رسالة مفتوحة من بهاء الدين نوري إلى مسعود البارزاني)!: البديل عن الاستفتاء

السيد المحترم مسعود البرزاني 
اثناء اجتماعكم بعلماء الدين في الاقليم كنتم قد طلبتم من المطالبين بتأجيل الاستفتاء أن يقدموا بديلا عن ذلك التأجيل . انا أجيب هنا على سؤالكم هذا و اقدم لكم البديل بصورة منطقية .
لا ريب في ان من حق اقليم كردستان أن ينال استقلاله ، بالاخص منذ ان اعادت الدول المبريالية الكبرى و بعد الحرب الكونية الاولى ، توزيع الخريطة السياسية في الشرق الاوسط . لكن ذلك مالم يحدث بسبب الوضع الجيوبوليتيكي – توزيع كردستان على اربع دول في المنطقة – الامر الذي زاد كثيرا من تعقيدات القضية الكردية . 
حمل كرد العراق السلاح طوال عشرات السنين و قدموا تضحيات لاتحصى لنيل حقوقهم القومية المشروعة . وفي النهاية ، وفي هذا العالم اللاعادل ، اصيبت الحركة الكردية بنكسة كبرى في مجرى عمليات الانفال و استخدام السلاح الكيمياوي من لدن نظام صدام ، ومع تغير الظرف جراء حرب الخليج ، وبمساعدة المجتمع الدولي ، نهض الاقليم من جديد و حقق مكاسب هامة و اقام لنفسه كيانا هاما طوال 12 سنة قبل ان يسقط صدام . كانت هذه فرصة ذهبية للاقليم كي يوطد مواقعه السياسية و الاقتصادية و العسكرية . لكن زعماء الحزبين الحاكمين وضعوا المصالح الحزبية الضيقة ، مع الاسف ، فوق المصالح العامة و اثاروا من جديد اقتتال الاخوة ابان التسعينات و قسموا الاقليم الى دويلتين و منطقتين مختلفتين جغرافيا و اقتصادين و قوتين عسكريتين حزبيتين – مالم يعالج عمليا حتى هذه اللحظة ، بل على العكس من ذلك ، اوجد معضلات اخرى كثيرة و آخرها معضلة هذا الاستفتاء غير الملائم من حيث الزمن و الظروف . 
* * *
يوجد اليوم طريقان لتحقيق الاستقلال للاقليم : 
1- طريق الكفاح المسلح ضد النظام العراقي . ويعرف الحكام انفسهم ان هذا ليس بالطريق الملائم ، ويقولون : " اننا نبدأ المفاوضات بعد الاستفتاء " . 
2- الطريق السلمي الديمقراطي المدني كما جرى في عدة بلدان ديمقراطية ( جيكوسلوفاكيا ، كندا – كويبك ، سكوتلدنده ) ، وهو الطريق الصحيح الوحيد اليوم ، و للسير عبره شروطه و مستلزماته . ويتأتى على كل من الجانبين العراقي و الاقليمي ان ينفذ قسطه من المهام . و حتى هذه اللحظة لم يقم أي من الطرفين بتنفيذ شيئ من هذه المهمات . وبعد صياغة الدستور بثماني سنوات حكم نوري المالكي باسلوب طائفي شيعي ، فقطع الرواتب عن الاكراد و تصرف تجاه السنة العرب بشكل اسوأ اذ انتهج سياسة قادت الى استيلاء ارهابيي داعش على الموصل و صلاح الدين و الانبار و سنجار و حويجة و مدن اخرى عديدة . ولولا بيشمركة الاقليم لاستولوا على كركوك ايضا . فالمالكي كان و لايزال يستحق التقديم الى العدالة على جرائمه الكبرى ، بما في ذلك جريمة نهب المليارات من واردات النفط . وأيا كان الأمر فأن التحالف الشيعي أقصى المالكي من رئاسة الوزارة ، بعد أن حكم ثماني سنوات ، وأحل محله حيدر العبادي الافضل بكثير من سلفه ، رغم انه ظل يحكم في اطار نظام طائفي شيعي . فالعبادي احترم البرلمان ووجه ضربة قاصمة الى ارهابيي داعش و حافظ على قدر من التوازن في الوضع الاقتصادي العراقي رغم انه استلم من سلفه خزينة فارغة في ظروف هبوط حاد لاسعار النفط عام 2014 .
وانتم ، ايها السيد رئيس الاقليم ، تحكمون الاقليم منذ 26 عاما ، وكان في ايديكم جميع موارد الاقليم ، والنتيجة هي هذا الاقليم الخرب البائس الذي ازداد سوئا سنة بعد اخرى . بعد 26 سنة من الحكم عجزتم عن توزيع برميل من النفط لكل عائلة على المواطنين في الشتاء البارد الماضي ، وتوقفت مشاريع الاعمار كليا منذ ثلاث سنوات و للآن . والاسوا من كل شيئ أن قضية البناء الديمقراطي في الاقليم قد تراجعت الى الوراء بعد 14 عام من سقوط صدام . قارن بين الاقليم المتحرر من صدام منذ 1991 و بين بغداد المتحررة منذ 2003 لترى أن الحياة البرلمانية في 26 عاما من وجود الاقليم لم تزد عنها في 14 سنة من وجود العراق بلا صدام لأن البرلمان الاقليمي – الخمسين بخمسين – المنتخب في 1992 قد عطل بعد سنتين من انتخابه لمدة 13 سنة ، وتكرر تعطيل البرلمان في الاقليم خلال السنتين الاخيرتين ، بقرار فردي من رئيس مطعون في قانونية رئاسته . وقد منع رئيس البرلمان المعطل من دخول عاصمة الاقليم ، الامرالذي لم يسبق له مثيل في اي بلد . 
* * *
كلا ليس من الصواب أن تعطى الاولية اليوم لاستقلال الاقليم في وقت تخنقه أزمة شاملة ، ولم تنته الحرب ضد ارهابيي داعش ، ولم ينفذ الاستفتاء ( المادة 140 ) الخاص بالمناطق المتنازع عليها بسبب اهمال حكام الاقليم ، ولم تخط حكومة الاقليم أي خطوة لحل المشاكل الملتهبة ( كمشكلة الرواتب و الكهرباء .. الخ ) . 
ذلكم هو هو الطريق لتهيأة الاجواء في العراق وفي الاقليم نفسه لاستفتاء ديمقراطي حر ، كما يجري في الدول الديمقراطية ، في ظروف مؤاتية ، من اجل الاستقلال ، وليس لاقامة جنوب سودان جديد يتحسرفيه المواطنون على الماضي . ذلكم هو الخيار الناجح ، بدلا من هذا الاستفتاء المخطط له قبل أوانه ، أيها السيد الرئيس ! اذا اريد انتهاج طريق صحيح وجب ان ينتهي تعطيل البرلمان و أن تعالج مشكلة الرئاسة و توفر مستلزمات الانتخاب الحر النزيه لبرلمان جديد يحل محل هذا البرلمان المعطل المنتهية ولايته .
( مترجمة من اللغة كردية ) الحوار المتمدن