عن ظاهرة فساد وهروب وزراء عراقيين ذوي جنسيات مزدوجة:عراقيون... مُقبلينَ ، أجانب ....مدبرين !

أعادَ هروب محافظ البصره ، ماجد النصراوي ، إثر استدعاءه للتحقيق في ظل شبهات وتُهم فساد طالته ، مستفيدا من جواز سفره الاسترالي ، الى الاذهان ، قضايا سابقه مشابهه ، بهذا القدر او ذاك . منها هروب وزير التجاره الأسبق ، البريطاني الجنسيه ، فلاح السوداني ، بعد الحكم عليه من قبل محاكم عراقيه بتهم فساد في عقود وزارة التجارة وقبض عمولات ورشى بملايين الدولارات . وكذلك " تحرير وتهريب " وزير الكهرباء الأسبق ، ايهم السامرائي ، من سجنه ، من قبل قوّة عسكرية امريكية ، وعلى اساس كونه مواطنا امريكيا ، بسبب تهمة فساد كبرى قيل ان مبالغ الفساد فيها وصلت الى سبعة مليارات دولار ، في حينه. وقد سبق هؤلاء ، جميعا ، حازم الشعلان ، وزير الدفاع العراقي الاسبق ، الذي هرب الى " بلده " الثاني " او ربما " الاول " ، لا ندري ، بريطانيا ، تخلصا من المحاكمة بتهمة استحواذه على مبالغ عقود تسليح وتجهيز بمئات الملايين من الدولارات ! 
لقد تشبث ، هؤلاء ، وعشراتٌ غيرهم ، من الفاسدين والمرتشين والسراق وحتى الارهابيين والخونه، من شاغلي الدرجات والوظائف العامه الأقل اهمية ، مثل وكلاء الوزارات او المديرين العامين او غيرهم ، بما اتاحه لهم ازدواج الجنسيه من امكانات وقدرات على ممارسة نهب المال العام وخرق القوانين والأنظمه وقواعد السلوك الوظيفي بشكل صارخ ، وغير مسبوق ، مع ضمان النجاة من العقاب تحت عباءة جنسيتهم الاجنبيه وما توفره من حمايه او على الاقل طريق رجعه ، والاحتفاظ بالكسب غير المشروع الذي جنوه او استثماره في بلدان المهجر والعيش بقية العمر في بحبوحة اسطوريه ، على حساب شعب يعاني الامرّين من فسادهم واستهتارهم بحقوقه وأمواله .
نعم ، لقد هاجر وهُجّر مئات الوف العراقيين ، بل ملايينهم ، ابان حكم البعث وصدام ، بدواعي الخوف او الظلم او الاضطهاد او للنجاة بأرواحهم من اتون المحارق والحروب العبثيه ، مُكرهين لا راغبين ، وعانوا الأمرّين في بلاد الغربة والشتات ، وبسبب من ذلك ، ولضرورات عمليه وحياتيه تجنّس العديدون منهم بجنسيات بلدان المنفى والغربه . هذا واقع مفروض لا سبيل الى انكاره . لكنه يعني ، فيما يعنيه ،ان عوائل هؤلاء الذوات ، خصوصا من استقر منهم في بلدان المهجر لعقود من السنوات ، قد نشأت وتفتحت وتعلمت وعملت واندمجت مع تلك المجتمعات ، ونعرف من خلال امثله ملموسه ومعاشه من اقربائنا واصدقائنا ، ان عودة هذه العوائل وانسجامها مع الوضع العراقي ، وايضا بسبب الوضع العراقي نفسه وعدم استقراره وانطواءه على تهديدات ومخاطر جديّه ، بات صعبا جدا ان لم يكن مستحيلا ، وان العائد منهم هو اقرب الى الزائر لا المقيم او المستوطن . كما ان مما لا سبيل الى انكاره ان مصالح الانسان وارتباطاته وعلاقاته المعاشه ذات تاثير اساسي في حياته ، فمن يعيش مع عائلته في بريطانيا او السويد ، لعشرين او ثلاثين سنة او اكثر ، ترتبط معظم ضرورات حياته ومجرياتها وحاجات ابناءه وتفاعلهم بمجريات الواقع البريطاني او السويدي ، رغم حبه ومشاعره اتجاه وطنه الاول الذي يتراوح ، تبعا لكل حاله ، بين ذكرى عزيزه او تواصل عبر فاعليه عائليه او فكريه او ثقافيه او حتى سياسيه ، لكن امر عودته وتجذير حياته مرّة اخرى في وطنه ، يبقى موضع تساؤل جدّي ، خصوصا في ظل الوضع العراقي وماهو عليه منذ 2003 حتى اليوم ..
اذن ، فيمكن نتيجة ظروف العراق ومعاناة العراقيين التي استمرت عقودا ، وما نتج عن ذلك من تشردهم في اصقاع الارض وتجنسهم بجنسيات اخرى ، القبول بازدواج الجنسيه ، كأمر واقع ، كما نص على ذلك الدستور في الفقره الرابعه من الماده 18 ، بل والقبول بأن يحظى هؤلاء بكل ما يحظى به ابناء وطنهم من ميزات ، وان يُعوضوا عن سنين التشرد وما لحق بهم من ظلم وانتهاك ، فيستفيدون من القوانين التي عالجت هذه الحالات ، مثل قانون السجناء والمفصولين السياسيين ، وان يتمتعوا بالحقوق التقاعديه عن خدمتهم الوظيفية السابقه ،قبل تركهم العراق ، اواللاحقه ، بعد عودتهم اليه ، لكن امر تولي الوظائف العامه ، خصوصا السياديه وذات المساس بأمن البلد واستقرار المجتمع او تلك التي تتعلق بالمال العام ، يجب حظرها تماما على مزدوجي الجنسيه وقصرها على حاملي الجنسيه العراقيه حصرا ، بل وممن عاشوا في العراق لفترات معتبره حتى بعد ان يتخلون عن جنسياتهم الأجنبيه .

لقد اباح الدستور العراقي ، كما قدمتُ ، ازدواج الجنسيه ، لكنه طالب من يتقلد منصبا سياديا او امنيا رفيعا ، بالتخلي عن اية جنسية أخرى مكتسبة، غير ان الملاحظ انه لم يعزز ذلك باشتراطات اخرى ضروريه ، كأن يكون التخلي نهائيا، ومثبتا بالطرق القانونيه ، ويعتبر الرجوع عنه حنث باليمين يستدعى المساءله والعقاب القانوني.او ان تكون اسرة هذا الشخص الاساسية كالزوجة والاولاد او معظمهم او بعضهم قد فعلوا شيئا مماثلا ، كنوع من الضمانه وعلائم توفر النيّه على الاستقرار في العراق والارتباط به ، عمليا ومصيريا .
ان معظم دول العالم ، ومنها دول متقدمه ، ما تزال تحظر ازدواج الجنسية دون اذن حكومي . وبعضها تمنعه منعا باتا مثل الصين وتطلب الى من يتجنس بجنسية غير الصينية ان يتنازل عن او يترك جنسيته الوطنيه ، وفي فرنسا لا يمكنك ان تكون عضوا في البرلمان مع احتفاظك بجنسية اخرى حتى وان كانت اوروبيه . اما في الولايات المتحده ، الراعية والمروّجه لهذه التغييرات والقّيم ، في بلدنا والعالم ، فهي اذ تسمح بازدواج الجنسية فأنها لا تسمح ، مطلقا ، بازدواج الولاء ، وتطالب المتجنس ب" قَسَمْ الولاء "، للولايات المتحده ، بمعنى انه لو وقعت حربٌ بين الولايات المتحده الامريكيه ووطنه الام فعليه ان يحارب بلده الى جانب الجيش الامريكي ! وبالأ مس فقط ، الخميس المصادف 24/ 8 / 2017 قررت المحكمة العليا فى أستراليا ، دراسة ملف سبعة مسئولين فى الحكومة يحملون جنسية ثانية، إرجاء حكمها فى هذه القضية إلى العاشر من تشرين الاول( اكتوبر ) المقبل لجلسة يفترض أن تستمر ثلاثة أيام ، حيث يواجه سبعة برلمانيين ينتمون إلى عدد من الأحزاب بينهم ثلاثة مسئولين كبار فى الحكومة على الأقل ، مشكلة ، بسبب بند فى الدستور الاسترالي يحظر على مزدوجى الجنسية شغل مقعد فى البرلمان !
لقد كانت معظم قوانين العالم ودساتيره تحرّم او تنظر بشك كبير الى مسألة ازدواج الجنسيه ، لكن العقود الاخيره ، شهدت ، لاسباب تتعلق بطبيعة التغيرات في المناخات السياسيه ، العالميه ، تسامحا وقبولا متزايدا في مسألة ازدواج الجنسيه ، غير ان الحذر والتردد في مسألة تولي الوظائف العامه والرئيسه منها خصوصا ، من قبل مزدوجي الجنسيه ، بقي على حاله ، او انه لم يشهد قبولا وانفتاحا نظرا لتعلق الوظيفه العامه ، خصوصا في مستوياتها العليا بأمن ووجود ومصير المجتمع على نحو حاسم .
لكننا نجد ، في العراق ، ان رئيس الجمهوريه السيد فؤاد معصوم وكذلك رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي ووزير الخارجيه ، ابراهيم الجعفري من حملة الجنسيه البريطانيه ، ويمكن تعداد العديد من اسماء آخرين من الفاعلين الاكبر في الدوله العراقيه ، اليوم ، ممن يحملون جنسيات اخرى ، ايضا . وقد سبق ان كان وزراء ماليه وداخليه ودفاع وتجاره وثقافه وعلوم وتكنولوجيا وتعليم عالي وتربيه ومعظم الوزارات الاخرى وكذلك نواب برلمان ، ومديرين عامين ، وضباط في القوات المسلحه ،من مزدوجي الجنسيه، وقد حملوا جنسيات امريكية او بريطانيه او اوروبيه او ايرانيه او سعوديه او قطريه او غيرها .
ان هذا الواقع لا يطرح شكوكا بالنسبة للولاء والتماسك فقط بل ولصحة وشرعية ومنطقية شغل الوظيفه او الموقع حتى لاسباب عقلانيه وعمليه . ويمكننا ان نضرب مثلا، بما يفترضه المنطق والحس السليم ، في ما يجب ان يكون عليه النائب في البرلمان ، مثلا . فمرشح لتمثيل ميسان او بغداد او احد مناطقها كمنطقة الشعله ، على سبيل المثال ، يجب ان يكون من ميسان او بغداد ، او منطقة الشعله ، تحديدا ، لأن المعرفه بالمنطقه واحتياجاتها عبر المعايشه ، هو الذي يفترض في تمثيلها ، رغم الطابع اوالوجب الوطني للتمثيل البرلماني ، فاذا كان الامر كذلك ، هل يمكن القبول بان تُمثل الشعلة او الكاظمية او تكريت ، بمن عاش السنوات العشرين الاخيره من عمره وعائلته في الدنمارك مثلا ، ناهيك عن تجنسه بجنسيتها !
ان احد ابواب الفساد الكبرى والتجاوز على المال العام ، مع ضمان الافلات من العقاب القانوني ، بل ان احد ابواب التخريب الكبرى ، ضد مصالح الامن والمجتمع والاجيال العراقيه المستقبليه ، والتي ينبغي ان توصدّ نهائيا ، هو القبول بواقع واستمرار شغل المناصب الحساسه والسياديه ، ومنها ما يتعلق بالاداره العليا او الامن او القوات المسلحه او الماليه العامه من قبل مزدوجي الجنسيه ، دون النص على الزام من يشغل مثل هذه الوظائف ، بل ومن يترشح لعضوية المجلس النيابي او حتى مجالس المحافظات ، بالتخلي كليا ونهائيا وبصوره يمكن اثباتها قانونا عن جنسيته الاجنبيه هو واسرته قبل او حال توليه الوظيفه العامه . كما يقتضي المنطق السليم ان يكون قد عاش في العراق ، هو واسرته ، قبل ذلك عدد من السنوات تكفي لأن يلمس معاناة العراقيين وان يستشعر حاجاتهم ويرتبط مستقبل ابناءه بمستقبل ابناءهم .
لقد اقبل بعض هؤلاء ، على العراق ، مؤكدين على عراقيتهم وارتباطهم الصميم به وبوجوده ومستقبله ، متألمين على سنواتهم وطاقاتهم التي ضاعت في بلدان الغربه ، مؤكدين على تفانيهم ، في قادم الايام من اجل بناءه وخدمته ، " مستفيدين مما عرفوه ولقوه من خبرات وعاشوه من تجارب في بلدان متقدمه " ، لكنهم ما ان استغلوا المناصب التي استحوذوا عليها او اشتروها او جُعلت من نصيبهم من خلال عجلة المحاصصه الشيطانيه اوالارتباط بصانع الملوك الاجنبي ، فنهبوا ما نهبوا واختلسوا او اغترفوا من المال العام ما اغترفوا فاصبحوا، بعد تماديهم وانكشافهم ، هدفا للتحقيق او موضوعا للمحاكمه حتى عادوا يتشبثون بكل قوّة بجنسيتهم الاجنبيه بل وربما توسلوا بقواتها المحتله لانقاذهم ، بما نهبوا ، من القانون العراقي !