تقرير مستقبل العراق "3" الضغط الأمريكي لخصخصة العراق 

سنتحدث عن المؤشرات المقلقة حول النظرة الأمريكية لمستقبل العراق الاقتصادي والضغط نحو الخصخصة المؤدية إلى زيادة الفقر، كما وردت في تقرير مجموعة "مستقبل العراق" الذي أصدره "مجلس الاطلنطي". وهذه هي الحلقة الثالثة من سلسلة تحدثنا في الأولى منها عن التقرير بشكل عام، والاهداف الأمريكية المستنتجة منه بالنسبة للعراق(*) وفي الحلقة الثانية(**) تحدثنا عن النصوص التي تشي بسعي امريكي لإبقاء الاحتلال العسكري للعراق إلى اجل غير مسمى، والحجج المقدمة لتبرير ذلك
يسعى التقرير من خلال استخدام عبارات حيادية وإيجابية للتشويش على الحقائق التي يريدها، ويدعو إلى آليات وضغوط أمريكية ويقدم لها حججا لتبريرها. فيقول مثلا بـ "تبسيط الإجراءات القانونية" حين يقصد تحرير الشركات من القيود والشروط الضرورية بالنسبة للبلاد، وهكذا. ولإظهار حرص التقرير على مصلحة شعب العراق، نقرأ: "يعيش الآن واحد من بين خمسة عراقيين تحت خط الفقر". 
لكن القارئ سرعان ما يكتشف مثلا، أنهم لم يجدوا "إنجازاً" استحقت كردستان مديحهم عليه، سوى "رفع الدعم عن الأسعار"! وهو الإجراء الأشد شهرة لزيادة نسبة الفقر بين السكان في العالم! وهكذا يمضي التقرير حتى نهايته! فالـ 15,6 مليار دولار التي يقول التقرير ان العراق سيحصل عليها، ستوجه إلى خدمة الأثرياء، لتستقطع بعد ذلك كديون يتحملها الفقراء، كما هي العادة في مثل هذه الحالات كما حدث مع من سبقنا في هذا الطريق، وكما سترون واضحاً في توجه عبارات هذا التقرير
وعلى ذكر من سبقنا، يشير التقرير الى "تشيلي" كمثال جيد. ولا نملك غير ان نتذكر ما فعلته الولايات المتحدة باقتصاد هذا البلد، كما يكشفه كتاب "عقيدة الصدمة" لنعومي كلاين، وهنا فيديو عنه.(1)
يوصي التقرير بـ “مواصلة دعم الاقتصاد العراقي من خلال المساعدات المالية المباشرة”، “ومن خلال الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي”. 
عن هاتين المؤسستين التابعتين للأمم المتحدة نظريا، ولسلطة المال الأمريكية عملياً، دعونا نكتفي بما قاله رجل من داخل المنظومة، هو أحد كبار اقتصاديي البنك الدولي سابقاً والفائز بأعلى جائزة اقتصادية للبنك الوطني السويدي إضافة إلى كونه مستشار اقتصادي سابق لأوباما وصاحب عدد كبير من الكتب الاقتصادية. كشف جوزيف ستيكليتز(2) في "مساوئ العولمة" دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالذات في تحطيم البلدان بسبق الإصرار والتعمد، وبالعكس من الهدف المعلن لإنشائهما. واعتبر "الإصلاحات" التي فرضتها تلك المؤسسات على الدول النامية، مسؤولة عن فشل الأسواق واتساع نطاق الفقر وتراجع الحياة اللائقة في الدول النامية والفقيرة.(3)

  1. بل أن تقرير "مستقبل العراق" يلوم "صندوق النقد الدولي" لأنه لم يفرض شروطا حتى الآن فيما يتعلق بـ "الرواتب ومعاشات التقاعد والرعاية الاجتماعية"! 
    والسبب في ذلك حسب اعتراف التقرير بـ “المعارضة الشعبية واسعة الانتشار بالفعل”! ويقول بأن هذا "الإغفال" من الصندوق "يعكس الخوف من انهيار الحكومة العراقية إذا حاولت تمرير مثل هذه الإصلاحات" التي وصفها بـ "المثيرة للجدل". لذلك لا يرى التقرير في هذه "المساعدة" إلا "حل قصير"، لكنه "ليس خارطة طريق لإعادة الهيكلة الاقتصادية الأساسية التي يحتاجها العراق لتحقيق الصحة المالية المستدامة." لكن الحقيقة هي أن "الشركات" هي من يحتاج هذا وليس العراق
    كذلك يتحدث التقرير عن ضرورة "تبسيط الخطوات القانونية لبدء وإدارة الأعمال التجارية". 
    وهي العبارة المعروفة التي يقصد منها ان تنحاز القوانين إلى الشركات، وعدم مضايقتها بشروط البيئة وتشغيل العراقيين وطرق ونسب صرف الاستثمارات وغيرها، بما لها من نتائج مدمرة للبلد، كما يبين التاريخ
    .

    ويتضح عداء كتبة التقرير للمواطن الفقير في الحماس الغريب لتقليل معاشات التقاعد المنخفضة أصلا، وتحويل المبالغ إلى تقاعد لموظفي القطاع الخاص، بهدف القضاء على القطاع العام!! 
    "
    وسيتطلب تحفيز موظفي القطاع العام للانتقال إلى القطاع الخاص من الحكومة الحد من معاشات التقاعد السخية للغاية التي يقدمها القطاع العام، واستخدام الموارد التي سيتم توفيرها من أجل إطلاق نظام لمعاشات التقاعد يكون متاحاً لموظفي القطاع الخاص."
    وهو منزعج من ذلك التقاعد لأنه "ينظر إليه حالياً على أنه ضمان ماليٌ لمدى الحياة لمن يعملون فيه."
    ويلاحظ معدو التقرير بسعادة "اهتمام ترمب" بالعراق. ونحن جميعا نعرف نوع هذا الاهتمام، وكيف انه يريد ان يحاصر آبار النفط ويسحب من العراق 1500 مليار أو أكثر، وان السبب هو ان العراقيين لا يملكون جيشاً يستطيع الدفاع عن البلد، كأي رئيس مافيا يتحدث عن فرصة للنهب.(4)
    ومثلما انقلب ترمب من واعد للفقراء إلى مهاجم كل ضماناتهم بخفض الضرائب على الشركات، يذهب كاتبوا التقرير للقول "ويمكن منح الشركات غير المدرجة حوافز ضريبية لتصبح من ضمن قائمة سوق العراق للأوراق المالية كما يمكن خصخصة بعض الشركات المملوكة للدولة وإدراجها في البورصة أيضاً
    .

    ويرى كاتبو التقرير أن الولايات المتحدة لن تجد بعد الانتصار على داعش، ما تخشاه اليوم من أجل "الضغط بشدة على قضية الإصلاح الاقتصادي" ويوجه التقرير الحكومة الأمريكية لاستخدام “المساعدة الاقتصادية المباشرة وضمانات القروض وكذلك تأثيرها على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكذلك علاقاتها مع البلدان المانحة والمصارف الإنمائية” لفرض “شرط تنفيذ إجراءات الإصلاح الهيكلي” ... “فاتباع نهج أكثر صرامة للإصلاح الاقتصادي في العراق” هو أمر "ضروري للغاية" رغم صعوبته من الناحية السياسية.
    ونلاحظ في سطور التقرير عدوانية وفرض بالقوة واهانة للسيادة، تميز فترة ترمب بالذات. لكنه يذهب ابعد من ذلك بكثير فيؤكد على أن "تضييق الخناق على المسؤولين الذين يبتزون الشركات المحلية سيكون بمثابة خطوات أولى حاسمة نحو تمكين توسع القطاع الخاص."! 
    وقد يبدو هذا الكلام الفظ حول "تضييق الخناق على المسؤولين" وكأنه سعي لمحاربة الفساد، لكن الحقيقة انهم يسعون لامتلاك الآلية لمحاسبة و "تضييق الخناق" على المسؤولين العراقيين، ثم يستخدمونها بالشكل الذي يناسبهم. وهو ليس سوى تهديد لأي مسؤول قد يعترض على طموحاتهم في خصخصة أية شركة، أو مناهضة أي قانون سيء تقدمه الشركات الخاصة. وبالفعل نجد ان العبادي قد استلم التعليمات، فهو يؤكد في خطابه تهديد كل من يقف بوجه "الإصلاح"، ومثله يفعل وزراؤه والإعلام
    .

    أما الادعاء بأنهم "منزعجين" من الفساد ويريدون التخلص منه، فتشهد على "صدقه" اعمال انقاذ وتهريب الفاسدين منذ اول أيام الاحتلال، كما تشهد عليه الحقائق المتتالية التي تكشفت عن فساد ترمب الذي يرفع راية اللاأخلاقية علنا، لتمتد إلى افراد عائلته. حيث اكتشف تواً عملية احتيال قام بها جيرد كوشنر زوج ايفانكا ترمب، بتوجيه قرض بخمسين مليون دولار مخصصة لتشجيع الاستثمار في المناطق ذات الدخل المحدود، نحو بناء برج من خمسين طابقا، في احدى الأحياء الثرية في نيوجرسي، وانه يسعى للمزيد!(5)
    فإذا كانوا على اهلهم وفقرائهم يحتالون ويتحدون قوانينهم وقضاءهم، فكيف سيكون الأمر على بلد وشعب ضعيف نصبوا عليه عملاءهم، ولا يخفون احتقارهم له ورغبتهم في سلبه أمواله؟ 
    يكتب منظمو التقرير بصلافة تامة: "يجب أن تستخدم الولايات المتحدة اتفاقية صندوق النقد الدولي كآلية ضغط من أجل تحقيق الإصلاح في الاقتصاد العراقي وميزانيته
    لكنهم يعودون ليؤكدوا بوقاحة مثيرة للدهشة: "بيد أننا نؤكد على أن نقل السلطة في المجالين الاقتصادي والأمني يجب أن يكون قراراً عراقياً. فقد ولى زمن الحلول الدولية للمشاكل السياسية العراقية."!!