حول زيارة الصدر إلى السعودية "1" و "2"

أسوأ ما في الوضع السياسي العراقي هو اضطرارنا الى ملاحقة الأخبار والتحركات التي يصنعها وجوه الطبقة السياسية فقال عمار الحكيم وحكى مقتدى الصدر وصرح المالكي وأجاب العبادي وهكذا نحن في واقع الحال ندور في الدائرة التي يرسمها هؤلاء دون بوادر في الأفق للخروج من هذا الإطار الذي وضعت أميركا فيه العراق وعينت اللاعبين وحددت اللعبة ووضعت قوانينها وما علينا الا الإنتظار فلا المتفرج الذي هو نحن بقادر على تغيير هذه الوظيفة اليومية لكل عراقي ولا حتى اللاعبون أنفسهم مهما زعموا وأدعوا أو تظاهروا بأنهم يمتلكون إراداتهم وهذه الحقيقة لا تنطبق على أحد دون آخر بل الجميع ما رضوا أن يدخلوا القفص الذهبي المسمى بالعملية السياسية . 
الزيارة الجارية لمقتدى الصدر قد تكون مفاجئة من طرفها السعودي خاصة وأن الداعي لم يمض عليه كثير من الوقت حين أطلق تصريحا شهيرا بأنه لا يمكنه التفاهم مع إيران التي تريد تحضير العالم الإسلامي لظهور المهدي ( وللمهدي مكانة خاصة في التعبئة السياسية للتيار الصدري ) كناية عن الاستحالة في إيجاد أرضية للتفاهم بين النظامين مع أن الخلاف في واقعه ليس عقائديا ولا مذهبيا بل هذا هو السلاح الرخيص والسهل والجذاب في حشد الأنصار والمؤيدين وقد تلاعبت السعودية في أكثر من مناسبة وموقف بالأقنعة التي ترتديها حيث رفعت الإسلام في وجه جمال عبد الناصر والعروبة لصد تاثير ثورة الخميني ثم ركبت موجة الشحن الطائفي العنيف لتحصين أوضاعها الداخلية وحفظ مكانتها في العالم الإسلامي عندما إستعادت إيران عافيتها وعادت الى تأكيد نفسها كقوة عظمى في المنطقة بعد أن أردى خصمها صدام بلاده بيديه وساقه الى الدمار والانقسام والضعف ومنذ شهر قام صقور المؤسسة الدينية السعودية بتجديد الموقف التكفيري الصارم من الشيعة عندما صرح أحد رجال الدين السعوديين بعدم كفر الشيعة هذا الموقف لا يمنع السعودية من الانقلاب على نفسها عندما تجد مصلحتها في هذا التغير ولن يكون صعبا عليها أن تجد التخريج المناسب خاصة وأن الذاكرة الجمعية سريعة النسيان فيصير هناك صنفان من الشيعة أحدهما عربي والآخر خميني بحسب تصريح الوزير السعودي السبهان وهو السفير السابق في العراق وهذا هو الوجه الظاهر لهذه الزيارة محاولة السعودية اللعب على حبال الخلاف بين شيعة عرب وآخرين من إيران والأمر على أية حال ليس بهذه البساطة فلا أحد يمكنه تقسيم الشيعة بحسب مزاجه عقائديا أو مناطقيا والأمور متداخلة جدا وشديدة التعقيد خاصة وأن المنطقة تعيش في مرحلة الإسلام السياسي بعد إنهيار المنظومات السياسية السابقة وهذا الكلام تدركه وتعرفه السعودية بخبرتها التاريخية وإن شاءت أن تغطي تراجعها بمثل هذه الحجة ولا بأس في ذلك . 
مقتدى الصدر هو الآخر في مواقفه وآرائه خاصة في العامين المنصرمين حاول أن يضع مسافة بينه وبين الموقف الرسمي الإيراني وتحت عباءته هتف المتظاهرون في بغداد ضد إيران إنما في تيار تنعدم فيه كليا الآليات الداخلية المستقلة عن إرادة القائد وتفكيره وعلاقاته وقراره الذي قد يكون مفاجئا حتى لأقرب الناس اليه فإنه لا يمكن الجزم بأن ما يقوم به الصدر تمرد على الإرادة الإيرانية التي تدير الوضع العراقي ضمن خيمة الاحتلال الأميركي في العراق وعندما بدا أن أميركا جادة في غزو العراق وإحتلاله فإن إيران حشدت كل أنصارها في تلك العملية وحققت أهدافها في العراق حيث صارت المتحكم الرئيسي فيه مع مراعاة المصالح الاستراتيجية لأميركا والأمر نفسه قد لا يكون بعيدا عن تحركات الصدر وعلاقاته والتي قد يلحق بها عمار الحكيم وهناك حالة من المبالغة وخاصة في الإعلام السعودي لجهة وصف هذه التوجهات بأنها حالة من التمرد فترضي بذلك جمهورها على الأقل أو تبرر له هذه الاتصالات والعلاقات مع جهة تعتبر مارقة وضالة بل وكافرة في التعبئة السياسية والدينية السعودية .
العصبية الحزبية في العراق تمنع كل الأطراف المؤيدة لهذا أو ذاك والمتعارضة فيما بينها من رؤية الأمور كما هي دون الانحياز لهذه العصبية واشتراطاتها فما يفعله هذا الطرف غير مقبول ليس لأن خطوته تستحق النقد بل لأن صاحبها مرفوض والامر نفسه عن الطرف المقابل ومن يرفضون خطوة الصدر ويبنون عليها الكثير من الإشكالات والملاحظات ولكن ماذا لو قام رمز هذا الطرف بخطوة مماثلة ولا أعتقد أن طرفا في العملية السياسية بدون إستثناء يرفض الاستجابة لمثل هذه الدعوة باستثناء طرف محدد هو الجماعة التي تعلن الولاء العقائدي لمرشد الثورة في إيران كبدر والعصائب وحتى هذه الأطراف قد لا تتردد في الذهاب الى السعودية حين توجه اليها الدعوة وتحصل على الضوء الأخضر من مرجعيتها . 
حرص محمد بن سلمان على استقبال مقتدى الصدر بطريقة تقبل التأويل فهي إما أنه يراه أقل من مستواه المفترض كزعيم لتيار عراقي له وزنه وحضوره أو أنه قد أنزله منزلة الصديق الحميم وتعامل معه كما يتعامل مع نظرائه الخليجيين حيث أستقبله خارج مكتبه الرسمي وبدون العباءة ولكل شكل من هذه العلاقة تداعياته المنتظرة ولا يمكن معرفة أبعادها قبل أن يمر وقت ما وهذه التداعيات ستكون في الوضع العراقي في المقام الأول . 
يقول بعضنا أن الزيارة للسعودية هي تصحيح للمسار في العراق وإعادة العراق الى محيطه العربي وفي الأمر خطأ في التصنيف فالسعودية ليست صاحبة مشروع عربي بل ساهمت وتساهم اليوم على الأقل في تدمير ستة بلدان عربية هي العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن ولبنان وحتى فلسطين والدور السعودي هو الدول المكمل أو الوظيفي للتحالف الغربي الصهيوني في المنطقة الا عند من ألقت الضغائن الطائفية غشاوة ثقيلة على عيونهم . 
لا ليس الأمر إعادة للعراق الى محيطه العربي وعلى الأقل فإن العراق ليس صاحب هذا التوجه المنحرف رغم الاحتلال وتحوله الى أسر المخططات الاستراتيجية الأميركية ولكن التقصير عربي في المقام الأول وقد غلبت الآحاد المذهبية على العشرات والمئات القومية فكان أن خسر العرب العراق ثم بدأوا يلطمون عليه . 
من يحتاج من اليوم .. حتى لو إحتاج العراق للسعودية على الأقل في تأمين وضعه الداخلي وقطع دابر الفتنة التي تساهم السعودية بقسط كبير في إشعالها فإن اللحظة التاريخية الراهنة تجعل السعودية أكثر حاجة للعراق فهي غارقة حتى أذنيها في ورطة كبيرة في اليمن وتواجة مشاكل داخلية معقدة ومستعرة وقد لحق الفشل بمشروعها في سوريا رغم ما أحدثته من خراب ودمار في هذا البلد العربي ولحقت هزيمة ماحقة بداعش في العراق وقد برزت قطر مؤخرا في خاصرتها ومع أن الإحاطة بكل هذه الأمور غير ممكنة في هذا الحيز الضيق ولكن على الأقل فإن الدعوة الأخيرة لقطر بتدويل الأماكن المقدسة في مملكة آل سعود وكانت هذه الدعوة قد جرت على لسان إيران أكثر من مرة تشكل تهديدا خطيرا لوضع المملكة ولدورها في العالم الإسلامي وهي رغم التنافخ الإعلامي والدعائي في موقف ضعيف جدا ولا تجد أمامها غير طريقين إما إستسلام مشرف لها يعترف بالهزيمة أو مغامرة كبرى في أي إتجاه كان لمعالجة هذا المأزق الذي تجد نفسها فيه ومن نافل القول بأن الصراعات الداخلية في الأسرة الحاكمة أكبر من أن ينظر اليها على أساس إزاحة أشخاص عن كراسي السلطة فهذا الأمر لم يحسم بعد وإن تولى محمد بن سلمان مقادير الحكم في مملكة آل سعود سواء بوفاة أبيه أو تنازله عن العرش لأسباب صحية وهو إحتمال قائم في كل يوم .
قبل زيارة الصدر كانت زيارة العبادي ووزير خارجيته الجعفري وتلك كانت خفة سياسية في غير محلها أو وقتها الا إذا كانت هناك أمور خارج مدى الرؤية وأشك في ذلك فلم يتغير شيء في نهج مملكة آل سعود والتغيير ليس في إستقبال الوفود أو توسيع حصة العراق من الحجيج أو الإدلاء بتصريحات دبلوماسية عابرة وغامضة لا تقدم أو تؤخر وغير ذلك من الجوانب السطحية التغيير الحقيقي هو وقف حملات التحريض السعودية التي تغذيها قنوات لا تعد أو تحصى ضد الشيعة وتكفيرهم والتحريض عليهم ووقف محاولات مملكة آل سعود شق العراقيين وإضعاف العراق والنظر اليهم بعين واحدة دون تمييز والرغبة الجادة في إقامة علاقات أخوة وحسن جوار هل ستحقق زيارة الصدر شيئا من هذا ولو في حده الأدنى أشك في ذلك فخطوة العبادي لم تحقق شيئا يذكر ولنذكر هنا بأن السعودية ضالعة بشكل مباشرة وعلنا في دعم الخطوات التقسيمية التي يقودها مسعود البارزاني في شمال العراق ولنذكر هنا أيضا عسى أن تنفع الذكرى بأن السعودية تعاملت مع المسؤولين العراقيين قاطبة بما في ذلك الرئيسين الكرديين جلال الطالباني وفؤاد معصوم دون مستواهم وميزت عنهم مسعود البارزاني الذي تعاملت معه كرئيس دولة .
ليس في الزيارة ما يعيب فمقتدى الصدر زعيم سياسي تدعوه دولة فيلبي دعوتها ولا يجب أن ينظر الى الأمور بمنظار العلاقة مع إيران أو النظرة اليها بحيث صار الكثيرون يشجعون خطوة سياسية نكاية بإيران أو ينتقدونها في خطوة إستباقية خشية الا ترضى عنها إيران وفي واقع الحال وطبيعة العلاقة بين ما بين مكونات الطبقة السياسية الشيعية وإيران من يستطيع أن يجزم بأن هذه الخطوة ضد إيران أو أنها لم تتم بالتنسيق معها أصلا كما أنه لا يمكن الحكم على تحرك سياسي بالقول بأن إيران فعلت كذا وقامت بكيت وعلى سبيل المثال مصافحة وزيري خارجية السعودية وإيران على هامش إجتماعات مجلس التعاون الإسلامي في إسطنبول فإيران تبقى في النهاية دولة لها قوتها وهيبتها ونفوذها ولا تقاس حركة الأفراد أو الجماعات بها وما نحتاجه حقا هو النظر الى هذه وغيرها بمنظار المصلحة الوطنية العراقية وماذا ستحقق خطوة الصدر في تلبية الدعوة السعودية من نتائج للعراق وبدون هذه النتائج فإن هذه الزيارة في حدها الأدنى تخدم النهج السعودي التخريبي السائد في المنطقة وتعطيه دفعة يحتاجها في هذا الوقت الحرج جدا بالنسبة للسياسة السعودية 
وللكلام تتمة ..