اين "القيادة المركزية"؟ بطولة المهزومين (2/2)

ظهرت الشيوعية في عراق الثلاثينات كلحظة اقتضتها ضرورات الاحتدام الداخلي، والتطورات الدولية المواكبة، وكان التصادم بين "مجتمع اللادولة" العراقي الاسفل، والحضور الغربي الاستعماري المباشر، قد شهد تفجرا غير عادي بمجرد وصول البريطانيين المحتلين، بالاخص بعد احتلال بغداد عام 1917، ماكان قد وسم تاريخ العراق من يومها الى الوقت الحالي، بالاخص مع هزيمة العقل العراقي، وعجزه التاريخي وقتها، عن مواكبة حيثيات وتفاصيل ومميزات الموضع الذي يفترض به التعبير عنه، فوقف بناء عليه، دون ادراك نوع او نمط الصراع الناشي، ومال من فوره لاعتماد الرؤية، وادوات الحكم والتحليل الملتحقة بالاطار العام، مع المنظور الاستعماري للعراق، وان بدا غير مباشر، ومغلف بتضاد مع الحضور الاستعماري، من نوع، المعروف من اطر وترسانة تحليل، مستمدة مما يعرف بادبيات "حركة التحرر الوطني العالمية" الشائعه في حينه.
فالعراق الذي احتله الانكليزوقتها، لم ينظر اليه بحسب طبيعتة، اودرجة تشكله الوطني الحديث، كما ان احدا والحالة هذه، لم يدخل في اعتباره، الانشغال بغير سطوة قوانين التشكل الوطني المعروفه في النموذج الغربي للمجتمعات والدولة، فالانكليز، قرروا عمليا وعلى عجالة من امرهم، الامساك بالبلد من القسم المهيأ للاخضاع، وهو نفسه الذي كان محتلا من الاتراك، اي القسم المعروف منه ب"الجزيرة"، وفي قلبه ومركزه بغداد، حيث مجال تشكل السلطات القاهرة البرانية، او الداخلية المنفصلة عن مجتمع اللادولة، الذي هو "مجتمع ارض السواد"، كما يقسمه الجغرافيون القدامى، كما المؤرخون في العصر الحديث وبمقدمهم عبدالعزيز الدوري ( راجع ـ تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري ـ الدكتور عبدالعزيز الدوري/ دار المشرق / بيروت ط2 / خصوصا الفصل الاول منه ) مؤشرين لنمطين من نظام الارواء، مع ما يترتب عليه، من اختلاف مفترض في التشكل المجتمعي، ماقد عجز عن ملاحظته الدارسون الى اليوم، وبالاخص عن رؤية معنى وجود نمط مجتمع اللادولة جنوبا، واشكال الدولة القاهرة في القسم الاعلى.
ولقد واجه الانكليز والغرب، والثقافة والفكر العراقيين، كما برز في العصر الحديث، تحد اساسي على هذا الصعيد، فشلوا جميعا بمواجهته، واصيبوا بقصور تاريخي، ازاء نمط ونموذج مجتمعي، ظل اكتشاف طبيعته، ومكانه كنموذج ضمن الكيانات المجتمعية، يفوق القدرات، والطاقة العقلية المتاحة، والممكن افتكاره في حينه، فاخضعوه لما وجدوه امامهم، وفرضواعليه تصورا ومفهوما قاصرا، مستحضرا من النموذجي الغربي، واعتبروا ان عراقا حديثا، نشأ اليوم بحصيلة للاندراج في السوق الراسمالية العالمية، وعملية التوحيد الاجتماعي والاقتصادي، وصولا لظهور سوق وطنية موحدة، مفترضة، ادت لقيام شعب واحد، وكيان واحد ودولة واحدة. وهذه الترسيمه ارساها فيليب ويرلند، الضابط الانكليزي الملحق بالحملة البريطانية، في كتاب وضعه عن تاريخ العراق السياسي الحديث، وتبناها جميع الحداثيين الايديلوجيين والاقتصاديين الكبار اليساريين، ومنهم محمد سلمان الحسن، الذي يضع مقولة ويرلند الاستعمارية، في صدر مؤلفه الكبير الشهير، عن الاقتصاد العراقي.
ولا يقع الذنب على العلمانيين، والحزبيين الايديلوجيين، الشيوعيين والليبراليين، أوالقوميين، كونهم قد قصروا في وعي ذاتهم، فهؤلا بالاصل قوى من متعلمين " افندية"، خرجوا للتو من ظلمات وانحدار طويل: ( حقبة انقطاع حضاري، هي من خاصيات تاريخ العراق تبعت سقوط عاصمة الخلافة بغداد في القرن الثالث عشر)، اخره العهد العثماني، وهم قد تاثروا وقتها بالاجواء في منطقة الساحل الشامي، ومصر، والمتمحورة حول افكار مايعرف ب"عصر النهضة"، وهو ما لم يكونوا اصلا مساهمين متحمسين وفعالين فيها، ولامتقدمين، لاسباب ذاتية وموضوعية مانعة، وتكوينية، متاخرة زمنيا واعدادا، و ولم يكن ذنبهم انهم ابناء كيان مركب ارقى من المتعارف عليه، ومن وعيهم الآني، مقارنة بالمعتمد، او المعتبر كقمة على المستوى العالمي في حينه، حتى وان القى عليهم هم بالذات، من دون غيرهم بالمسؤولية، فالواقع الذي يحتويهم، ويميز مجرى حياتهم وتفكيرهم، واجمالي وجودهم، وتجربتهم. ماكان متوقعا ان يتيح لهم في حينه الانتقال فورا، وبمجرد الانتباه للحداثة والغرب، للتصرف كابناء كيان مزدوج موحد من مجتمعين متصارعين تاريخيا، هو اعلى اشكال البنى المجتمعية المعروفة على الصعيد التاريخي.
ولم تكن "خيانة" هؤلاء لذواتهم التاريخية، وفرضهم وصفا مستعارا مفبركا لها، اصله الانموذجي غربي غير قابل للتحقق، واكراهها على الانصياع له، غير مفهومه، او مما يستحيل تبين مبرراته واسبابه، فتبني مفهوم "المجتمع الواحد"، و " الدولة الواحدة" الغربي، وتطبيقه على كيان المجتمعين المتحدين المتصارعين، ونظام الدولة الاحادية التمايزية، بمقابل مجتمع "اللادولة" التاريخي الرافديني، كان في حينه الادنى للتبني، والاقرب للتطابق مع المناخ الدولي السائد، كما انه يستجيب تماما لمستوى اعداد من تصدوا في حينه للمهمة، ومستوى معارفهم، ناهيك عن كون القضية التي نحن بصددها، من القضايا الكبرى كونيا، ومن النوع الذي يستحث عادة العقول غير العادية، والعبقريات التي لم يكن هنالك مايبرر انبثاقها في العراق يومئذ، لاسباب موضوعية وذاتية تاريخية، ناشئة عن اللحظة.
وقد لاتكون تلك المناسبة بما تنطوي عليه من تعارض بين الواقع التاريخي، والوعي باشتراطاته، هي الاكثر سوءا من حيث اثارها والانعكاسات المتولدة عنها على الصعد الوطنية كافة، فالاشكال الاخطر المتصل بهذه القضية الكبرى، يتجلى على وجه الخصوص، في تاخر انبثاق حركة وعي عراقية مابعد ايديلوجية، ومع الاسباب الموجبة لمثل هذا الانقلاب، وبالاضافة لها، كانت قد الحت بالذات بعد ثورة تموز 1958، الا ان تكرار لحظة، مشابهة لتلك التي عرفت في الثلاثينات، لم يحصل، وماحدث من عمليات اعتراض او انشقاقات في الستينات، ومنها واهمها ظاهرة "القيادة المركزية" عام1967 ، اثبتت بما لاشك فيه، ان حركة الاعتراض على الهيمنة الايديلوجية الغربية، وعلى الاستعارة المخالفة للحقيقة التاريخية لارض مابين النهرين، كانت محكومة بالمرور ببرهة تستمر خلالها خاضعة لسطوة الايديلوجيا، اي ان الانشقاقات ظلت مرهونة لشرط الاعتراض بنفس وسائل المعترض عليه، ولم يكن امام المنشقين في حينه، غير استبدال مدرسة ماركسية باخرى، الامر الذي مايزال البعض يتصورون انه سارالى الان.
مثل هذا الاضطرار، لم يكن قد عرفه المتغير الطاريء في الثلاثينات، فالظروف على كل الصعد الدولية والداخلية كانت ملائمة، وفتحت امام من تصدوا للتاسيسات الحزبية، ابوابا مشرعة، فالجيل السابق من الوطنيين العشرينيين، وعلى راسهم "جعفر ابو التمن" وتياره "الحزب الوطني العراقي"، كانوا يشارفون على اعلان الاستسلام، وزخم الحركة الشعبيه يتصاعد متجاوزا طاقة واستعداد القوى المتوافرة، والمتصدية لمهمة قيادة عملية الصراع مع الحضور الاستعماري، والاجواء الدولية تشهد استقطاباحادا، والوضع الاجتماعي الناجم عن اقامة الدولة البرانية، وقانون للارض يستهدف العلاقات التاريخية المشاعية الموروثة بالتخريب، فجر وقتها حالة صراع حاد قارب مستوى الحرب المصيرية، ماجعل الاستعارة والاكتفاء بدراسة النظريات الجاهزة، او الاطلاع عليها، ولو سطحيا، والعودة لتحويلها الى احزاب، او تيارات، يلاقي افقا متاحا، تتحول بموجبه الافكار الى تيارات فاعلة، بدون كبير جهد، ومن دون ان تتطلب ميزات استثناية، او فوق عادية، من الناحية الفكرية او العملية، فحركة الصراع بين مجتمع اللادولة، والطاريء الاستعماري، كانت تنتظر بالحاح، تعبيرا، او اطارا من اي نوع، ينطوي على قدر من الاستجابة لحركتها الدافقة، بالاخص وانها لم تكن من ناحيتها قد تسنى لها في حينه، او كان ممكنا لها، الافصاح المطابق عن كينونتها التاريخية فكرا وتنظيما، وماكان متوفرا من اشكال التعبير عن عملية التشكل الوطني، خلال الحقبتين السالفتين، القبلية والدينية التجديدية، تبث انه ادنى من مستوى التحدي المستجد، فقبل في حينه الادنى، والاقرب للانحياز لمجتمع اللادولة ومنحه سلاحا، وان كبديل عن ضائع، وكنوع من المصادقة على مايوفره الامر الواقع.
هكذا تشكل في حينه نمط وعناصرالصراع المستجد، فاستؤنف نوع من مسار التشكل الوطني، مختلف عما سبقه خلال الحقبتين الاسبق، ابان فترة الاحتلال العثماني، وبغض النظر عما يقوله وكرسه الانكليز والغرب، ومن يتبع نموذجهم من الحداثيين، فان العراق لم يكن قد تشكل عام 1920/ 1921، حين اقيمت الدولة، وظهر الكيان، والعراق الذي قام وقتها، لم يكن سوى عراق مصاغ بالاكراه الاستعماري، بظل غياب مفهوم واليات التشكل الوطني المتطابقة مع الحقيقة الكيانية العراقة التاريخية، ومع غياب كلي للعقل العراقي، ماسهل على الغرب وقتها، فرض على من وجدوا من العراقيين داخل الكيان المقرر من المحتلين، ان يكونوا اعضاء، ومواطنين ضمن كيان جغرافي لامجتمعي هم فيه سكان بطور التشكل. فالمجتمع العراقي، او الكيان المزدوج العراقي، لم يكن وقتها قد بلغ المراتب التي يمكن ان يقال عندها، ان العراق اكتمل حضورا على المستوى التاريخي الحديث.، لابل ان ذلك لم يحصل الى اليوم، بعد قرابة قرن من الزمن. ومازالت افاق وموضوعات الوطنية العراقية الى الان، قيد البحث والتشكل، والصيرورة.
ولايشمل مثل هذا الاكتمال التاريخي المنتظر، شكل تجلي النظام، اومايعرف بالشعب، او المجتمع المنتظر ظهوره بنتيجة تراكمات، ومسار، وتعرجات حركة التاريخ العراقي الحديث خلال القرون الثلاث المنصرمة، منذ عادت من جنوب العراق، آليات التشكل المجتمعي والدورة الحضارية الثالثة للظهور، مؤشرة على بدء عملية صعود مطردة. وهنا يكمن جوهر الاختلاف الكبير والعميق بين اللحظتين، الثلاينية، مقارنة بالستينية، التي نحن بصددها، فالاولى كانت لحظة، اوحقبة فرض النمط الكياني الغربي، على، وبالضد من سيرورة التشكل الوطني الامبراكوني، في حين تنتمي اللحظة الستينية، الى بدء نهاية وانكفاء تلك الحقبة، مع استمرار تعذر تبلور مابعدها، ان بقاء الاحزاب الايديلوجية، الشيوعي اولا، والقوى القومية، والليبرالية، بعد الستينات، لاينتمى الى اي فعل في الحياة، او الى اي مشروع متصل بالصيرورة الوطنية، التي عبرت وقتها التحدي الغربي، لتصبح على اعتاب مرحلة "مابعد غرب".
لم يكن عزيز الحاج، خارج نبض الحقيقة التاريخية، هو وكل المهزومين ظاهرا، ومنهم "ابراهيم علاوي"، السادر وراء خيال مستحيل، عدا "امين الخيون" نموذج الذكاء الحاد، والجراة القريبة من التهور الجامح، وعشرات من الكوادر المنتمين لليسار، ول" القيادة المركزية"، ممن قعد بهم عمق الاحساس بالنهاية، وقتل فيهم الروح، فكفوا عن معاندة الزمن بالادعاء الكاذب المترجم الى ضحك على كينونتهم، مع انهم ظلوا يتحسسون نبضه بعمق، واما الذين ظلوا يلقون اللوم على مسببي الفشل المنشقين، والمتعاونين مع النظام، فلم يكونوا سوى قوة منتهية الصلاحية، اعضاء اصلاء في الجبهة العدوة، لم تعد تملك خطابا خارج الحديث عن ضخامة التضحيات المهدورة بلا جدوى على ايديهم، مع مظاهر منافقة من حسن السيرة والسلوك، كانهم جمعية خيرية ان لم تكن "ماسونية" يديرها دجالون.
دخل العراق منذ الستينات والسبعينات تاريخا اخر، هو تاريخ بطولة المهزومين وماساتهم، تلك التي ستؤسس لعالم مشحون بقوة دفق الحلم المقتول، لم يكن زمن الستينات ورجاله المنشقين بلا افق، من نوع اولئك الذين تستدعيهم الحياة بيسر وسهولة، وان كانوا بلا بصر ولابصيرة، فتدلهم على الطريق، وتسدد خطاهم كما فعلت مع الثلاثينيين. الان ينفتح باب الالام على سبيل معتم اقرب للاستحالة، كما هو سجل تاريخ البشر في هذه البلاد، حيث العيش الابدي على حافة الفناء، وحيث لايكف صوت التاريخ عن العويل، على امل ان يسمع يوما، لعلهم يجدون بين اوراق الازمان المدفونة، او يجد احد منهم، البصيص، او بداية الخيط، فيوميء نحوه، قبل انقلاب المشهد، وظهور قوس قزح التاريخ، اخذا الابصار نحو زمن الامبراكونيا .. زمن ما"بعد غرب"، عند لحظة الخروج من وطاة الكيانية المفتعلة، والمجتمع والوطن المفروض قبل اوانه، وبالضد من كينونته المصنوعة من الغائية العليا، لغرض مضمر في قلب الكون ونبضه.
يتبع 
اين "القيادة المركزية"؟:
من عزيز الحاج الى الامبراكونيا ( 2مكرر/2)