رفقاً بأنفسكم أيها الفقراء!

لا ندري من أين نبدأ بتضميد جراحنا فالجسد العراقي منخور من كل جانب، ولا نجد مساحة خالية من طعنة عميقة وجرح نازف . ومن هذه الجروح الغائرة قصة أهل الجنوب المغضوب عليهم، فسواء كانوا في المركز أو الأطراف لا يتغير من حياتهم شيء يذكر .

 في الحرب العراقية الإيرانية كان أهل الجنوب حطباً لها، وحتى هذه اللحظة يقدمون قرابينهم بعطش غريب نحو الموت دون أن تتغير ظروفهم الحياتية.

 لقد كرّم صدام حواشيه بعقارات فخمة وخصوصاً من ضباط الجيش العراقي السابق، وهم إلى الآن يتنعمون هم وأجيالهم بهذه النعمة - ماعدا من تمّت تصفيته لاحقاً بطرق لا مشروعة -، فيما أقدمت عصابة الخضراء بمكافئة المغضوب عليهم بمناطق الحواسم التي لا تصلح للبشر.

  لو كان بيدي لاستمطرت الرحمة صباحاً ومساءً وأفيضها على المغضوب عليهم، لكن ليس بيدي فأنا لست أله على كل حال !، وما يصنعه فقير لفقير آخر سوى الصلوات والأشواق القلبية علّها تغير ميزان المأساة.

 لم يتغير من حياة الكرخيين شيء يذكر فقد كانوا بمأمن من بطش صدام بشكل عام، وظلت الرصافة حتى هذه اللحظة - وخصوصاً مناطقها الشعبية - مركزاً مميزاً للفقراء والحمّالين والموظفين الصغار والباعة المتجولين وجيوش منسيّة من المتسولين والأرامل والأيتام .

 تبدو تلك المعادلة شبيهة بمقولة " الشرق شرق والغرب غرب لايلتقيان "، فهي تنطبق على الفوارق الطبقية الحادة بين الكرخ والرصافة، وكم سمعت من عبارات التحقير والدونية بحق أهل الرصافة كونهم يندرجون في سلّم الكائنات غير المتطورة بنظر بعض المتنعمين والسكّان الأصليين ! .

 لم يتغير شيء لهذه الحشود المعذبة منذ سقوط نظام البعث، فقد ظلت المدن الشعبية تتأمل خرابها فيما يزداد جماعة الخضراء تكرّشاً وفساداً وانحطاطاً باسم هذه الحشود التي انتخبتهم بطيبة خاط ، وهذه علامة بارزة ومؤشر واضح إن الطائفية لا تعني الميل لأبناء الطائفة وإنما تعني استمطائهم باسم الطائفية. لم تكن الطائفية في أذهان أمراء الطوائف سوى نزعة استيلاء على الحكم، ومن ثمّ فلتذهب الطائفة إلى الجحيم!.

 ونتمنى أن يأتي اليوم الذي يصحو فيه العراقيون من هذا الفلم الهندي ويطالبون بحقوقهم، ويدركوا أن الأحزاب الشيعية لا تحكم بفقه الإمام جعفر الصادق ولا السنة يحكموا باسم أئمة المذاهب الأربعة، وإنما هي مكيدة لترسيخ اللصوصية وإفراغ العراق من ثرواته المادية والبشرية باسم الطائفة.

 إن أمراء الطوائف ينافسون الملوك والأباطرة في ثرائهم الفاحش، ولم يخطر في بالهم لحظة واحدة ماذا سيحدث في المستقبل لأنهم خبروا الناس جيداً، ودائما ما يكون العراقي مصدر احتقار ودونية من قبل النخب السياسية كما لو أن هذا البلد محكوم عليه بثأر لايعرف أسبابه!.

  حتى الفقراء يتآمرون على أنفسهم فهم يصفون أنفسهم بأحقر الصفات، ويعتقدون أنهم يستأهلون لكل ما يحدث وسوف يحدث !(يا ألهي!).. دائما وأبداً تراهم يتعطّشون لمنابع الفقر والفاقة، كأنهم يبحثون عن مٌلْهِمٍ لتعميق مأساتهم ويضاعفون عذاباتهم بالشكوى والتذمر والدعاء على أنفسهم .

لا يمكن لكلمة " مأساة " أن تصف الواقع المرعب الذي تتعايشه المناطق الشعبية (وهي من جذور جنوبية كلها) . ويمكن لشاعر أن يجرّب ويرى هل ستسعفه قريحته الشعرية لوصف مالا يمكن أن يوصف ؟!. هل ثمة قدر أعمى يلتف على هذه الكائنات المعذبة لتبقى على ما هي عليه ؟ . بغداد اليوم