تقرير مجموعة مستقبل العراق "4" النفط والشركات الأجنبية

كما بينا في الحلقات السابقة، فإن تقرير "مجموعة مستقبل العراق" المكونة من عدد من الشخصيات الأمريكية والعراقية سيئة السمعة في علاقتها بالعراق، نشرت تقريرا حول رؤيتها لمستقبل العراق.(1) وفي الحلقة الأولى اعطينا فكرة عامة عن التقرير ومؤامراته، بينما خصصت الثانية لتسويق التقرير إبقاء القوات الأمريكية في العراق، أما الحلقة الثالثة فخصصت لدفع المجموعة الحكومة الأمريكية للضغط على العراق لخصخصة صناعاته، وإجباره على إجراءات أقسى بعد تحرير الموصل، منها تقليل رواتب المتقاعدين.

في هذه الحلقة سنكمل الجانب الاقتصادي في التقرير والذي يتعلق بوضع أموال العراق تحت رحمة المؤسسات المالية الدولية والتآمر على النفط العراقي.

يقترح التقرير "تطوير أسواق رأس المال" و"السماح" لـ "مؤسسات دولية" بالإشراف على “الأورق المالية” ويطالب “أن تسهل الحكومة العراقية على الشركات الأجنبية تحويل الأموال”.

ولا ندري أين مصلحة الشعب في كل هذا، ومتى خدم الشعب أن تسهل حكومته على الأثرياء والأجانب إخراج أموال البلاد؟

كذلك طالب التقرير "مساعدة الحكومة" (إقرأ: الضغط عليها) من أجل “خلق بيئة ملائمة للاستثمار" والذي يعني تاريخياً الانحياز للشركات على حساب الناس والدولة متمثلاً بـ: أولاً خنق النقابات العمالية والمهنية التي قد تعترض على الأجور وظروف العمل، وثانيا، تقديم تنازلات قانونية كبيرة فيما يتعلق بالضرائب على الشركات وشروط التحويل والتشغيل وغيرها. وأخيراً الغاء اية قوانين تجبر الشركات على مراعاة البيئة ودفع تكاليف التلوث وإلزامها باستعمال تقنيات رحيمة بالبيئة.

ووردت في التقرير عبارة غريبة تؤكد ضرورة الاستثمار "بصورة عادلة، من أجل ألا يتم استبعاد الشركات الأمريكية عند التنافس مع المستثمرين الأجانب الآخرين"!

ولا يمكن ان نقرأ هذه العبارة إلا كدعوة لوضع أنظمة وضوابط خاصة بالشركات الأمريكية، أي إخراجها من التنافس والسماح لها بفرض أسعارها على العراق. ومثل ذلك الدعوة إلى إخضاع الساسة العراقيين لإجراءات أوروبية وامريكية للمحاسبة في استثماراتهم الغربية

وقد تبدو هذه العبارة بريئة وكأنها إجراء لمكافحة الفساد السياسي. لكنها في الحقيقة توفر "آلية قانونية" يمكن للإدارة الأمريكية أن تستثمرها للضغط على الساسة العراقيين. وستكون هذه الآلية تحت تصرف الإدارة الجديدة لترامب، المغرقة في الفساد من الرئيس إلى صهره وإلى بقية موظفيه، ليستعملوها بما تمليه مصالحهم.

ويرى التقرير ضرورة دعم الاقتصاد العراقي لأنه "يساعد على تعزيز الاقتصاد الأردني، وبالتالي استقرار هذا الحليف". حيث "يؤثر انعدام الأمن في العراق" على اقتصاد الأردن.

والحقيقة أن العلاقة الاقتصادية بين العراق والأردن موجهة تماما لإنزال أكبر أذى ممكن بالاقتصاد العراقي لصالح الأردني. ليس فقط في شحنات النفط المخفضة رغم أن مستوى الفرد الأردني اعلى من العراقي، كما ان العراق مازال مدينا للأردن بسبب الجزية التي تم فرضها على صدام حسين، وإنما قبلها في قرارات العبادي الأخيرة بإلغاء الحواجز الكمركية ومد انابيب النفط العراقية من خلال الأردن.

وقد جعل هذا الترتيب من مصلحة الأردن أن يبقى العراق متخلفا في كل شيء ليستورد كل مصنوعاته وربما بعض الغذاء من خلال الأردن!

ويمكننا ان نفهم هذا الحماس لذلك الاستيراد، ليس فقط من طبيعة الحكومة الأردنية العميلة لإسرائيل، وإنما أيضا لأن معظم الصناعة الأردنية والمواد القادمة إلى العراق من هذا البلد، إنما هي إسرائيلية متخفية أو حتى صريحة أحياناً!

ويمكنكم ان تتخيلوا حجم العراقيل التي ستوضع أمام أي تطوير اقتصادي عراقي، سواء في النفط أو في الزراعة أو الصناعة، عندما يعني ذلك حرمان البضاعة الإسرائيلية من سوق مهم جدا لها! إنه ليس فقط عمل لا أخلاقي ودنيء أن تستورد من إسرائيل العدوانية التي تمارس العنصرية ضدك، وإنما أيضا عمل مدمر للاقتصاد الوطني ويضعه في "تضارب مصالح" مع قوة هائلة، وهي من الموروثات التي سيبتلي العراق بها زمنا طويلاً بسبب العبادي.

أخيراً يسعى التقرير إلى تغيير عقود النفط، بشكل يسيء الى العراق أيضا.

قبل الحديث عن التقرير، يجب ان نشير إلى ان "عقود التراخيص" او كما تسمى "عقود الشهرستاني"، قد تعرضت لحملة إعلامية رهيبة لتشويهها والمبالغة في اخطائها ونقاط ضعفها المحدودة، وإظهارها كعقود فاسدة سيئة يجب تغييرها. وقد انتشرت هذه الفكرة وشارك بترويجها نواب وصحفيون وحتى قلة من معدومي الضمير من خبراء النفط العراقي، علماً بأن تلك العقود من أفضل العقود التي وقعها العراق منذ الاحتلال الأمريكي وحتى اليوم. ولم تأت تلك الحملة إلا لهذا السبب بالذات، مستغلة سخط الناس على الفساد من جهة، وجهلها بتفاصيل صناعة النفط من الجهة الثانية!

وقد حاولنا مع عدد من خبراء النفط والاقتصاديين الشرفاء مثل الأستاذ فؤاد الأمير وحمزة الجواهري وأحمد موسى جياد وطارق شفيق و د. كامل العضاض وغيرهم، التصدي لهذه الحملة بقدر الإمكان، لكن الفارق في "القدرة النارية" الإعلامية كان مهولا..

لقد حاولت مؤخراً توضيح ذلك الخطأ الشائع في ثلاث مقالات حاولت في الأولى تعريف القارئ على حيثيات اقتصاد صناعة النفط(2)، وفي الثانية بينت المبالغة الشديدة التي اصابت "عقود التراخيص" من قبل الإعلام والنواب وغيرهم(3) . وهناك المزيد من المقالات في الهامش لمن يود الإطلاع على المزيد.

بالعودة إلى التقرير الذي ليس هنا سوى تكرار لهجوم الشركات على عقود التراخيص نرى أنه تحدث عن ضرورة "إعادة التفاوض بشأن العقود مع شركات النفط" مشيراً إلى أن الحكومة سوف "تستفيد" من "الابتعاد عن اتفاقاتها مع الخدمات التقنية".

والمقصود من هذه العبارة الملتبسة، هو دعوة الحكومة للتخلي عن “عقود الخدمة” التي وقعها الشهرستاني واستبدالها بعقود "مشاركة إنتاج". ولغير المطلعين على الموضوع فأن عقود “مشاركة الإنتاج” هي عقود تعطي الشركات ارباحاً تبلغ اضعاف ما تعطيه عقود الخدمة، وعلى حساب الدولة طبعاً. ولذلك لا توقع اية دولة تلك العقود إلا في حالة وجود مخاطرة تتحملها الشركات في مناطق يشك بوجود النفط فيها وليس مناطق مستكشفة، حتى انها تسمى "عقود مخاطرة". وقد قدر أحد الخبراء أن “عقود المشاركة” التي وقعتها كردستان أعطت الشركات أربعة اضعاف ما اعطته عقود الخدمة المماثلة التي وقعتها بغداد. ومنذ ذلك الحين والهجوم على عقود جولات التراخيص مستمر وعنيف من قبل الشركات ومن اشتروه من الساسة والإعلاميين، لاستبدالها بعقود مشاركة كتلك التي في كردستان.

إلا ان “عقود المشاركة” امتلكت سمعة من السوء بين خبراء النفط والمتابعين، أن احداً من مروجي سياسة الشركات في العراق، لم يجرؤ على الدعوة اليها صراحة، بل سعوا جميعا إلى اللف والدوران، ثم تقديم توضيحات نافيه حينما يتم مواجهتهم وإحراجهم. ومن أشهر هؤلاء وزير النفط السابق عادل عبد المهدي ورئيس لجنة النفط والطاقة النيابية عدنان الجنابي. وربما كان هذا التقرير اول دعوة تتميز بالصلافة الكافية للدعوة المباشرة لتلك العقود.

أما تبرير ذلك حسب التقرير الذي يدعي البحث عن مصلحة العراق، فهو أن عقود الخدمة "تفرض رسوماً مرتفعة للبرميل على الحكومة في الوقت الذي تكون فيه أسعار النفط منخفضة، مما يؤدي الى تقليل تحفيز الاستثمارات الفعالة من حيث التكلفة في البنية التحتية من جانب شركات النفط."

وفي هذا الكلام حقيقة صغيرة أخرجت من سياقها لتمرير اكذوبة كبيرة. الحقيقة الصغيرة هي أن عقود الخدمة تنخفض افضليتها تدريجيا مع انخفاض سعر النفط بالفعل. أما الكذبة الكبيرة التي يتجنب التقرير الحديث عنها فهي أن افضلية الخدمة تبقى أعلى، حتى في أدني الأسعار التي وصل اليها النفط مؤخراً، وأن سعر البرميل يجب ان يهبط إلى اقل من عشرة أو ثمانية دولارات للبرميل الواحد، قبل ان يتساوى مردود النوعان من العقود بالنسبة للعراق، حسب تقدير الخبير فؤاد الأمير!

وليس ذلك غريباً، فكل ما يكسبه العراق تخسره الشركات، وليس من المنطقي أن يتحيز تقرير أعده مركز بحثي أميركي كبير معروف الانتماء إلى مؤسسات المال والشركات، إلى العراق على حساب الشركات. لذلك فقد جاءت توصياته بشأن المال والاقتصاد والنفط، مطابقة لما تطمح إليه تلك الشركات.

الحلقة القادمة ستكون حول هدف التقرير تحويل العراق الى هراوة لضرب إيران، والتي تليها ستغطي سعي التقرير لتجزئة العراق

(1) تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق

http://www.publications.atlanticcouncil.org/…/تقرير-مجموعة-…

(2) عقود التراخيص مالها وما عليها – 1- مدخل إلى صناعة النفط وتسعيره

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1331916256865440:0

(3) عقود التراخيص 2- العقود بخير.. ولكن!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1342965345760531:0

الضباع والنفط – 1- الجنابي يزوّر الأرقام ويحضر للإنقضاض!

http://saieb.blogspot.nl/2015/07/1.html

الضباع والنفط -2- ماذا يريدون وكيف نمنعهم؟

http://saieb.blogspot.nl/2015/07/2.html

(أبحث في كوكل): "د. كامل العضاض *: تعقيب وتقويم إيجابي لمقال الأستاذ فؤاد قاسم الأمير ،الخبير النفطي العراقي الأبرز؛ “ملاحظات حول دراسة الخسائر والهدر في قطاع الطاقة”