أوراق من الذاكرة"4"

عمال ومهندسون في مناجم الحسينات / النبار

في بداية اب /19900دخلت القوات العراقية الكويت، وأعلنتها محافظة عراقية جديدة، وكانت مقدمة لحرب/1991خسر فيها العراق اكثر من نصف قدراته العسكرية، وكانت إيذانا بدخوله بيت العنكبوت الامريكي، الذي استخدم كل قدراته للوصول الى هذه الطريدة ،التي سقطت بشباكه بسبب طموحها السياسي ومن تأثيراتها على عملنا، هو حرماننا من العمل في كردستان العراق واقتصاره على مناطق الوسط والجنوب، اشتركتُ في مشروع مسح هندسي لمناطق( مكحول-الشرقاط-الموصل)، وكان مقر عملنا وسكننا في بناية تابعة للمتحف التاريخي لمدينة الشرقاط/أشور التاريخية. توطدت على اثرها، علاقتي مع  مدير المتحف/احمد الجبوري، الذي كان كثيرا ما يدعوني الى معاينة قاعاته، والاطلاع ،على مقتنياته وتحفه، ومصوغاته، الفضية والذهبية، وحتى جراره الفخارية، الحاوية على هياكل عظمية، والى الزقورة المجاورة لمبنى المتحف، ملمحا الى تشابه المدافن والمعابد، ليؤكد بعدها ان حضارة وادي الرافدين واحدة ممتدة من الجنوب الى الشمال. مضت ايام الصيف القائظ تباعا، نقضي النهارات بالعمل، وأمضي وقتي بعد الظهيرة في السباحة بالشط، وقد وقعت حادثتين خارج السياق. الاولى حضور مجموعة من الشباب، وإطلاقهم بمبات " مفرقعات" لصيد السمك وكانوا مشغولين بجمعه من جهتنا، وعند ظهور واحدة في الضفة الاخرى قالوا انها من نصيبي، ما دفعني للسباحة نحوها وإمساكها، وبلوغ الضفة اليمنى للحصول على خوص سعف النخيل، لربط خياشيمها وإسهال عملية مسكها، سيما وانها كبيرة، رجعت الى النهر، وفِي منتصفه، أطل رفش برأسه، وهو يتجه نحونا، لم آبه له، وعبرت بسرعة وانا اسحب السمكة باليد الاخرى، لتصبح وجبة عشاء لذيذة للجميع. والثانية جرت في اثناء عادتي اليومية في عبور النهر، والجلوس في الضفة اليمنى الزراعية، متأملا و مستمتعا بالجمال والسكينة، ولكن هذه المرة تبعني احد العاملين معي، وفِي منتصف النهر بدأ يستغيث لانقاذه من غرق محتم، لم أفكر قفزت بسرعة، متوجها نحوه، وعند اقترابي تجنبت أذرعه، وأمسكته من رأسه، وسحبته الى جانبي وانا ادفع نفسي الى الضفة اليسرى حتى بلوغنا الى المنطقة الضحلة، وأخرجته وغسلت أقدامه من الأطيان العالقة بها، وقدته الى المسكن
ازدادت صداقتي مع  احمد، والذي دعاني الى زيارة اهله في قرية صديرة العليا، وكنت استمع الى أحاديثهم باهتمام وود كبير، بعض العجائز، عبرن عن حزنهن، بسبب الاعدامات التي طالت ابناءهم، بدعوى مؤامرة الجبور، لازداد قناعة بحماقة وقسوة النظام الذي لم يوفرها حتى على أعمدته وقاعدته
واخيرا في احد ايام  العمل بمحطة قياس عند الضفة اليمنى من نهر دجلة قرب الكوير واثناء النمذجة وتدوين الملاحظات، هرعت إلينا مجموعة من النسوة العاملات في الحقول، مذعورات، لإنقاذهن، من تهديد بالخطف. طمأنتهم ، واصعدتهم، بالسيارة، وأرجعتهم الى قراهم. وبت مدركا، ان الخطوط الفاصلة بين العراقيين، ستصبح حدود للكراهية والخوف، ضمن مخطط، لتمزيق، هذه السجادة البشرية المتعددة التشكيلات والالوان. يتبع.