هل من دورة سومرية ثانية ؟*

هل من دورة سومرية رافدينية ثانية؟ اي هل من بداية، او استئناف ثاني، ياخذ شكل استدارة التاريخ وعودته الى حيث انطلق اول مرة؟ اذا كان هذا العمل يقول بنعم، فانه يجازف حتما بتعريض نفسه لاسئلة من نوع: لماذا؟ وماالغرض؟ ولماذا هذا المكان بالذات دون غيره؟ ماسيجبره، ان لم يجعله مرتهنا، لمهمة اثبات كون التاريخ المعروف حتى الان، مصمم ابتداء وكينونة، لتامين متطلبات غرض غير متحقق، تم النكوص عنه عند مبتدأ الدورة الاولى، وهو مع كونه من نوع الضرورة القصوى، هو هنا وبحسب فرضية هذا العمل الرئيسية، "دولة اللادولة، السومرية الاولى، السابقة على، والمؤسسة للازدواج المجتمعي الامبراكوني، المميز للبنية الكيانية لارض مابين النهرين. هذا يعني ان ماعرفته البشرية من اشكال التطورعلى الصعد كافة، وما تناوبت الامم والمواضع الحضارية على تحقيقة تباعا، بالاخص على ضفتي المتوسط وعموم المدى الابراهيمي، ومنه الدائرة الاوربية، عبر الحقب والمراحل المختلفة، كان متجها على وفق التصميم المسبق، الطبيعي البيئي والانساني الكوني، لغرض تطوير واكمال الاسباب اللازمة، لظهور وتحقق نموذج "اللادولة"، الموجود بفعل الغائية الكونية العليا، عند مفتتح التاريخ البشري، في جنوب العراق، على ارض سومر. وان الاسباب والشروط التي منعت في حينه، وحالت دون تجسده، كحقيقة معاشة ونظام، انما كانت من نوع نقص في الضرورة، استمرمرهونا لتحقق لاحق، كان في حينة غالبا/ النقص/ موضوعيا، ماقد حعل تجسيده مرهونا كشرط، بمرور التجربة البشرية، بطور اول تمهيدي، هو الذي يشارف على الانقضاء الان، مؤذنا بانبثاق زمن جديد آخر.
بكلمة، فان المجتمع الذي ابتدات منه وعنده الحضارة والتاريخ الانسانيقبل الاف السنين، كان من حبث الكينونة والبنية، ارفع من الوسائل الانتاجية، اليدوية، ومن ثم الالية، الممكن توفرها، والمتاحة في حينه، وان مسيرة التاريخ اللاحقة الى اليوم، قد هدفت الى، وافضت، لتامين الشكل الاعلى من وسائل الانتاج، الناسبة، المؤهلة للتطابق الفعال، مع نمط مجتمع " اللادولة".
يعني ذلك بحسب المصطلح المستعمل هنا، الانتقال من "التاريخ الصغير" الى "التاريخ الكبير"، بمايفضي لانقلاب كلي في المنظورات، والرؤى، والمفاهيم. فالعالم الانساني الذي تشكل عمليا، بعد الاستحالة التي حلت وقتها على التاريخ عند بداياته، مع ثبوت استحالة تحقق اللادولة السومرية في الدورة الافتتاحية الاولى، هو عالم بدا منتكسا، ومتولد عن لحظة نكوص، وفقا للمنظور المبسوط في الصفحات اللاحقة، وهو بناء عليه، وبداهة، نمط ترافقه غلبة القصور التصوري/ العقلي، بمايخص استكناه معنى، ودلالة، وهدف، العملية التاريخية الحضارية الكونية الاشمل، بين تلك التي تؤبد الجسد، وتعلي حاجاته ودوافعه الاولية، او التي ترى في الجسد وحضوره الطاغي اليوم، لحظة انتقالية، من المستحيل العبور عنها من دون تظافر فعل "اللادولة" كتنظيم مجتمعي، مع مابعد الانتاج اليدوي والالي، اي المعرفي التكنولوجي، ان وجود "مجتمع اللادولة" العراقي الاول، وفرادته الكونية، وتكرارظهوره عبر الدورات الحضارية العراقية الثلاث، هو اهم منطويات الوجود المجتمعي البشري،وعلاها من حيث مايتطلبه من وسائل انتاج، بغض النظر عما اذا كان مغفلا ومغيّبا الى اليوم، لصالح المنظور الاقرب للعامل البيولوجي الحيواني في الكينونة الانسانية، كدليل على انتصاره المؤقت، والمقرر بحسب الديناميات التاريخية تجاوزه كما تلوح العلامات في الافق، بعدما اقترب الانسان من حقل الانتاج المعرفي، وصار ملزما بايجاد التطابق بين نمط الانتاج المستجد المؤجل الغائب، او المغيب، والمتعثر، وبين الشكل والبنية المجتمعية الانسب، والاكثر تطابقا معه، وضمانا لاستقامة فعله في الحياة.
ان مصادرة الغرب للتاريخ بالاستناد لعناصر القوة المتاحة، لم تعد ممكنة، فالغرب لم يعد يملك اكراه الحقيقة، او اجبارها على ان تطابق منجزه المتولد كنتيجة عن حقبة صعودة الحديث، بالقوة، مع منطوى التاريخ، بحيث يجعل من الراسمالية، او حتى الاشتراكية الوهمية بوجهها القسري المتاح، مؤهلة للتطابق مع اشتراطات الانتاج المعرفي، العقلي، المتغلب صعودا باطراد راهنا، مع مايفترضه كشرط لازم، من تحرر مسبق، مجتمعي، من عامل التمايز والطبيقية، وماتنطوي عليه من ميل مرضي بديهي لحرف المنجزالمادي، باتجاه المصلحة الضيقة للطبقات والافراد، الامر المتاصل في البنية المجتمعية السائدة في الغرب، مايزكي من هنا فصاعدا، امكانية واحتمال انتقال الفعالية التاريخية، نحو ارض ومستقر "مجتمع اللادولة".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مقتطف من مدخل كتاب/ ( البيان الامبراكوني العراقي) :عن انتقال العالم الى الدورة السومرية الثانية.