حتّى إشعار آخر

غادر الكثير منّا منظومة الدين هرباً من وصاية الشريعة وبحثاً عن بدائلَ تنسجم مع تطلعاته وتوجهاته الفكرية. وكانت ردود الأفعال تختلف تبعاً لميول المغادرين؛ منهم من كانت ردود أفعاله عنيفة وقاسية، تصل لمستوى السب والشتم وتسخيف كل ماهو ديني بدعوى الخرافة.

تورّط هذا الصنف بما كان يعترض عليه! وهؤلاء يتناسلون في مواقع التواصل الاجتماعي وتحولت صفحاتهم إلى منابر تنويرية (نجومية!) يكثر فيها الصراخ وتغيب الموضوعية.

والبعض الآخر أتخذ من الدين موقفاً نقدياً عقلانياً ملتزماً بالأصول الحوارية المعروفة التي تستند على الأدلة والشواهد التاريخية ويشارك في تعميق الحوار.

 إن العائق الأساس في الخطاب الديني ينحصر في نقطتين: فرض الوصاية على الآخرين وتحويل الدين إلى عقيدة سياسية تمرر مشاريعها الحزبية الفاسدة تحت مسمّى الدين، وهذا ما يحصل الآن ببركة الأحزاب الدينية.

إن هاتين النقطتين هما من أبرز الأسباب التي دعت الشباب لمغادرة الدين. أما باقي الأسباب التي تستند على بعد معرفي أو حصول حالة نضوج فلسفي فهي قليلة مقارنةً بالنقطتين أعلاه.

وبحسب تجربتي البسيطة في الحياة أرى إمكانية وجود مشتركات مع كل كائن على وجه الأرض! لكن الشعور بتضخم الذات وميلها على أنها أكثر أهمية من الآخرين هما من أبرز الأسباب في نكستنا.

استطاع الغرب من توفير نموذج كبير للمتدين (نموذج اقتصادي علمي سياسي .. إلخ) ونحن نفتقر لهذا النموذج، فالرهان على التجربة الغربية بكل تفاصيلها رهان خاسر! ليس لأنها تجربة سيئة، وإنما لعدم توفر الآليات اللازمة لدينا لاستخدامها، نحن في نهاية المطاف مستهلكون ولسنا منتجين.

نعم يمكن الأخذ بالمناهج الغربية لأنها ذات صبغة كونية، ويمكن استخدامها باستثناء المفاهيم كونها تندرج في سياق تاريخي وثقافي مغاير، فالتعامل معها كنصوص مقدّسة وتعطيل مفعولها النقدي والتحليلي يوقعنا في فخ الأصولية!!

ماذا يتبقّى إذن؟ من وجهة نظري ما يبقى هو الحوار كوننا ننتمي إلى ثقافة لا تُحسن فن الحوار، لأنها تتحرك وفق منطق الوصاية وتصنيف الآخرين إلى "فسطاط أيمان وفسطاط كفر"، بالإضافة إلى التحديات الخارجية وتفوق المهيمن الغربي تجاه منطقتنا.

نعلم جيداً إن الحضارات تتكامل فيما بينها، ولا شيء سوى الحوار يمكنه أن يضمّد جراحنا، فالكتب النقدية لا تجد رواجاً في ثقافتنا وتنحصر في فئات صغيرة، ولا تتعدى جدران الأكاديمية.

نحن أمّة تعاني من الجهل والأمية وشحّة في الإقبال على التعلم، وجامعاتنا تحولت إلى مطابع للشهادات!

من يشعر بالصالح العام فعلاً وحقيقةً لابد له من تعميق روح الحوار ولا يتسرب له اليأس، ومن يتألم لوضعنا الكابوسي ينبغي له ترك جلد الذات والشروع في تعلم فن الحوار، ومن يرفض منطق الوصاية عليه التحلي بالموضوعية وإيجاد بديل لكي لا يقع بالمحذور الذي يتذمّر منه.

تأسيس أرضية للحوار لا يختلف كثيراً عن بناء أهرامات في لحظتنا المعاصرة!، لكن هذا لا يدعو لليأس والقنوط. منذ أن وجدت الخليقة وٌجِدَ الجهلة، وهذا ليس مبرراً كافياً لإلغاء الحوار.

من منظوري الشخصي إن مشتركاتنا أكبر بكثير من خلافنا لكنها تحتاج إلى دوافع نبيلة ومخلصة وليس إلى نجوم فيسبوك. بغداد اليوم