مفهوم متحرّك للعدالة الإجتماعيةعند عايدة الجوهري

وفق منهجية جديدة غير تقليدية وإسلوب ممتع تتناول الدكتورة عايدة الجوهري مفهوم اليسار في كتابها الجديد "اليسار.. الماهية والدور" الصادر عن دار الفارابي في بيروت، إذ تقدّم للقارئ شرحاً تاريخياً مفصلاً عن تطور فكرة اليسار وعوامل تبلوره ومجالات تحققه، بعيداً عن الصورة النمطية الآيديولوجية لليسار، وبعبارة مبسطة تجعل المصطلح الفلسفي سهلاً في متناول القارئ.

ولعل الأزمة التي تعيشها معظم المجتمعات، وخصوصاً العربية منها، اليوم، مع غياب الطبقة الوسطى، تستدعي البحث عن نظام عادل غير مُستهلَك، إذ ساد مفهوم خاطئ عن ترادف ظالم بين الشيوعية السوفياتية وأخواتها بكل ما حملنه من صور استبداد وقمع، مع مفهوم اليسار الذي من المفترض أنه فضاء أوسع وأكثر قدرة على استيعاب تلك التناقضات الطبقية وأكثر تحرراً من حدود الآيديولوجيا، وفق معادلة البحث عن العدالة.



صورة اليساري

وفي سياق منهجي متناسق ينحو منحىً تأريخياً، نقلت الكاتبة شروحات دقيقة للعدالة الإجتماعية والحرية والصراع الطبقي والبرجوازية والبروليتاريا والإشتراكية، لتحيط بكل العوامل التي تشكل مناخاً لنشوء يسار، أو كما قالت في مقدمة كتابها "إعادة رسم صورة "اليساري، أي ذاك الذي اختار اليسار، هوية عقلية وجدانية سياسية".

والواضح أن القضية الأساس لدى اليسار، والتي تركز عليها الجوهري، هي قضية علاقة الحرية بالعدالة أو وعلاقة احترام الخصوصية والفطرة الإنسانية بكيفية توزيع الثروة، خصوصاً بعدما عاش العالم تجارب فاشلة ادعت اعتناقها اليسار، فقمعت الحريات وتعدت على الملكيات الخاصة وصادرت حقوق إنسانية وملكيات اقتصادية بذريعة سيادة العدالة والاشتراكية على طريق تحقيق شيوعية الملكية ومرحلة اللادولة.

لذلك بدت الكاتبة حريصة على إعادة مفهوم اليسار إلى المشهد السياسي لضبط العلاقة بين قوى الإنتاج والرأسمال، لكن وفق ذهنية نقدية تستفيد من تجارب "إشتراكية" فاشلة، حوّلت أصحابها، واقعاً، إلى طغمة يمينية تستغل الضعفاء بامتياز. فأطياف اليسار عند الجوهري هم ثلاثة: أهل "التبرؤ"، وهم "أولئك الماركسيين السابقين الذين أعلنوا توبتهم الخالصة.." و"أهل التذبذب" وهم "الذين أوقعهم الخطاب المهيمن في حيرة من أمرهم، ولكنهم لا يكفّون عن رؤية مثالب الواقع الجديد وتناقضاته ومفارقاته، ويأملون إيجاد مخارج للأزمات التي يحياها الإنسان المعاصر.." و"أهل التهوين" "الذين سبق أن هوّنوا من قيمة الحرية باسم العدالة أو الأعداء المتربصين".


حتمية تفسير البروليتاريا


وتلفت الجوهري انتباه القارئ إلى خطأ ربط اليسار بدحض المعتقدات الدينية، معتبرة "أن الظن بأن المنطلقات والرؤى اليسارية محصورة بدحض المعتقدات الدينية ظاهرة خطيرة، تحجّم تياراً فكريّاً وسياسيّاً أساسيّاً، تفرَز على أساسه التكوينات الفلسفية السياسية في البلاد الديموقراطية، المتحضرة سياسياً، لا غيرها.

لقد غاصت الكاتبة في تاريخ الفلسفة لتلتقط بذور اليسارية عند كبار أعلام الفكر الاقتصادي والسياسي والإجتماعي من سقراط وصولاً إلى كارل ماركس، مرورًا بسان سيمون وجون لوك ودافيد هيوم وآمانويل كانت وآدم سميث وشارل فورييه وآخرين.

ولعل نقدها للماركسية قد نبع من التطورات التاريخية التي تنفي وجود حتمية لتفسير مفهوم البروليتاريا بتفسيرات القرن التاسع عشر. إذ "لم تعد البروليتاريا كما تمثلها ماركس والماركسيون من بعده، القوة الأساس من قوى التغيير الاجتماعي، بعد أن شهدت المجتمعات تطوراً واسعاً للمعلوماتية وللمهن الرمزية والإدارية، وبعد أن نهجت بعض الأنظمة نهج الإقتصادات الريعية التي لا تقوم على الاقتصاد السلعي، بل على أنشطة القطاعات الخدماتية، كما في لبنان على سبيل المثال..".

وان كان من الملاحظ عدم مرور الكاتبة على نماذج حكم يسارية ناجحة في أميركا اللاتينية، ربما لضيق مجال البحث، فإنها عالجت جيداً المسألة اللبنانية وقاربت إشكاليات الفساد والاحتكار و"نيو- ليبرالية" مقاربة يسارية في بلد "تتعايش (فيه) الاحتكارات والمضاربات والوكالات الحصرية وأدبيات النظام الإقتصادي الحر تحت سماء واحدة".


العدالة والحرية

قد لا يكون كتاب بحجم 278 صفحة كافياً لمعالجة موضوع كبير عن دور وماهية اليسار، لكن ما قدمته الجوهري في بحثها المستفيض يشكل ورقة بحث تستحق المناقشة والبناء عليها لمراكمة تصورات جديدة لليسار بعيداً عن سطوة العقيدة السياسية التي تصادر حرية المرء في اختيار نظامه، وليس استجابة إلى صراعات حزبية أو سياسية ذات طابع تقليدي، بل وفق منطلقات وجودية إنسانية.

لذلك نجحت الباحثة المتخصصة في الألسنية، في لي عنق المصطلح فحوّلته إلى مفهوم فضفاض لا يمكن فرضه على المجتمع وفق معايير دوغمائية جامدة أو أفكار تقف عند عتبة التاريخ، بل تلج الواقع وتدرك متغيراته وفق مف.هوم متحرك للعدالة الاجتماعية.الحوار المتمدن