بقاء العراق ضرورة ستراتيجية دولية

في لقاء تلفزيوني بعد بضعة ايام من احتلال الموصل في حزيران 2014 وعلى إحدى القنوات الفضائية طلب مني المقدم التعليق على تصريح لرئيس وزراء اقليم كردستان يرى ان العراق الذي نعرفه انتهى، وان كل شيء بعد احتلال الموصل  سيكون مختلفا فأجبته أن هذا الكلام هو من قبيل الامنيات، وان الدول لا تختفي او تنهار بهذه السهولة.

ان انهيار دولة او اختفاءها لا يرتبط فقط بفشل هذه الدولة دون ان يؤثر ذلك سلبا على الجيران والاقليم، واحيانا العالم بحسب اهمية البلد المعني. ان هذه الاهمية هي ما يطلق عليها الجيو بوليتيك بالانكليزية او الجغرافية السياسية بالعربية وهي تعني اهمية البلد المتاتية من موقعه الجغرافي ودوره السياسي الناجم عن ذلك الموقع, وفي هذا المجال لا يوجد بلد بدون اهمية جيوبوليتيكية، لكن هناك سياسة تعطي للاهمية الجيو بوليتيكية ابعادا اكبر او سياسة غير كفوءة تضعف الميزات الستراتيجية للبلد، اما بسبب وقوع البلد تحت سيطرة قوى خارجية او بسبب عدم كفاءة قيادة البلد او بسبب الاثنين معا.

عندما نقول قيادة كفوءة فان اولى صفاتها الفهم العميق لميزات البلد الستراتيجية او اهميته الجيوبوليتيكية والاستفادة القصوى من هذه الاهمية, ويمكن في هذا المجال ان نذكر امثلة كثيرة على دول محدودة الاهمية الجيوبوليتيكية، لكنها نجحت بسياساتها ان تلعب دورا هاما وكبيرا لا يتناسب مع ميزاته الجيوبوليتيكية المحدودة،  في حين انه يندر وجود دول تتمتع باهمية جيوبوليتيكية كبيرة، لكنها محدودة الاهمية بسبب سياساتها، وهو الامر الذي ينطبق على الحالة العراقية، حيث العراق فقد الجزء الاكبر من اهميته بسبب تفريط نظام صدام بقوة العراق واهميته الجيوبوليتيكية بادخاله في معارك غير متكافئة استنزفت الكثير من عوامل قوته ورهنت مصيره بيد القوى الاجنبية التي اصبحت بمرور الزمن جزءا من المعادلة الداخلية عن طريق خلقها لمراكز قوة محلية تمثل مصالح هذه القوى وهو ما يصعب مهمة اي حكم او قيادة تريد استعادة استقلال البلد واهميته الستراتيجية فكيف ونحن في العراق نفتقد للحد الادنى من الكفاءة الادارية حتى لحكام البلاد ناهيك عن اشكاليات في مفهوم وطنية هؤلاء الحاكمين  هذا عدا عدم وجود فهم معقول لبلادهم ونقاط ضعفها وقوتها.

يسود القلق اوساط عراقية حول مصير البلاد وامكانية تقسيمها الى عدة كيانات او انهيارها وهو قلق مشروع بسبب وضع العراق الراهن وضعفه الذي تترتب عليه كل يوم قيود والتزامات تؤثر على استقلاله وعلى اهميته الستراتيجية,.لكن مصير العراق لا يعني العراق فقط، كما ان انهياره قد يعرض الجيران والاقليم بل وحتى امن العالم لمخاطر فوجود اي كيان له مزايا جيوبوليتيكية يخلق مصالح متبادلة بين هذا الكيان وكيانات اخري في المنطقة والعالم، ناهيك عن ان اتباع سياسات معينة تزيد من اهمية الكيان لكيانات اخري بحيث قد تصبح المصائر مشتركة.

رغم كل ماجرى للعراق وتراجع ثقله الستراتيجي وضعف قراره وقوة التاثير الاجنبي، الا انه لازال مهما لدول الاقليم وقوى عالمية خارج الاقليم أيضا, وهذه الاهمية يمكن تعزيزها وزيادتها بوجود سياسات ناضجة وبعيدة النظر فرغم رغبة كل دول الاقليم بعراق ضعيف، لكنها تخشى انهياره لما لذلك من ارتدادات سلبية خطيرة على كل كيانات المنطقة كل حسب ظروفه وطبيعة تاثره من هذا الانهيار, ولقد اثبت الاحتلال الاميركي للعراق ومااعقبه من احداث كانت لتطيح بارسخ الكيانات السياسية ان العراق مهم جدا لامن واستقرار دول الاقليم بل هو مهم لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة، ولعل تجربة احتلال داعش لجزء من الاراضي العراقية ورد الفعل الدولي عليه دليل على ذلك، وهو ما يعززه التحرك السعودي الاخير تجاه العراق بعد ربع قرن من المقاطعة والسياسات العدائية فهمت السعودية بعدها ليس فشل سياساتها ازاء العراق ولكن المضاعفات السلبية  لتلك السياسات.

ان مصير العراق ومستقبله الذي لا يبدو مصدر قلق او اهتمام من نخب الاسلام السياسي الحاكمة هو كذلك لقوى عالمية واقليمية ترى ان انهيار العراق امر له تداعيات سلبية مباشرة او غير مباشرة عليها، ومن ثم فهي وان كانت لا ترغب في ان يتعافى العراق ويصبح قويا، فانها تعمل على ان لا ينهار او يختفي.. يحتاج العراق قيادة تفهم ان العراق هو ضرورة ستراتيجية للمنطقة وتعمل على تقوية القرار الداخلي مستفيدة من رغبة دول عديدة ببقاء العراق دولة والتناقضات بين هذه الدول.

العالم الجديد