ويسألونك عن الفساد

الفساد ملّة واحدة، كما يقول الراحل هادي العلوي، وجغرافية متكاملة تجمعها مشتركات عابرة للهويات!. تلميع الشخصية بتوجهات عَلمانية أو ليبرالية أو دينية معتدلة، ليس مبرراً كافياً لنزاهتها وعدالتها. يتبيّن وهم الانتماء عند أبسط احتكاك بالواقع، وللتوضيح: أن الانتماء للثروة والجاه هو الشغل الشاغل لدى الناس، ولا علاقة لهم بهوية الآخر فيما لو حقق لهم بعض الأرباح المادية.

ومن خلال التعامل اليومي نكتشف من حركية الدولار، انه ينطوي على قيمة وحدوية عليا ومقدسة، لا يمكنها التنافس مع أي عقيدة أخرى. فالشيعي والسني إخوة بررة يشد بعضهم بعضاً، ولا يمكن أن تعكّر صفو علاقتهم حدود هوياتهم المغلقة، وما نشاهده بين ساسة الشيعة والسنة يضرب لنا أمثالاً ناصعة عن وحدة الفساد.

 بل هم أكثر انفتاحاً ومدنية إذا تعلق الأمر بالدولار. لا طائفية ولا عرقية ولا قومية ولا دينية يمكنها اختراق ألفة هؤلاء. نعم، المصالح المادية تضرب لنا أمثالاً وقصصاً من الواجب تعليمها لذوي الخطابات البريئة.

لا شفيع ولا نصير ولا مخلّص لهؤلاء من فساد النفس والضمير، فمباهج الدنيا والطموحات الجامحة والرغبات المتأصلة في النفس، يندر أن يصمد أمامها فحول الرجال.

قد نجد متديناً مترفعاً عن صغائر الأمور مهموماً بالصالح العام يتخذ من الجوانب المشرقة للتراث الروحي بعض من الإشارات العميقة التي تدفعه للسهر على راحة الخلق، مثلما كان يفعل بعض أسلافنا الذين لم تصبهم لوثة الدولارات، فما كان يزيد عن حاجاتهم فهو سحت وحرام.

ونجد متدينا! سادياً قاتلاً يذبح براحة ضمير وطيبة خاطر استناداً على بعض النصوص القرآنية التي يحلو له تأويلها كيف ما أراد أشتهى، ولعل المجرم يعذبه ضميره في لحظة ما، إلّا هذا الأصولي، يقتل بدم بارد حباً بالله والآخرة والحور العين.

ونجد ليبرالياً مهموماً بحرية الإنسان ويعلو من قيمته كغاية مقدسة، أوعلمانياً مخلصاً يناضل من أجل فض النزاع السياسي الذي تمتهنه الأحزاب الدينية باسم الله .

لكنه لا يأخذ صك الغفران الأبدي من الفساد والتلاعب بمقدرات الناس، فالأنا التي تتملّك المتدين هي نفسها لدى العلماني وغيره، ذلك إن الأنا ربوبيتها كونية وليست محلية!، ولا تفرّق بين هوية وأخرى.

فالجدل الصبياني المحموم بين المتدين وغيره، محض جدال صبياني لا يتسم بالمسؤولية بقدر ما تحركه دوافع نفسية مأزومة. السياسة لا دين لها ولا مذهب، ولو أمطرت السماء دولارات لتطاحن الناس لجمعها باختلاف هوياتهم.

ليس كل من احتسى الخمرة أصبح ليبرالياً!، وليس كل من انتمى إلى دين أصبح حقاً مطلقاً، فتلك مسوغات تحاول تغطية الفساد والخراب المدفون في أعماقنا.

الإيمان بمبدأ فكري شيء، وتطبيقاته في الخارج شيء آخر. نعم، نختلف على الإطار النظري، ومن حقنا النقاش والنقد، لكن عن السلوك نتحدث وليس عن غيره، ولا تنفع هنا الأطر النظرية، قد تكون هذه الأخيرة مسبوكة بدقة وعمق، لكن سرعان ما يكشف زيفها الواقع وصخرته الصلبة التي تحطم أدمغة الكثير، والقلّة القليلة من استطاعت الاعتصام بضميرها. بغداد اليوم