استفتاء مسعود ومحفزات الامبراكونيا

مثلما هو الحال بازاء مختلف الشؤون الوطنية العراقية الكبرى على الصعد كلها اليوم، تتجلى امامنا عادة، مقاربتان، الاولى وهي الادنى الى التناول البديهي، المتوارث من حقبة منقضية، وهو معتاد، ويتسم بالتكرار الممل، والآخر الذي مايزال خافيا بين السطور، لم يتعد مجال التذمر، او الاعتراض، اوالسخط غير المؤطر ضمن رؤية تطابق مقتضيات الحال المهيمن منذ عام 2003 ، يبرز هذا التفارق، كلما جرى تناول لشؤون الدولة وادارتها، فعاليتها او انطباقها على الاشتراطات الدستورية والبيروقراطية، او عولج اي شان خاص بتقاسمها الفئوي، بين القوى التي هي مجتمعة قوى "ماقبل دولة"مهترئة، هذا غير تناول قضية من نوع مجابهة خطر مستشر، مثل "داعش"، او القضية المعروفة ب "الكردية"، فان ما يضع المتابع المراقب، والمعني الباحث عن حلول، او تطابقات للموضوعات، مع المثال المفترض وقتها، لايكاد يجد نفسه على سوية يفعل فيها الفكر بمماشاة الحالة، او الواقع المعالج، ويستوعبه، ثمة اليوم في الحيز التحليلي والفكري في العراق،افتراق جلي بين المفترض، او المقصود من المصطلحات، وحقيقتها الممكنة.
وضع فريد كهذا، يمكن ان يبرر فقط، اذا بدانا الاقرار، بان المادة المتوافرة سياسيا، سواء كاحزاب ورؤى، واجمالي التصورات، هي دون الضرورة السائرة نحو مالات نافيه لحالة العجز، عدا عن للاتطابق بين العناوين الجاري الحديث عنها، وطاقة، او كفاءة، او صلاحية، القوى المتصدية لها، وادعاء تجسيدها. فالعراق الحالي، وبعد انهيار الدولة "الحديثة"، وسحقها بعد 82 عاما على اقامتها من قبل الاحتلال الانكليزي. محكوم بالارتقاء لصيغة نظام "مابعد غرب"، بعد تجربة تاريخية انتهت عام 2003 ، باضطرار الغرب نفسه للاجهاز على منجزه، تحت ضغط وتظافر عدة عوامل واسباب، من بينها الاقتناع باحتمالات انهيار الاطار "الحديث" المقحم على السيرورة والتشكل الوطنيين، خارج التحكم والسيطرة الغربية.
هذا الافتراض ينتمي الى جملة افكارمتبقية،من منظومة التحليل والمقاربة "الايديلوجية"، المتراجعة، والتي كانت متغلبة خلال القرن المنصرم، فهذه، والدولة " الحديثة" منها ومعها، انتهى حضورهما ودورهما كحقبة، مرت على التاريخ العراقي الحديث، باثر حقبتين من التشكل الوطني الحديث، قبلية اولا، ودينية تجديدية ثانيا، وكما هي الحال خلال الحقبة المذكورة، انتهت حصيلة محاولة الغرب احتواء الالية التاريخية العراقية الذاتية التشكل، الى فشل اكبركارثي، بعد جملة من محطات الفشل الاصغر،منها واولها تلك التي دفعت الاستعمار الانكليزي اصلا، لاقامة "حكم من اهل البلاد"، اي اول صيغة مبكرة ومستحدثة من صيغ " الاستعمار الجديد"، الذي لم يعرف فعليا الا منذ الستينات من القرن الماضي، هذا مع ان الانكليز وصلوا العراق كغزاة، مشبعين بالنظرية الاستعمارية الهندية المتغطرسة، وكانوا ينوون الحاق ارض الرافدين، باملاك التاج البريطاني، كما الحالة في الهند، الا انهم وكما قالت المس بيل، تصف حالة الجيش البريطاني ابان الثورة: سرعان ماوجدوا انفسم في وضع "اشبه بانهيار الامبراطورية الرومانية"، مما حدا بهم الى التفكير الجدي بالانسحاب، لولا فكرة "الحكم من وراء ستار"، التي هي هزيمة تاريخية على المستوى التاريخي للاستعمار القديم كظاهرة، وليس فقط للنظرية الكولونيالية الهندية.
وتتعدد مناسبات ووقائع الفشل الغربي النموذجي والمباشر، مع انها لاتقرأ وفقا للترسانه الغربية، وبالاخص منها الايديلوجية الحزبية المحلية المنتهية الصلاحية، الامر الذي يستحث اعادة قراءة تفصيلية للتاريخ التصادمي، العراقي الامبراكوني، بين الكيان الازدواجي التصارعي العراقي، والوافد الغربي بصيغته المتحققة في العصر الحديث.
اليوم دخل العراق لحظة فراغ، واستئناف للاليات التاريخية الذاتية الوطنية، مع انهيار شبه تام لفعالية ومصداقة المنظور والبنى الايديلوجية الحداثية المنقولة، بما فيها الاسلاموية، بينما يزداد التفارق بين طاقة القوى والمكونات المتوافرة، قياسا الى الغاية والوجهة التاريخية المتضمنة في الكيان الامبراكوني، مايجعل المرحلة، او اللحظة تشهد تراكمات من العجز والقصور الشامل، هو المنتوج البديهي والطبيعي، لفعل قوى من نتاج حقبة ماضية ومندحرة، حتى ضمن شروطها، قبل انتهاءفعل تلك الشروط. فالقوى الموجودة والمتصدرة المشهد اجمالا، هي قوى منتهية الصلاحية، ومهزومه تاريخيا، كانت قد هزمت بمواجهة الشكل الثاني، العقائدي الحزبي النفطي، من اشكال الدولة الحديثة للفترة بين 1968/ 2003، وهي قد ارتضت بسبب عجزها المطلق، التواطوء مع الغزاة الامريكيين، املا في ايجاد موطيء قدم لها في الحياة داخل العراق، ولو بثمن التضحية باستقلال وسيادة البلاد، وهو مايكفي دليلا على سقوط هذه القوى، ولا صلاحيتها المركبة، في الماضي والحاضر، الامر الذي يجعل، وجعل الغرب الامريكي يقبلها ويوافق على تصدرها المشهد، على اعتبارها قوى ميتة، بلا اي افق او احتمال تصد لمشروع يمكن ان يذهب نحو تعبئة الطاقات الوطنية، فالمشروع الامريكي في العراق عنوانه "عراق ميت" بلا مستقبل ولا حاضر.
مع ذلك وربما بسببه، نظل كلما طالعنا تصرف، او سلوك، او موقف صادر عن القوى الموضوعة بموقع الفعل، بحكم الموجود والمقبول امريكيا، ومع استمرار غياب البديل، قبل تبلوره المنتظر، وحضور "العملية السياسية الطائفية" ككتلة قوى ادارة للاوضاع، نواجه معضلة عدم توصل القوى الصاعدة بعد، لقانون، او عدة متابعة، ومنظومة تحليل، تنطوي على القدر اللازم من الاكتمال والصلاحية، تساعد على تفحص تلك الظواهر، ومسارات وممكنات عملها، وكل مايمكن القول انه متوفر الى الان على هذا الصعيد، لايتعدى النصح باعتماد ثوابت منهجية اساسية، من شانها التاسيس لمحاكمة المشهد، وتحري جدوى عمل مكوناته، اولها: تدني وتصاغرطاقة وممكنات استيعاب الاطراف المختلفة المتوافرة في الساحة، قياسا لمقتضيات الالية الوطنية العراقية الفاعلة في اعماق الوضع الحالي، المتجه للتشكل، وتعاكسها مع وجهة آلياته، اي ان نحتسب طبيعة المتوافر من قوى فعل، موجودة بحكم امر واقع شاذ ومؤقت، قياسا للمطلوب والمرجو، بناء لمقتضيات الضرورة التاريخية النامية، بعد قرابة قرن من التجربة الايديلوجية المنهارة. وثانيها، ان نحاول قياس التصرفات المختلفة الصادرة عن هذا النوع من القوى، وبالاخص النامة عن احتدامات غير مرشحة للحل، ومنها الاقرب للمصيرية، والتي تعالج بوسائل وردود افعال دونها، لايملك المتصدون لها غيرها، مايجعل منها مصدرا للمزيد من الاحتدام الكارثي، سرعان ماتتحول الى نقاط موجبة لتجلي الضرورة غير المتاحة وطنيا بعد، وبصفتها تراكمات عارضة، انما مساعدة مع تراكمها، كمعطيات، على القفزة النوعية المستقبلية للرؤية الامبراكونية المنتظرة، والمتفوقة المتعالية على السائد المتدني رؤى وقدرات، وصولا للانتقال التاريخي الاستثنائي المتوقع، نحو الحقبة التاريخية مابعد "الايديلوجية" المنهارة من تاريخ العراق الحديث.
وقد يكون من اهم جوانب حضور وعمل قوى العجز المركب، كونها تظن وتريد بالحاح مبتذل في الاغلب، اشاعة فكرة شرعيتها، او تطابق وجودها مع الطاقة التاريخية المدخرة، والدور الكوني للعراق، وهذا الجانب المتوفر بصالح تلك القوى بداهة، بحكم سطوة العادة، هو الاخطر الذي يتيح لها البقاء كحالة اجترار، صفتها العجز والقصور، خصوصا خلال لحظة الانتقال، قبل تبلور ملامح الحقبة المستقبلية المنتظرة، المتفاعله اليوم في قلب تضاعيف ارض مابين النهرين، وحيث يتكرر بلا توقف، مظهر الغرق في المازق، وعدم الجدوى، المتولد عن كل المبادرات، والمواقف والممارسات الصادرة عن هذه القوى، فان الالحاح يتزايد بالمقابل طلبا للمنظور التاريخي الامبراكوني.
ضمن هذا السياق تاتي "مبادرة" البارزاني الاخيرة، اجراء الاستفتاء في كردستان، تلويحا بالاستقلال الكردي، ليس عن الامريكيين والاسرائيليين، الذين يسرحون ويمرحون هناك، بل عن شعب فاقد السيادة، مغلوب على امره، من شروط تقريره لمصيره، بعربه وكرده ، زوال ادلاء الاحتلال، من امثال الحاكمين في المركز وامثاله، اعداء السيادة الوطنية والحرية، فاي مهزلة "حق تقرير مصير" نشهدها اليوم، ممرغة بوحل السوقية، على يد جاهل، بطريارك عشائري اقطاعي (1)، كانه يواكب مضيفا رقما لاستشراء الفساد في المنطقة السبخاء، والعجز المشترك عن ادارة العلاقة بين الاقليم والمركز، من قبل الطرفين، والتسبب بسقوط الموصل وقرابة ثلث العراق، والقانون يسري ايضا على دعاة مايعرف ب "الاصلاح" من المنتمين ل "العملية السياسية الطائفية" باطارها الاوسع، وملحقها التجميلي، فتوقف الحراك الشعبي، وغرقه في التناقض بين شعارات الماضي عن "دولة مدنية"، وقيادة دينية متصدرة، كاسحة الحضور، وضع الانتفاضة الشعبيه داخل بيت العملية السياسية، فكسر نصلها وبددها. مايدل على ان كل خطوة تصدر عن القوى الركام المتبقية من الازمان المنقضية، تسهم بداهة في مضاعفة العجز، وتحفز بالمقابل وتنمي، حضورالعقل والارادة المضادة وتناميهما، وهي اذا تخيلت نفسها بصدد تحقيق منجزات، فانما تحققها بالضد من حركة التاريخ ووجهته،وبما يعاكس دينامياته الحية، ولن يكون مآلها النهائي سوى الشطب من السجل. هكذا تعمل المروحة الوطنية / غير المرئية بوضوح بعد/ قبل ان تتجلى مع الوقت، وتراكم المعطيات والتجربة، وعمل العقل الوقاد.
العراق تحكمة اليوم اليات الصعود الى الامبراكونيا، اي الى العراق "العراقي"، لاالعراق المفبرك الانكليزي ( تشيع الترسانة الغربية والايديلوجية المحلية البالية، فكرة عدم وجود عراق لولا مبادرة الانكليز "لاختلاقه" عام 1921 ، متجاهلة عمدا، اضطرار الانكليز القسري، لاعتماد الاجراء المذكور، مع تعمدها المختلط بجهلها، ان العراق العراقي موجود قبل بريطانيا، وكامبراطورية، قبل 24 قرنا قبل الميلاد، وانه حين وصل الانكليز للعراق، كان في حالة تشكل صاعد ومتصل، منذ القرن السابع عشر، وان عملية تشكله قاربت على الاكتمال اليوم، حيث سيبرز العراق الحديث، العراق في دورته الحضارية الثالثة، بعد الدورة السومرية البابلية الاولى، والعباسية القرمطية الثانية/ ولنا عودة لهذه النقطة الهامة والخطيرة )، بكل ماتتضمنه وتعنية، من امتياز في النظر والمنهج، وفي قراءة التاريخ، وفي المطابقة بين المتاح والمدخر الحي، او المقرر من "الغائية الكونية العليا" / الحتمية التاريخية بمفهوم ماركس الطبقوي/، والمكان / الكيان، الموجود على مر الازمان على حافة الفناء، انما ليس من دون مغزى او هدف اعلى، تتهاوى عند اقدامه اكوام الشعارات البالية، والمبادرات الخرقاء الجهولة المرتدة على اصحابها وبالا، وسط ضجيج الادعاءات والفبركات الكاريكتيرية المتشبهة بالحقيقة، بينما هي خارج التاريخ، لاصلة لها به. ولا بالاخص للفعل فيه.
بين "الوطنية الايديلوجية" المقحمة المنهارة بالتجربة، و"الوطنية الامبراكونية" فارق هائل من حيث مسارات وانماط التشكل و الظهور والحصيلة، كما في العنصر والدينامية المفضية اليها، وفي التشبيه يمكن تخيل العراق الان، مثل ساحة يركض فوقها جمع من "زعاطيط التاريخ ومعاقيه" من الصغار، كلما نهضوا وحاولوا الركض، يسقطون( ينجبحون/ بالعراقي)، بينما ساعة التاريخ تسجل وتحسب، بانتظار لحظة، غيابها لن يطول، يطلق فيها الزمن الكوني صافرته، ويؤذن بانتهاء اللعب.
لاتشغلوا بالكم ..كثيرا، ولاتقيموا للطارئين المحكومين بالعجز والزوال الحتمي الوشيك ، وزنا.. فهؤلاء وبحسب حكمة التاريخ وصوته، لن يتواروا تماما، من دون ان يرقصوا مجبرين، ودون وعي ولا اردة منهم ... رقصة نهايتهم المفجعة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول جلال الطالباني، احد اثقف السياسيين العراقيين على الاطلاق، والزعيم الكردي العراقي التاريخي، لا الوريث عن وريث، المتخلف، شبه الامي، معطل البرلمان الكردي، الحاكم بلا شرعية دستورية، بعد تجاوزه مدة رئاسته القانونية. يقول الطالباني: "مع ان القومية الكردية مثل كل القوميات، تملك حقها المشروع في تقرير المصير، ومع ان الاشتراكية العلمية، تفسر هذا الحق الى حد الانفصال، وتكوين الدولة القومية المستقلة، الا ان سير تطور الحركة القومية الكردية، يدل على نبذها للاتجاه الانفصالي، وتوجهها الجدي نحو الاتحاد الاختياري مع القومية العربية في العراق، والى التلاحم الكفاحي معها" جلال الطالباني / كردستان والحركة القومية الكردية/ دار الطليعة بيروت/ ص 19 .