عن "الديمقراطية "العراقية

تنشأ الديمقراطيات نتيجة لمخاض عسير وتضحيات جسيمة ، فهي لا تأتي من فوق بالتأكيد، ولا تنتهي بصندوق الانتخابات. هكذا يخبرنا التاريخ الأوربي الحافل بالحروب الدينية التي راح ضحيتها ملايين البشر، وجعلت من أوروبا مَسْلَخَاً بشرياً بامتياز كان أبطالها الكاثوليك والبروتستانت.

وكانت نقطة الارتكاز الرئيسية هي ذبح الإنسان لأخيه الإنسان باسم المقدس. حتى المعاهدات التي حدّت من العنف الديني من خلال الاعتراف بحدود الدولة القومية وعدم التدخّل بالشؤون الداخلية لم تعزّز الديمقراطية تماماً، ذلك إن الشؤون الداخلية تعني أن الداخل ملك لنا نفعل به ما نشاء طبقاً لحدودنا القومية.

ومنذ انفجار الثورة الفرنسية وما تلاها من بنود مهمّة تضمنت حقوق الإنسان وإرساء قيم العدالة والمواطنة بدأت ملامح الديمقراطية تظهر في النظم السياسية الغربية. تزامنت الحرية والديمقراطية بشكل أكثر وضوح عند ظهور الثورة الصناعية في بريطانيا وكانت الماكينة البخارية هي العمل الحاسم في الديمقراطية من جهة والاستعمار من جهة أخرى الذي عزز من ثروات المستعمر وهيمنته المطلقة على البلدان الفقيرة.

لكنها وعلى أي حال كانت تحمل البشائر الأولى للديمقراطية الغربية القائمة على العدالة السياسية لا العدالة الاجتماعية.

إن ظهور الثورة المزدوجة في فرنسا السياسية وبريطانيا الصناعية، مهدتا السبيل للديمقراطية والحرية بالتدريج طبقاً     لمصالح الطبقات المهيمنة التي تستدعي تعميق الحرية والديمقراطية، وكان نصرها الاقتصادي المتواصل الذي لم يعرف له مثيل في تاريخ أوربا لا بل في تاريخ الحضارات التي لم تشهد هذه الوثبة العملاقة تماماً، الأمر الذي مكّنها من تعزيز الديمقراطية بشكل أكبر.

خلاصة القول، إنها رحلة مخاض عسيرة ومؤلمة  يمكننا أن نستخلص منها بعض العِبَر التاريخية: الديمقراطية مرهونة بمقدمات طويلة وعسيرة ولا يمكنها أن تستقر كثقافة شائعة، مالم تتعرّض لذلك المخاض المؤلم والتراكم المستمر، لكي يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج مرتبطة بتلك المقدمات.

 بخلاف ذلك فهي لا تختلف عن إلقاء قصيدة شعرية لتحفيز الذوق الجمالي!، أو أداة استيلاء جديدة بشكل تعبيري ملطّف هذه المرّة؛ فبدلاً من الانقلاب ورعب العسكر، ستكون الديمقراطية صمّام الأمان للدكتاتور الجديد.

لايمكن نشوء ديمقراطية حقيقية في مجتمع يجردها من مضامينها الأخرى التي تترافق معها، مثل الحريات العامّة وحقوق الأقليات. بمعنى آخر، الديمقراطية الاي تراعي العدالة الاجتماعية وحقوق المواطنة، لا ديمقراطية الطائفيين التي تكون فيها الأغلبية الطائفية فرس الرهان، ومن ثمّ تتحول هذه الديمقراطية المزعومة إلى استبداد الأغلبية الطائفية، وندخل في مرحلة ديكتاتورية جديدة ولكن هذه المرّة بشكلٍ تعبيريٍ مُلَطّف .

الديمقراطية ليست سلعة ذات قيمة تبادلية ! يمكن مقاضاتها بقيمة أخرى مساوية لها ، فهي أبعد من أنْ تكون سلعة مٌعَدّة للاستهلاك البشري لا تختلف عن أي نشاط تجاري آخر؛ إنها حركة تحوّل داخلية تشترط نخبة واعية تؤسس للديمقراطية، والنظر لها كقيمة عليا تعلو على كل القيم الأخرى، وبتعبير آخر، إنها الهوية الكبرى العابرة لكل الهويات الفرعية الأخرى .

إن أي نظام ديمقراطي يتم استيراده من الخارج يراد منه مغازلة الأغلبية هو نظام استبدادي شكلاً ومضموناً، ويغدو فريسة سهلة بيد الأحزاب التي لا هم لها سوى السلب والنهب، وهذا مانراه الآن في العراق . مالم تكن هناك نخبة ديمقراطية تتعالى عن الصغائر وتضع بناء الدولة نصب أعينها، فسيكون شبح السلطة بمنزلة حبل المشنقة التي يلفها الحزبيون على رقابهم. بناة الدولة عمرهم طويل، وطلّاب السلطة يموتون كَمَدَاً. بغداد اليوم