مصر ليست تونس

نحن ننعم في مصر بأسوأ قانون أحوال شخصية يكرس ضد المرأة والطفل على إطلاق الدول العربية باستثناء دول الخليج، ونحن، لله الحمد والمنة، ماضون في التكريس المتخلّف ضد المرأة والطفل بلا هوادة.

نحن ننعم في مصر بأسوأ قانون أحوال شخصية يكرس ضد المرأة والطفل على إطلاق الدول العربية

في يوم الثالث عشر من آب/ أغسطس، أطلق الرئيس التونسي باجي السبسي دعوة للمضيّ قُدُماً في مساواة المرأة بالرجل موافقة للدستور التونسي، واقترح على الجهات المُختصة دراسة مساواة المرأة بالرجل في المواريث وزواج المسلمة من ديانات أخرى، مطالباً بالقيام بذلك في حدود المُتاح، ودراسته، وتنفيذه بما لا يتعارض مع ثوابت الشعب وإيمانه.

كردة فعل للخطاب، قامت هيئة الفتوى التونسية بتأييد مطالب الرئيس، ووعدت بدراسة الأمر، وتنفيذ المطلوب. قبل ذلك بيومين، نشرت الصحف خبراً عن زواج مسلمة من الطائفة الشيعية في لبنان بمسيحي بعد حصولها على موافقة مرجعيتها، وتم الزواج في إطار مراسم دينية تابعة للديانتين الإسلامية والمسيحية.

تمام كده؟

لا مش تمام.

إذ فجأة نظر المجتمع المصري – والذي ليس معنياً بالأمرين بتاتاً – بجنب عينه وهو يقول "إيه؟ أنتم عايزين تفلتوا النسوان من إيدينا ولا إيه؟

فجاءت الإجابة من تونس يا عم صل ع النبي يا عم... ماحدش جه ناحيتك

فقام المجتمع المصري وعلى رأسه الأزهر: ماحدش جه ناحيتي ده إيييييه؟ احنا ناقصينكم؟

- يا عم صل ع النبي يا عم

أصلي ع النبي؟ أنتم حتفتحوا عينين الحريم على الكلام الفارغ ده؟ ده احنا بنلصم فيهم..

- يا عم نسوانك في جيبك يا عم ما حدش جه ناحيتهم..

ما حدش جه ناحيتهم ازااااااااي؟"

وأنا من موقعي هذا أحب أن أطمئن الثائرين في مجتمعي المصري الكريم الذي أرغى وأزبد في ما لا يعنيه "اطمئنوا، مصر ليست تونس.

نحن ننعم في مصر بأسوأ قانون أحوال شخصية يكرس ضد المرأة والطفل على إطلاق الدول العربية باستثناء دول الخليج، ونحن، لله الحمد والمنة، ماضون في التكريس المتخلّف ضد المرأة والطفل بلا هوادة، وسنلقى كل الدعم من دول الأرز التي أقمنا لها متحفاً في بلادنا لتعرض ملابس ملوكها الداخلية كتحف نادرة عندنا. لا تخافوا ولا تجزعوا، نسوانكم في جيبكم، لن يمسّهم أحد بحقوق ولا عدالة ولا رحمة لا قدر الله.

نحن في مصر، على عكس كثير من الدول العربية، نسمح للرجل بالزواج مرة أخرى من دون علم زوجته الأولى، ونسمح له بطلاق زوجته غيابياً من دون علمها، وردها من دون علمها، وكأنها خرقة قماش  قديمة ملقاة في المنزل، تعلم بخبر زواج زوجها من مكالمة هاتفية تأتيها من مجهول، أو مجهولة تطلق ضحكة رقيعة في نهاية المكالمة، وتكتشف خبر طلاقها من طارق بالباب يُدعى "محضر" يسلّمها ورقة طلاقها، وتفاجأ قبل نهاية شهور عدّة الطلاق بأن طليقها قد ردّها إلى عِصمته من دون استشارتها أو إخطارها أو حتى التلميح لها.

نحن في مصر لا نلحق نَسب الطفل بأبيه إذا لم تتمكّن المرأة من إثبات الزواج بورقة أو شهود، ونتجاهل التقدّم العلمي، ولا نلزم الأب بإجراء فحص الحامض النووي.

نحن في مصر لا نمنح الزوجه حق الطلاق السريع إلا إذا تخلّت عن كافة حقوقها الشرعية عبر رفْع قضية الخلْع، أما إذا أرادت الحصول على نفقتها ومؤخّرها، فعليها الركض في المحاكم لسنين طوال، وإما أن تحصل على الطلاق والحقوق بعد أن يشيب مفرقيها، أو لا تحصل على الطلاق لإنها "ناشز"!.

هذه القوانين المُخزية المُجحفة الظالمة قد تجاوزها العديد من الدول العربية مثل العراق وسوريا والجزائر والمغرب ولبنان، ناهيك عن تونس التي تحظّر تعدد الزوجات بالأساس، ولم يبق لنا سوى دول الأرز، هي تدفع، ونحن نزداد تخلفاً وتراجعاً.

لا تخشوا شيئاً أيها الثائرون، لا تهاب تجرّؤ النساء أيها الأزهر العزيز. لقد اقترح رئيس الجمهورية، الذين لا ينفكّ الذائدون عن حِياض الدين التطبيل له، والنفاق المتتابع لكل ما يقول، بإلغاء الطلاق الشفهي، وكانت المرة الأولى التي يهبّ فيها المجتمع، الذين لم يعترض على رفع سعر الوقود ولا تعويم الجنيه ولا ارتفاع الأسعار ولا على القتل أو الحبس الجزافي، لينافح عن حقه في استعباد امرأة وتعليق حياتها ومستقبل أولادها بطرف لسان رجل لا يرقب فيها إلا ولا ذمّة، ولا يكفّ عن الحلف بالطلاق في كل مناسبة، جاداً كان أو مازحاً، وتراجع الرئيس – الذي لم يتراجع عن بيع أرض ولا سجن مظلوم ولا قتل بريء ولا رفع أسعار ولا تدمير اقتصاد – عن اقتراحه أمام هذه الهبّة المغوارة.

نحن نساء مصر، مازلنا في جيوبكم، ليس لدينا طموحات أكثر من معرفة ما يخصّ شأن حياتنا الأسرية قبل أن يحدث، يعني.. نتمنّى على الله ولا يكثر على الله أن نعرف بخبر زواج الزوج قبل حدوثه، وأن نعلم أنه ينتوي الطلاق، أو الرجعة، وأن نحصل على حقنا في الميراث، حتى وإن كان النصف، وألا يقوم الأخ الأكبر بحرمان المرأة من ميراثها حتى لا يذهب مال الأسرة لرجل غريب، ألا وهو زوج المرأة. هذه هي أمنياتنا وأحلامنا البسيطة... وعموماً، هي لا تتخطّى حدود الأحلام، ولم يحدث أن تجرّأت إحدانا وسعت في تعديل هذه القوانين، احنا بنات عائلات محترمات.

فهلاّ تركتم الناس وشأنهم؟ لم يتطاولوا عليكم ويتّهموكم بالتخلّف، فلماذا تتدخّلون في ما لا يعنيكم وتتّهمونهم بالكفر؟

الجريدة التونسية

كاتبة وناشطة مصرية