ما الذي تبقى من صدام الحضارات بعد ربع قرن تقريباً؟

من خلال نظرة شاملة لمسرح الأحداث العالمية يُلحظ أن الصدام الذي يبدو للعيان هو صدام بين الدول وفي الوقت نفسه ما الذي يختفي خلف كواليسه؟ إنها الهويات الثقافية، لذلك نجد أن مؤلف كتاب صدام الحضارات واعادة بناء النظام العالمي الجديد قد كشف عن المحرك الذي لا يتوقف في دفع ذلك الصدام بديمومة بين الدول، وهذه ظاهرة بدأت تبدو للعيان .

ومن الواجب القول، إن فكرة صدام الحضارات لم تكُن بالفكرة الجديدة في عصرنا، إنما لها امتدادات تاريخية تبدأ منذ بدايات القرن العشرين، ولاسيما في منتصفه مع توينبي في كتابه الحضارة في الميزان تحديداً إذ هناك شرح واضح لهذا الموضوع، وبرنارد لويس في تعليقه على حرب 1956، أو كما تُعرف لدينا بالعدوان الثلاثي على مصر وعاد الى ذلك في عام 1990. ومع المهدي المنجرة بعد حرب الخليج الثانية في كتابه الحرب الحضارية الأولى، ولكن هذه الفكرة برزت على الساحة الإعلامية نتيجة لتقديم دراسة معاصرة من هنتنغتون قائمة على أساس تصور إن السياسة العالمية يحكمه إنموذج صدام الحضارات وحصلت على دعم بعض المؤسسات الامريكية في حينها، فضلا عن الترويج الإعلامي لها، بالاضافة لما شهده العالم من أحداث الحادي عشر من أيلول .

لكن هل مازال مسار البحث وفق الشجب والتبرؤ الطقوسي من كتاب هنتنغتون؟

يمكن تقديم اجابتين عن هذا السؤال احداهما تنفي الاخرى، الاولى/ هناك من الباحثين اليوم ممن هو مختص في الثقافات والحضارات يرى نفسه هنتنغتونيا، اما الاجابة الثانية/ فهناك من يحرُص على أن ينأى بعمله عن عمل هنتنغتون عبر توجيه النقد الى تصور الاخير .

وبالعودة الى العنوان ما الذي تبقى من صدام الحضارات؟ وهذا السؤال يؤدي الى سؤالين آخرين، الأول، هل نقرأ اليوم إطروحة هنتنغتون بوصفها كتاباً أم إنموذجاً نفهم من خلاله السياسة العالمية مابعد الحرب الباردة؟ والانموذج يتم استعارته هنا من توماس كون (صاحب كتاب بنية الثورات العلمية)، وهذا ما فعله هنتنغتون. والانموذج يعني (جملة المقدمات النظرية التي ترسم طريق البحث العلمي، وتعترف بها الأوساط العلمية في المرحلة المعنية) .

أما السؤال الثاني، فهو هل مازال كتاب هنتنغتون يُلبي مطالب اللحظة الحاضرة ؟

بالنتيجة هو ليس ادبياً يمكن القول عنه أنه ربما يحقق الخلود، أو على الاقل فترة اطول من النصوص الاخرى -على اعتبار أن النص الادبي يمتاز بذلك-. وما ينطبق على نص هنتنغتون أيضاً ينطبق على النصوص الفلسفية التي هي ليست بذات قيمة مطلقة في حد ذاتها لأن الظروف التاريخية تتغير وتؤدي الى تغييرات يفترض بالفلسفة أن تقدم لها اجابات أخرى أو اسئلة اخرى، فكيف بحقل النصوص السياسية الذي ينتمي له نص صدام الحضارات؟ (لذا يمكن القول أن نص هنتنغتون ينتمي اليوم أو في السنوات القليلة المقبلة الى التراث السياسي، أما انموذجه في تفسير السياسة العالمية فيُعد فاعلاً اليوم) .

فلو يتم الرجوع الى الفرضية التي تمثلت في مقالته التي كتبها في عام 1993، من دون الرجوع الى تفاصيل الكتاب الذي طبع عام 1996 الذي يلحظ فيه هناك بدانة في الكتابة واستغراق في التفاصيل، لا تنفع الباحث اليوم لأنها تنتمي لسنوات سابقة، تنفع حين اصداره، أما اليوم فإن فرضيته المتمثله بإنموذجه هي التي تعد فاعلة .

ان الموضوع الرئيس في إنموذج هنتنغتون هو أن الهوية الثقافية هي التي تشكل نماذج التماسك والتفكك في عالم مابعد الحرب الباردة. وهنا ينبغي القول إنه وعلى الرغم من أن هنتنغتون لا يعتبر مفكرا مفاهيميا، إلا أن المفاهيم التي استعملها تدل على ادراكه لدلالة ما يستعمل من مفاهيم. سواءً أكانت ( الصدام / الصراع، الثقافة / الحضارة، الانموذج، سياسة الهوية....الخ) .

راهناً، لو أُخذ إنموذج صدام الحضارات لنفهم من خلاله السياسة العالمية، كما اراد له هنتنغتون، نجد أن هذا الانموذج لا ينفع في فهم السياسة العالمية فحسب، إنما تمتد أهميته بأنه إنموذج يُفهم من خلاله السياسة المحلية أيضاً، فمثلا دولة تحتوي على عدة هويات ثقافية، وتشتغل وفق إنموذج الدولة الامة التي تسود فيه هوية واحدة وتعمل على الغاء الهويات الاخرى-مثلما حصل في العراق زمن البعث-، وهذا الحال يقترب ممن يدعي تشكيل حضارة عالمية تشمل الجميع، فهويتها ستكون وفق الحضارة المهيمنة التي هي الغربية وفي حال تحقق ذلك سيحصل الصدام. ومع إنموذج الدولة الامة كذلك هناك جماعة تسعى لفرض هويتها على الجماعات الاخرى، وهذا ما يؤدي الى عدم الاستقرار في تلك الدولة .

والذي اراد قوله هنتنغتون أن العالم ما بعد الحرب الباردة يحتوي على عدة ثقافات وليست ثقافة واحدة، وكذلك هذا الامر ينسحب الى السياسة المحلية أيضاً فإن بعض الدول التي تحتوي على عدة ثقافات يفترض بها الاعتراف بهذا التعدد وعدم الاشتغال على انموذج الدولة الامة، بل وفق إنموذج الدولة متعددة الثقافات .

والمسألة الاخرى التي يفترض الرجوع اليها والمتعلقة بعلاقة هنتنغتون بمؤسسات صنع القرار، فالامر من الصعب فهمه في حال قرائته وفق المنظور الشرقي للمثقف الذي بُني على صورة من صور المثقف الغربي الناقد للسلطة. أما عن الصورة الاخرى للمثقف فهي الصورة التي يمثلها الجزء الاعظم من مثقفي اميركا بشكل خاص أو ما يعرف بمراكز البحث لكن ليس أية مراكز بحث انما من نوع الـ Think Tanks أي سماسرة الافكار، وهي الصورة التي تشير الى التعاون بين المثقف والسلطة .

قيس ناصر راهي

دكتوراه فلسفة سياسية

باحث في قسم الدراسات السياسية - مركز دراسات البصرة والخليج العربي

صفحة المثقف