العراق والكويت: قصة حب ملتبسة!

الانفراج الكبير في العلاقات الرسمية بين العراق والكويت بلغ ذروته قبل أيام قليلة مع توقف حكومة الإمارة الخليجية عن إبداء ممانعتها لإخراج العراق من الوصاية الدولية عليه بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. غير أنّ هذا الانفراج الرسمي الذي توّج بزيارة رئيس الوزراء الكويتي إلى بغداد، رافقه، للمرة الأولى، انفراج صغير ورمزي لكنه كبير الدلالة على المستوى الشعبي، وتمثل في دعوة الاتحاد الكويتي لكرة القدم نظيره العراقي لخوض جميع مبارياته الرسمية والودية على أرض الكويت، بعدما اعتذرت دولة الإمارات عن عدم تلبية طلب عراقي بهذا الخصوص. وكانت قطر هي الدولة التي اختيرت رسمياً بلداً تخوض فيه الفرق العراقية مبارياتها بعد فرض الحصار على العراق. ورغم أنّ بعض الأوساط التي يغيظها أي تقارب عراقي كويتي سارعت إلى التشكيك في وجود العرض الكويتي، لكن مصادر عديدة أكدته، وقالت إنه ورد في رسالة شخصية من رئيس الاتحاد الكويتي الشيخ طلال الفهد الصباح إلى نظيره العراقي ناجح حمودي، نشرت على موقع الاتحاد الكويتي. إنّ قصة العلاقات العراقية الكويتية الرسمية والشعبية مختلفة تماماً عن قصة أية علاقات بين العراق وأي بلد عربي آخر، مثلما هي مختلفة عن قصة أية علاقات بين الكويت ودول عربية أخرى. غير أنّ هذا الاختلاف في نوعية العلاقات ينطوي أيضاً على الغنى والحيوية والتفاعل مثلما ينطوي على الغموض والالتباس والتشنج. فالكويت هي أشبه وأقرب دولة في منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى العراق ثقافياً ونفسياً وتاريخياً. صحيح أنّ دولة الكويت كرّست نفسها ككيان خليجي يتكامل مع الدول الأخرى، لكنها تختلف عن شقيقاتها الخليجيات في كونها دولة ذات عمق حضاري وثقافي ومنجز مدني معروف وتجربة انتخابية ناضجة وغنية فاق عمرها النصف قرن. أي إنها لا تتكئ وتفاخر كغيرها بناطحات السحاب والأبراج الشاهقة وسباقات الخيول، فيما يجهل معظم مواطنيها أي شيء عن العصر الحديث وعلومه وفنونه وآدابه، وليست لهم أية مساهمة في هذه الميادين. لقد كانت الأرضية الثقافية لسردية الكويت التاريخية ولا تزال مشدودة ومتطلعة إلى السردية العراقية في الكثير من المحاور المهمة رغم عبورهما بعض أسوأ المحطات في تاريخ العلاقة بين البلدين. ففي الكويت، مثلما هي الحال في العراق، توجد وتتحرك حالة ابداعية في غالبية المجالات الثقافية وخصوصاً الفن والأدب، فالمسرح والدراما التلفزيونية الكويتيان مثلاً متميزان ومتشابهان شكلاً ومحتوى مع نظيريهما العراقيين، ولا نكاد نجد لهما نظيراً في دول الخليج الأخرى جميعاً. وحتى الفرق بين اللهجتين العاميتين في البلدين أصغر بكثير من الفرق بين اللهجة العراقية الجنوبية واللهجة العراقية الموصلية، أما المصاهرات بين الكويتيين والعراقيين، وخصوصاً البصريين منهم، فتمثل حالة تقليدية وممتدة.
يلاحظ الراصد أيضاً، أن النسيج المجتمعي الكويتي تعددي وقريب الشبه نوعياً بالنسيج المجتمعي العراقي، فالمسلمون الشيعة في الكويت يمثلون ما يقترب من ربع السكان إلى جانب مواطنيهم من العرب السنة. صحيح أنّ البحرين والسعودية تتشابهان مع العراق والكويت في هذا المضمار، لكنهما تختلفان في نوع العلاقة بين هذين المكونين؛ فقد خلا تاريخ الكويت إلى درجة ملحوظة من الاضطهاد والقمع والتمييز الطائفي ضد الشيعة طوال عهد آل الصباح، وعلى النقيض من ذلك نجد أن الحكم الملكي المطلق في البحرين يتعامل مع الغالبية السكانية من المسلمين الشيعية كمواطنين من الدرجة الثانية. أما في السعودية، فالحال أدهى وأمرّ، فهم مهمشون وممنوعون حتى من إعلان هويتهم الدينية وممارسة شعائرهم تحت طائلة التكفير أو الاتهام بالشِّرك بالله وما إلى ذلك.
على المستوى السياسي، ورغم أن الكويت، بعكس العراق، حكمتها تجربة انتخابية عريقة وناضجة في إطار نظام أميري وراثي، فيما خضع العراق لحكم أنظمة استبدادية شمولية لذات الفترة من الزمن، لكن الكويت، وبخلاف أية دولة خليجية أخرى، تماثلت مع العراق في كونها كانت مهداً وميداناً لعدد من الحركات السياسية اليسارية والقومية العروبية والليبرالية، ولعل من أهمها فرع حركة القوميين العرب قبل وبعد تمركسها ومن ثم تلاشيها، والتيار الليبرالي الوطني الذي يتمتع بثقل لا يستهان به.
على الصعيد الشعبي، والنخبة الكويتية خاصة، بلغت العلاقة مع النظام العراقي السابق خلال سنوات حرب الخليج الأولى ذروتها، فقد تحمست النخبة الكويتية، ولأسباب قومية أكثر مما هي لأسباب طائفية، لنظام صدام حسين، أقوى بكثير من قطاعات واسعة من المجتمع العراقي، غير أنَّ اجتياح الكويت من قبل هذا النظام فيما بعد صدم الجميع، وكانت حصة النخبة الكويتية من الصدمة أكبر من حصة الفئات الأخرى، أمرٌ، قد يفسر لنا تطرف هذه النخبة في معاداتها وتشنجها اللاحق ضد العراق ككل لا ضد النظام البعثي الصدامي الذي احتل بلادها وخان تعاطفها معه.
ترك احتلال الكويت مرارة في أفواه وقلوب الجميع، عراقيين وكويتيين، ولكل من الطرفين على جهتي خط الحدود الجديد، الذي فرضته الأمم المتحدة أسبابه المفسرة لمرارته.
فالكويتيون، شأنهم شأن أي مجتمع صغير ودولة مسالمة، وجدوا أنفسهم، وخلال ساعات قليلة، شعباً هائماً في الصحراء، من دون وطن أو ثروات أو ماضٍ! وهذه كارثة كبرى وقاسية على المستوى الإنساني، وتحديداً على الصعيد النفسي للأفراد والمجموعات البشرية، ولا يمكن الشفاء من آثارها سريعاً وبسهولة، بل يتطلب ذلك وقتاً وجهداً كبيرين ومخلصين يعتمدان العلم والشفافية، ولا عبرة هنا لما يقال عن تحالف نظام الحكم الكويتي مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، فنحن نتحدث عن الجانب الإنساني في الموضوع.
أما العراقيون الذين تحملوا نتائج مغامرات نظامهم الاستبدادي الفردي الذي لم ينتخبوه أو يؤيدوا سياساته، فقد تحملوا ويلات حروب عاتية شنها فدمرت بلدهم تدميراً شاملاً، وكلفتهم خسائر بشرية باهظة جداً، مثلما تحملوا إضافة الى كل ذلك، القرارات الدولية التي يعدونها مجحفة وجائرة ضد بلدهم بوصفه دولة مهزومة في الحرب كالتعويضات المالية الهائلة لصالح الكويت ودول عديدة أخرى من بينها إسرائيل، وكقرار التعديل القسري للحدود الدولية بين البلدين لصالح الكويت أيضاً. وحتى بعد احتلال العراق، فقد قيل الكثير عن ممارسات ثأرية وانتقامية كإحراق ونهب المتاحف والمكتبات العريقة اتهمت بارتكابها مجموعات مجهولة وأفراد مرتزقة قيل إنهم مدفوعون وممولون من قبل أقطاب في الحكم الكويتي، الأمر الذي لم تؤكده أدلة ملموسة ووثائق معلنة، ومؤكدة لكنه أصبح جزءاً من تفاصيل ذاكرة المشهد العراقي غداة الغزو. ثم جاء قرار الكويت بإنشاء مينائها الضخم «مبارك الكبير» في أقرب نقطة من عمق الممر البحري الوحيد الذي يربط العراق بالخليج العربي، والذي يمثل طلة العراق البحرية الوحيدة على العالم ليثير المزيد من الشكوك ومشاعر المرارة لدى العراقيين.
على الجانبين، كان هناك «صقور» لا يريدون للعلاقات العراقية الكويتية أن تتحسن، وتخرج من حالة العداء، غير أنّ هناك «حمائم» وعقلانيين أيضاً. صحيح أنّ المتطرفين في الجانبين ينشطون حالياً تحت وطأة الاستقطاب الطائفي المتفاقم في الإقليم، لكنهم لن يكونوا قادرين على شطب حقائق التاريخ والجغرافية المشتركة بين الشعبين. لقد أبدت دولة الكويت، وخصوصاً في عهد أميرها الحالي صباح الأحمد الجابر الصباح، تعاطياً مرناً وإيجابياً مع المشكلات الموروثة في ملف العلاقات الثنائية، رغم الرفض الذي واجهه هذا التعاطي من الإسلاميين المتشددين في البرلمان الكويتي السابق وبعض أقطاب الأسرة الحاكمة. وقد قابلت الحكومة العراقية المنبوذة لأسباب طائفية من محيطها الخليجي، هي الأخرى هذا التوجه الكويتي الإيجابي والتصالحي بمرونة وإيجابية ملحوظة، رغم رفض ومعارضة المتشددين من القوميين العروبيين وبقايا الصداميين في العراق.
وعموماً، فهذا الانفراج مرتبط أشد الارتباط بإرادة أصحاب القرار في البلدين، وهما أمير الكويت المتقدم في السن، ورئيس الحكومة العراقية بوضعه الرسمي الهش والمضغوط، ما قد يعني أنه قد يرتد إلى العكس بقوة أو ينقطع تماماً ولفترة قد تطول. وإذا كان الأمير الكويتي قد أخذ بهذا النهج البناء في المصالحة، كما يرى بعض المحللين، كمحصلة لقراءته الصحيحة للظروف الجيوسياسية العالمية، وهو الذي يصفه الإعلام الصديق للإمارة بالدبلوماسي المعتدل والمحنك الذي قاد الدبلوماسية الكويتية لعدة عقود قبل أن يتولى دفة الحكم في بلاده، فإن الخيارات الموجودة أمام حكام العراق، أيّاً كانوا، لن تكون وردية وسهلة بالمطلق، وخصوصاً وهم يقدمون رِجْلاً ويؤخرون أخرى في الانتقال إلى نظام حكم ديموقراطي حقيقي. إنّ هذا النهج الإيجابي والبناء، ولكي يكون حقيقياً ومثمراً لا بد من أنْ يتعزّز بمبادرات رديفة على الصعيد الشعبي، ولعل النخبة المثقفة في البلدين هي أكثر الفئات في البلدين استعداداً للقيام بهذا الدور، ولكن بعيداً عن منطق وطريقة الارتزاق وتوظيف الأقلام لهذه الجهة أو تلك، بل عبر اعتماد الصراحة والشفافية والجرأة في فتح الملفات المغلقة والحساسة والابتعاد عن تكرار الأحكام الجاهزة والأفكار المتشنجة والمغالية التي ولى زمانها. إن هذا النهج لا يعني بأية حال من الأحوال التقوقع والانتظار أو اعتماد منطق المجاملات و«تبويس اللحى»، بل يتطلب القيام بمبادرات شعبية رياضية وثقافية وفنية وأدبية من قبل المؤسسات والتجمعات المدنية المستقلة، والمشاركة في طرح المشاكل بأفق البحث عن حلّ متوازن وبناء لها لا بقصد التوتير والتصعيد. فمعالجة مسألة ميناء مبارك الكبير أو تعديل الحدود القسري أو متابعة مصير ضحايا وممتلكات الكويت بعد الاجتياح لا ينبغي أن تترك لمنطق الصفقات السرية بين الطرفين، بل ينبغي أنْ يكون للقطاعات والمؤسسات الشعبية والمدنية في البلدين كلمتها المسموعة خدمة لمستقبل العلاقات المتوازنة والعادلة والشفافة بين الشعبين الشقيقين، في عالم يضج بالأزمات والعواصف السياسية الكبرى، وفي إقليم زاخر بالاحتمالات الاستراتيجية المقلقة، فهل آن الأوان لذوي العقليات البناءة من عراقيين وكويتيين أن يقولوا كلمتهم الفصل؟
* كاتب عراقي

نشرت لأول مرة في الأخبار اللبنانية في

العدد ٢٠٤٣ الثلاثاء ٢ تموز ٢٠١٣