جمهورية الفيس بوك

تعطينا حيويّة مواقع التواصل الاجتماعي مؤشراً لافتاً وخطيراً، هي حالة التواكل والتدوير والتكرار، تعويضاً عن الخيبات المتوالية التي نتعايشها بكل طيبة خاطر!

الرأي العام يكره المثقف، والمثقف يكره الرأي العام ضمنياً، ربما لأنه لم يسهم في تشكيله لضعف حضوره وقلّة جمهوره، ومن هذه الناحية نجده متذمّراً من الذائقة العامة وردود أفعال روّاد التواصل الاجتماعي تجاه المثقف، بعد أن وجدت هذه الفئة الفيسبوكية ملاذاً آمناً لممارسة "نقد المثقف" ونسج الحكايات المتنوعة تجاه الوسط الثقافي، والتي لا تخلو من تهكّم وسخرية وتمرّد.

كلا الطرفين يتبادلون شكوكهم تجاه بعضهم البعض، ولا يتوانى أحدهم من النظر بفوقية تجاه الآخر، وقد ذهب بعض المدونين بعيداً في خيالاتهم الجامحة لينصبوا أنفسهم بدائل حين الطلب تعويضاً عن المثقف!

بين هذا وذاك تتناسل "طبقة" من المستفيدين المتأنقين الذين يتّخذون من الرأي العام مطيّة لهم لخلو الساحة لأمثالهم، خصوصاً أنها تعجّ بالنطيحة والمتردية من الأقلام الطائفية المأجورة، الذين ينعمون بالرزم السمينة من الدولارات في جيوبهم السوداء .

كل هذا يحدث لغياب المفكر الملتزم تجاه القضايا المصيرية التي تهدد وجود المجتمع العراقي، الذي أدمن الخبر الصحفي والشخصيات الصحفية، لكنه لا يرى ولا يسمع اسما لامعاً لمفكر واحد. ربما لا يحفل المفكر بجمهور غفير مثل المدون الفيس بوكي! في عالمه الافتراضي، ولعلنا اخترنا هذا العالم كعلامة بارزة على كسلنا وأوهامنا التي لا تعد ولا تحصى.

نحن بحاجة إلى مفكرين يوضحون لنا الصالح العام الخالي من الغرائز والانفعالات والخيالات الحالمة، ومن يبقى ينتظر الرأي العام فلن يسمع سوى صرخات فيسبوكية مدعية وحالمة ولا تعرف ماذا تريد!

لقد دشن جيل المدونين الجدد جمهورياتهم الخاصة في العالم الأزرق، يكفي أن يعبروا عن غضبهم وامتعاضهم من خلال مربعاتهم الخاصة، التي تبيح لهم تفريغ ما يمكن تفريغه، مادام هناك متابعون ينظرون لهم بإكبار وإعجاب.

ظهرت شخصيات فيسبوكية شديدة التأثير بالمتلقّي، وانساق هذا الأخير معها مفضلاً إياها على كثير من الكتّاب المشهورين. لقد ظهرت لنا "قطع غيار" جديدة تتمتّع بمقبولية شعبية كما لو أنها بديلاً عن الكاتب الكلاسيكي الذي كنّا ننتظر مقالاته في الصحيفة الورقية. حتى إن الأجيال الجديدة يمكن تسميتها بجدارة، أجيال فيسبوكية.

إنهم قرّاء أوفياء لتلك الشذرات الفيسبوكية المُكَثَفَة التي تعلن تدشين عصر جديد وهو عصر النص القصير .

وبهذا يسجّل عالم التدوين خطوة جديدة ولافتة تركّز على كاتب جديد له سرديته الخاصة (يهدد) بها بين الحين والآخر سلطة الكاتب الكلاسيكي، من خلال تقليعته العزيزة على قلبه التي تتمثل بـمفهوم "نقد المثقف". ومن هذه الناحية يشهد عالم الفيسبوك سوقاً رائجة تشبه إلى حد كبير أسواق العراق الشعبية التي تصرخ بأعلى أصواتها "عشرة بربع"!     

لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى سجون موحشة ووديان عميقة لا نسمع منها سوى صدى التكرار والاجترار، ولعلنا اخترنا هذا العالم كعلامة بارزة على كسلنا وأوهامنا التي لا تعد ولا تحصى. نحن بحاجة إلى مفكرين يوضحون لنا الصالح العام الخالي من الغرائز والانفعالات والخيالات الحالمة، ومن يبقى ينتظر الرأي العام فلن يسمع سوى صرخات فيسبوكية مدعية وحالمة ولا تعرف ماذا تريد. نبكي ونصرخ ونلطم على الحرية والكرامة لكن أين؟ في الفيسبوك! بغداد اليوم