الصدر على شاشة تلفزيون الحكومة

تحول حادث إعلامي صغير، يحدث يوميا على شاشات الفضائيات العراقية وغير العراقية، إلى قضية رأي عام وتظاهرات حاشدة وبيانات وتهديدات بالتصفية (هذا المسخ يجب أن يؤدب/ كما غرد الشيخ الصدري أسعد الناصري) في حين تحتل القضايا الكبرى والملتهبة الزوايا الخلفية كما هي العادة في دولة المكونات والمحاصصة الطائفية.
قبل أيام وعلى شاشة فضائية " العراقية" الرسمية انتقد أحد ضيوف الفضائيات هو السيد كاظم المقدادي زيارة السيد الصدر الى السعودية. بدأ الرجل كلامه بتحفظ ووصف الصدر بانه "وسيط" ولكن المذيع الذي قدم البرنامج قاطعه بكلام يفهم منه التحريض معترضا على (كلمة وسيط لأن فيها تهديد أكثر من الواقعي) كما قال المذيع، وهذه جملة ركيكة ولا معنى لها، وربما كان القصد منها إثارة الضيف الذي انساق وراء انفعاله وقال إنه استعمل كلمة "وسيط" من باب التهذيب لأن هذا الفعل عمالة وخيانة...الخ! إلى هنا، وكان يمكن للأمر أن ينتهي عند هذا الحد بعتاب صريح وأخوي من قبل مقدم البرنامج ويعتذر الضيف عن زلة لسانه لا أن يصب هذا المذيع الزيت على النار ويحرِّض الضيف! والواقع فهناك أربعة إعلاميين عراقيين على الأقل تحولوا مؤخرا إلى مقاولي تحريض وتشنيع طائفي وسياسي وحتى فئوي. وقد فاقوا في سوء الأداء والتحريض فيصل القاسم وبرنامجه التسفيهي والعدواني "الاتجاه المعاكس". وقد توقفنا عند حالة من حالات أحد هؤلاء الأربعة وقد تكون لنا وقفات نقدية أخرى مستقبلا عن حالات أخرى. 
بعد تلك الحادثة بوقت قصير، تحرك محازبو التيار الصدري وبعض شيوخه وقاموا بتظاهرات احتجاجية. وآخر ما صدر اليوم بهذا الخصوص بيان بتوقيع مكتب الصدر دعا فيه أنصاره وغيرهم إلى تأجيل تظاهرة مركزية كانوا ينوون القيام بها، وحسنا فعل، ولكنه للأسف لم يقل شيئا عن التهديدات والتصريحات المتشنجة التي صدرت عن مشايخ وأنصار التيار وفي مقدمتهم الشيخ أسعد الناصري الذي طالب علنا "بتأديب" السيد كاظم المقدادي ووصفه بكلمات مقذعة. فيما طالب صدريون آخرون المقدادي بمطالب فيها إذلال وإهانة حتى يكفَّر عن "خطيئته" ويُعفى عنه. ومع ذلك تبقى التظاهرات التي قام بها الصدريون في بعض المحافظات عمل احتجاجي سلمي مشروع، يمكن أن يقوم به أي حزب أو تيار يتعرض زعيمه إلى الإساءة ولكن التهديدات والاعتداءات الثأرية وشتم الناس وإذلالهم هي ممارسات عدوانية مرفوضة ومدانة. 
ومن حيث المبدأ، فالإساءة الشخصية والاتهامات بالخيانة والعمالة دون دليل ملموس، حين تطرح بقصد وإصرار وليس كزلة لسان أمور مرفوضة. علما بأن المقدادي في مداخلته كان يدافع عن الدولة ونظام المحاصصة الطائفية الذي يشارك فيه الصدريون بوزراء وعشرات النواب فهو ليس بعيدا عنهم بل معهم في ذات الزورق، ولذلك تمنى على الصدر لو انه نسق زيارته الى السعودية مع العبادي، وكل هذا لا يهمني البتة فهذه خلافات أهل النظام، ولكن هذه الحادثة كشف أمورا أخرى منها:
إن أصحاب القرار في شبكة الإعلام العراقي أو في قناة "العراقية" التي تديرها، وبعد ان سكتوا طويلا على إساءات ومهاترات كثيرة أسسوا اليوم لسابقة قمعية فوقية بعيدا عن القضاء الذي من المفترض أن يكون هو الحكم والفيصل في أمور كهذه. وأعلنوا عمليا أن من حقهم هم فقط تقرير وتعيين من هو الشخص الذي يوصف بأنه الرمز الوطني والطرف المهم في المشهد العراقي، وكيف تكون الإساءة الخطيرة، وما المقصود بعبارة" المشهد العراقي"؟ هل هو العملية السياسية الأميركية ونظام المحاصصة القائم وجميع رموزه وأقطابه؟ صحيح أن الخوف من رد فعل أنصار التيار الصدري هو الذي دفع مجلس أمناء شبكة الإعلام لهذا القرار القمعي، ولكن ما سوف يترتب عليه سينهي ما يزعمونه من حرية التعبير والحريات الفردية والعامة التي صدعوا بها رؤوس الناس... والقادم أسوأ.
إن هذه الحادثة الصغيرة والتي حدث مثيلاتها عشرات وربما مئات المرات مع سياسيين آخرين تنذر بمآلات سيئة في المستقبل القريب حيث سيكون القرار الفصل لمن لديه أكبر كمية من السلاح وأكثر عدد من المسلحين. وأعتقد لو أن هاتين الكلمتين اللتين قيلتا بحق الصدر قد قيلتا على شاشة فضائية أخرى غير "العراقية" لما ثارت ثائرة الصدر والصدريين ولكن لأنهما قيلتا على شاشة التلفزيون الرسمي والذي يتهم حزب "الدعوة" وزعيمه المالكي الخصم التقليدي للتيار الصدري باحتكارها والهيمنة عليها فقد حدث ما حدث!
وختاما، لنا أن نتذكر: كم كان رد فعل السيد حسن نصر الله، قائد المقاومة الإسلامية في لبنان كبيرا ورائعا على حادثة إساءة له على فضائية العربية السعودية وكانت أكبر كثيرا مما حدث على شاشة العراقية! الصديق العزيز نصير المهدي ذكر موقف السيد نصر الله هذا في تعقيب له على صفحة الصديق جعفر المزهر فكتب: (السيد حسن نصر الله، قامت قناة الام بي سي، بإصدار مسلسل تمثيلي مبتذل للنيل منه، فتظاهر بعض أنصاره وهاجموا مكتب القناة في بيروت، فنهاهم -نصر الله- و وبخهم على ذلك، ومنعهم من تكرارها، والقناة السعودية لم تقدم اعتذارا، ولم تتراجع عن مسلسلها، لأنها لا تخاف من رد فعل يهدد العاملين فيها). وليسمح لي أخي نصير بأن أضيف: نعم، حدث هذا لأن حسن نصر الله كبير، وأكبر جدا من الصغار الذين أساؤوا إليه!