تقرير مستقبل العراق "2" تسويق جديد لإبقاء القوات الأمريكية

أشرنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة إلى أن اهداف تقرير مجموعة "مستقبل العراق" المكون من عدد من الشخصيات الأمريكية والعراقية المشبوهة يتلخص في النقاط التالية:

تجزئة السلطة في العراق إلى أصغر الأجزاء الممكنة وتثبيت توابعهم في السلطة، وربط العراق واقتصاده بالدول العميلة لأميركا في المنطقة وجعل ثرواته في خدمتهم، وفصل العراق عن جيرانه المستقلين عن التأثير الإسرائيلي والأمريكي المباشر، وتسليم الاقتصاد العراقي إلى الخصخصة واستعمال العراق كهراوة لضرب إيران وسوريا، وإبقاء القوات العسكرية الأمريكية في العراق إلى أمد غير محدود. وفي هذه الحلقة نناقش ما ورد في التقرير من إشارات الى الهدف الأخير.

.

يدعو التقرير القوات الأمريكية إلى "ضرورة البقاء" في العراق، ويورد الحجة الأخلاقية القائلة إنه “في حالة انسحاب الولايات المتحدة فإن العراق سينزلق نحو حرب أهلية، تشبه تلك الحروب الأهلية المستشرية في المنطقة. فقد انتشرت الحرب السورية حتى وصلت إلى العراق مع تنظيم داعش"

والصلافة في هذا الأمر ليس فقط في تجاهل حقيقة إن حروب الإرهاب في المنطقة كلها تعود بخيوطها إلى الأمريكان أنفسهم ودعمهم وتصويرهم لها على انها حروب "تحرر الشعوب" من الدكتاتوريات، منذ أفغانستان وحتى اليوم، ويمثل امساك المجندين البريطانيين المتنكرين بزي رجال دين وهم على وشك تفجير حسينية في البصرة عام 2005 الدليل القاطع بإدانتهم.

ولنلاحظ أنها لم تكن "حرب سورية"، ولم "تنتشر"، وإنما كانت فرق إرهاب قامت اميركا وإسرائيل بخلقها في الدول التي تسيطر عليها وخلطها بمحتجين على النظام، لتحطم سوريا. كما انها لم "تنتشر" بمعنى أنها انتقلت بسبب الأحقاد والنتائج من مدينة إلى مدينة وعبرت الحدود لاختلاط الشعبين مثلا، بل انتقلت تلك الفرق الإرهابية بأرتال عسكرية، تحت سمع وبصر الأقمار الصناعية والطائرات الأمريكية التي تسيطر على الأجواء، واحتلت مدنا احتلالا عسكريا بعد ان انسحبت القوات التي اسستها أميركا في العراق ووضعت على رؤوسها عملاء يطيعون أوامرها، وتركت أسلحتها لهم، فهل يصح لمثل هذا الاحتلال ان يسمى "حرب سورية انتشرت"؟ إنها ليست التعابير المناسبة، لكن ذلك ضروري لكي تمرر أكذوبة الحاجة الى أميركا.

ورغم أن مثل هذه المبادئ إقرار صريح بفشل تسليح وتدريب الجيش الذي كلف العراق مئات المليارات من الدولارات حين اوكل إلى الولايات المتحدة 14 عاماً، فلم تقم إلا بزراعة العملاء في قياداته ليسلموا المدن والأسلحة لداعش، فإن التقرير لا يتردد بالإشارة إلى حاجة العراق إلى “الإبقاء على تدريب القوات العراقية”!

ولشدة نقص مصداقية هذه الحجج، تم دعمها بالعبارة التالية: "وقد أعرب الغالبية العظمى من العراقيين الذين أشركتهم مجموعة العمل، ...عن رغبتهم في استمرار الوجود العسكري والدبلوماسي الأمريكي في العراق."

لقد استعملوا هذه "المجموعة" المختارة بعناية من أشد توابع الاحتلال، كدليل بائس على شرعنة عراقية لبقائهم، لأنهم لو سألوا العراقيين لكانت النتيجة بلا شك أسوأ بكثير من تلك التي اتضحت قبل بضعة سنين، بأن أكثر من 85% يريدون خروجهم فوراً، علماً أن هذا كان قبل فضائح أميركا بتمكين قوافل داعش من الوصول إلى الموصل ثم القاء المؤونة لها وقصفها للحشد والجيش العراقيين.

.

لقد كان أمل الأمريكان، خاصة بعد إغراق الجيش العراقي بالقيادات الخائنة ووضعهم رجلهم العبادي على رأس السلطة، أن تبقى داعش 30 عاماً كما صرح وزير الدفاع الأمريكي في وقتها، مانحة حجة ازلية لإبقاء قواتهم في البلد! وهو أمنية وليس "تقديراً" بلا شك، فمن المستحيل أن يتمكن أحد من حساب نتائج حرب بهذا البعد، بدليل ان أوباما تواضع بأمنياته وهبط بالرقم إلى 3 سنوات، أي إلى عشر مدة وزير دفاعه! فهل يعقل ان الأثنان لم يتحدثا مع بعضهما حين اعطى كل منهما رقمه الغريب؟

.

كانت إذن "طموحات" يمكن ان تتغير كثيراً، وليست تقديرات، لكن الحشد، وتحريره السريع للمدن، كان المفاجأة التي خربت الخطط، فاضطر الامريكان أولاً إلى التظاهر بالمشاركة في معركة التحرير للتمكن من حماية داعش وتأجيل التحرير لحين ترتيب الأمور. ثم ابتكروا فكرة بديلة لطول بقاء داعش، وهي ان الهزيمة العسكرية لداعش لن تكفي، وأن هذه الهزيمة لن تطول، حيث ستعود داعش بشكل آخر “اقوى”! وانتشرت الفكرة في الفضاء الاعلامي العراقي (وهو اعلام امريكي بنسبة أكثر من 90%) بشكل مدهش. وهاهو التقرير يحاول الاستفادة من هذه التهيئة الذهنية للناس، ليقدم الحل البديل: صحيح أن داعش ستهزم بسرعة، لكن لابد من استمرار التواجد الأمريكي لتحقيق "هزيمة طويلة الأمد" لها!!

وهكذا انتقل الخطاب الأمريكي من مبدأ "أن داعش لن تهزم، لذلك أنتم بحاجة لنا" إلى مبدأ "أن داعش لن تهزم طويلا، لذلك أنتم بحاجة لنا". والمهم هو النتيجة!

(لإيجاد الحلقات المنشورة على الفيسبوك يرجى استعمال الهاشتاك: #صائب_خليل_تقرير_مستقبل_العراق )