فساد نظام الحكم القائم لأنه هو من انتخب هؤلاء الفاسدين). إن أصحاب هذه الخرافة يخلطون عمدا أو جهلا بين عدة أمور وصفات لا علاقة بينها ومنها: الخلط بين النظام الانتخابي والنظام الديموقراطي، فليس كل نظام انتخابي هو نظام ديموقراطي فالأنظمة الشمولية الاستبدادية تأخذ أيضا بالانتخابات الشكلية فتنافس نفسها بنفسها على طريقة "عرس عبادة له ولأولاده"، وهناك أنظمة شمولية "تبحبح" الصندوق قليلا، فتسمح بوجود بعض المتنافسين المستقلين ولكن بعد أن يتم إمرارهم في فلتر النظام ومؤسساته مؤسسة "تشخيص مصلحة النظام" في إيران مثلا. وهناك أنظمة تسمح بانتخابات تعددية ولكن على أسس دستورية طائفية وقانون انتخابات مفصل على قياس أحزابها الكبيرة والمتنفذة والناهبة للمال العام، وتشرف عليها مؤسسة قائمة على أساس المحاصصة بين تلك الأحزاب نفسها "مفوضية الانتخابات " في العراق مثلا. 
حتى في أعرق البلدان الديموقراطية كفرنسا وبريطانيا فالمعروف أن هذه التجارب وصلت الى طريق مسدود، وهي تتجه لتكون أنظمة أقلوية انتخابا وإدارة بسبب انخفاض نسب المشاركة في الانتخابات والتي بالكاد تتجاوز نسبة النصف ممن يحق لهم التصويت في بعض الحالات وهؤلاء الذين يحق لهم التصويت والمسجلين هم بين ثلث إلى نصف المجتمع فنصل الى نتيجة أن من انتخبوا هذا الحزب أو ذاك لا يمثلون أكثر من 15 إلى 20% من السكان وهذه المعادلات التقريبية لا ينكرها أي باحث رصين في "الاجتماسيات" وقد قدر باحث فرنسي قبل فترة أن الذين انتخبوا الرئيس الجديد ماكرون لا تتجاوز نسبتهم المجتمعية 13% من الفرنسيين، فهل سيقول قائل عن الفرنسيين : يطبهم طوب لأنهم انتخبوا رئيسا يمينيا فارغا من أي برنامج أو خطة! 
أما إذا جئنا الى التجربة الانتخابية العراقية التي يطبقون فيها طريقة حساب "سانت ليغو المعدلة" فإننا نجد العجب العجاب. إذ يعترف أحد إعلاميي وقانونيي النظام وهو المحامي طارق حرب بأن سبعة عشر نائبا فقط من مجموع 225 نائبا انتخبوا بأصوات حقيقية نالوها هم في انتخابات سنة 2010، أما 208 نواب فقد فازوا بأصوات مضافة لهم من رصيد مكوناتهم وأحزابهم. رابط المقالة في خانة أول تعليق. 
ثم، لو أخذنا بنظر الاعتبار، التأثير الهائل للتحريض والابتزاز الذي يقوم به الإعلام الطائفي والعرقي والديني، وواقع الاستقطاب السياطائفي والتداعيات النفسية لجرائم التكفيريين الدواعش وغيرهم، وكميات المال السياسي السحت الذي ينفق من قبل الأحزاب الكبيرة، والهيمنة المطلقة على آليات الانتخابات في العراق واحتمالات التزوير الواسعة، واستثمار أصوات عناصر القوات الأمنية، إذا أخذنا كل هذه العوامل والظروف بنظر الاعتبار ما الذي يتبقى من "ديموقراطية الطوائف" وهل يمكن لأي منصف وفهيم ان يتهم ويشتم مجتمعا بكامله لأنه انتخب الفاسدين؟ وفروا للشعب شروط وآليات وقانون انتخابات ديموقراطية نزيهة ومفوضية انتخابات مستقلة أعضاؤها وقادتها من غير الحزبيين وامنعوا التمويل السياسي الخاص والسري وبعدها اشتموا من ينتخب الفاسدين كما يحلو لكم!
*لم أتوقف عند حماقات الجماعة الذين يسمون أنفسهم "مدنيين" وكيف وضعوا على رأس قائمتهم الانتخابية شخصين ، الأول انتهازي سمج و "سرسري" باعتراف حتى جماعته، والثاني متصهين وصديق علني لإسرائيل و زائر مواظب لتل أبيب، ودور هذه الجماعة في تنفير الناس من أي بديل وطني وديموقراطي، فهذا الموضوع آخر يستأهل وقفة خاصة به.
*لغير العراقيين: يطبهم طوب = يقصفهم مدفع.