كيف وقع آل سعود في الفخ الأمريكي؟

ما جرى في المنطقة ولا يزال هو مصلحة أمريكية إسرائيلية بالدرجة الأولى وإعادة ترتيب جديد للمنطقة بمشاريع تدويل أزمات داخلية عربية، فأمريكا اليوم تمارس هوايتها القديمة من خلال دفع الخليج إلى الحرب بالوكالة عنها وإشعال الشرق الأوسط بنيران الحرب التي لا نريدها، بالمقابل فإن تجارة السلاح الأمريكي التي كادت تشهد كساداً في الأيام الأخيرة عادت مرة أخرى لتزدهر وتنتشر، فإذا بأمريكا تبيع السلاح للحوثيين وللخليجيين معا، لذلك فإن الحرب على اليمن يشنها العرب نيابة عن أمريكا، والمؤسف أننا في الشرق الأوسط لا نتعلم من دروسنا، فالأمر نفسه حدث في العراق، وها هو يتكرر فى سورية واليمن اللتين تشهدان حربا أهلية، والمستفيد، أولاً وأخيراً، أمريكا وحلفاؤها الغربيون.

اليوم تلعب الولايات المتحدة دوراً إرهابياً في منطقتنا، وتزايد هذا الدور منذ ثورات الربيع العربي عام 2011، حيث دعمت الجماعات الإرهابية كتنظيم القاعدة وداعش في مختلف البلاد العربية مثل سورية والعراق واليمن ومصر، وإنطلاقاً من ذلك اعتزمت واشنطن شن حرب جديدة في المنطقة وهذه المرة على اليمن الشقيق، وارتكبت هذا العدوان السافر دون أي معيار وقائي، حيث قام الرئيس باراك أوباما بتوكيل السعودية بشن الهجوم، فالمخططون العسكريون الأمريكيون يستخدمون المعلومات الإستخباراتية والصور الحية التي توفرها طلعات المراقبة الجوية على اليمن لمساعدة السعودية في تحديد الهدف ومكانه وموعد قصفه، بالإضافة الى أن هناك أكثر من سفينة حربية أمريكية وجهت ضربات لأهداف يمنية، وشاركت طائرات حربية إسرائيلية في العدوان، وقد استهدفت المناطق السكنية والمستشفيات والمدارس ومرافق الطاقة، وفي هذا السياق فإن هذا الدعم الذي تقدمه واشنطن للرياض في حربها على اليمن جاء لتحقيق أهداف محددة على حد زعمها منها: حماية الحدود السعودية، وإثبات التزام الحليف الأمريكي بالوقوف الى جانبها، والقضاء على القاعدة في اليمن وتوفير الحماية للمدنيين، ورعاية انتقال سياسي سلمي لضمان استعادة الحكومة اليمنية للسلطة، بالإضافة الى جعل الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي أقل توجساً من التوصل لاتفاق مع إيران بخصوص برنامجها النووي، وإدراكاً لذلك فأنا على يقين تام بأن تدخل أمريكا من خلال شركائها وحلفائها العرب في الشأن اليمني لم يأتِ صدفة وإنما كان حتمياً، وخاصة بعد سيطرة الثوار اليمنيين على مضيق باب المندب ونزع الهيمنة الأمريكية عنه وقطع الطريق على المصالح السعودية التي كانت تستغل اليمن من خلاله، باعتباره الطريق الرئيس لتزويد العالم بالنفط، وهذا يوصلنا إلى نتيجة مفادها ان التدخل الأمريكي في اليمن ليس إلا لخدمة مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.

وباختصار شديد إن الهجمة الشرسة على اليمن لا تصب إلا بمصلحة إسرائيل ومصدّري الأسلحة، وستكون نتائجها كارثية على كلا البلدين "اليمن والسعودية" إذا استمرت طويلاً، لذلك تنصلت باكستان من التحالف، وهناك انسحاب لبعض الدول الخليجية، خاصة عُمان، لأنها لا تريد الدخول بحروب خاسرة نيابة عن السعودية بضرب شعب عربي شقيق، كما أن مصر تعرضت في أثناء القمة لانتقادات شديدة، وتهديد مباشر من قبل قطر على أنها سوف تستمر بدعم ومساندة الإخوان المسلمين، كما رفض الاتحاد الأوروبي الحرب على اليمن، وقال بأن هذه الحرب ليست حلاً مناسباً، بالإضافة الى روسيا والصين والعديد من الدول المتحضرة، أما تركيا وقطر فقد أبديا استعدادهما للتدخل في سورية واليمن.

الضوء الأخضر الأمريكي لضرب اليمن هو فخ أمريكي خطير وواضح المعالم نصب للمملكة السعودية بهدف إضعافها وتقسيمها، وهو فخ شبيه بالفخ الذي نصبته أمريكا لصدام حسين عندما أعطته الضوء الأخضر من تحت الطاولة لاحتلال الكويت. ومن المعروف أن السعودية كانت ضمن المطلوب إعادة هيكلتها على وفق المشروع الإخواني الأمريكي التركي القطري المصري "مرحلة مرسي"، لكن هذا المشروع لم ينجح بسبب سقوط الإخوان وصعود السيسي الى سدة الحكم بدعم من السعودية التي أدركت أن هناك مشروعا بتفكيكها وتقسيمها، مع العلم إن تفكيك السعودية ليست فكرة جديدة بل خطة قديمة تم تسريبها في تسعينيات القرن الماضي، وتظهر الخريطة المسربة امتداد مساحة اليمن على حساب السعودية مع تفكيكها إلى أكثر من دولة، في إطار ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير.

الرهان السعودي على اليمن سيتضح أمام القيادة السعودية التي ستشعر أنها تورطت في اليمن أو أنها قادت حربا عبثية، وانها لن تستطيع التحكم مستقبلا بمفتاح نهايتها، خاصة في حال اتجه أنصار الله لفتح جبهات حرب على الحدود، وستجد السعودية نفسها أمام حرب استنزاف على حدودها الجنوبية، وهنا لن تتمكن من التحكم بمسار الحرب، خاصة إذا تم التلاعب بالورقة الطائفية في المملكة، وهذا مما سيؤثر في دورها بالمنطقة، وبالتالي فإن عاصفة الحزم التي تقودها السعودية برياح غير التي تمنتها القومية العربية ضد اليمن، رغم أن فلسطين وبعض دول الجوار ما زالت محتلة، فكان من الأولى أن تهب "العاصفة" لتحريرها.

 

مجملا؛ لعبت أمريكا وحلفاؤها طيلة السنوات الماضية دوراً خفياً في ساحات دول الربيع العربي من دون التورط المباشر، فهم لا يتدخلون في الشؤون الخاصة بالدول العربية من أجل عيون العرب، وإنما للقضاء على قوة شعوبها لمصلحة إسرائيل، والتدخل الأمريكي أو الغربي عسكرياً في اليمن لن ينتج إلا الفوضى.

وبإختصار شديد؛ إن "عاصفة الحزم" فخٌ وقعت فيه السعودية، وإن الدّعم الأمريكي لهذا العدوان، خطّة لتسهيل وقوع المملكة في الفخ وتحقيق أهدافه في المنطقة.

د. خيام الزعبي: باحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

العالم الجديد