رشيد بوجدرة: اليساري الصلب يقدم درسا في احترام الشعب ومعتقداته

رشيد بوجدرة كاتب يساري جزائري كتب عشرات الروايات بالعربية والفرنسية خلال 54 عاما؛ بعضها روايات مهمة وصادمة هزت الوسط الثقافي والاجتماعي المغاربي والفرانكوفوني هزّا عنيفا. ولكن بوجدرة اليساري يرفض أن يعلن شخص ما إلحاده على شاشات الفضائيات لأنه بذلك يصدم شعبه ولا يحترم مشاعر الناس و (هذا الشعب طيب الى أبعد الحدود. والشارع الجزائري غمرني بحبه وتعاطفه خلال هذه الحملات التكفيرية. لم يسبق أن أحسستُ بحب الناس لي كما أحسست به خلال محنتي الأخيرة مع قناة "النهار" - قناة تلفزيونية تجارية شنت حملة تكفير ضد بو جدرة شخصياً وحاولت الإيقاع به كملحد في حلقة من برنامج الكاميرة الخفية ثم أعتذرت له-. الشعب الجزائري يحب الإنسان الصادق، ولو اختلف معه في الرأي. منذ واقعة "النهار"، أينما حللت، الناس يلتفون حولي، ويسلمون علي، ويقولون لي: نحن معك. هذا الشعب لا أستطيع سوى أن أبادله الحب، وأن أعامله بالقدر ذاته من الطيبة. وذلك يبدأ باحترام مشاعره ومراعاة معتقداته)، يقول. ولكن بوجدرة من جهة أخرى، لا يساوم على أفكاره فيدافع عن الإلحاد كفلسفة وموقف ورؤية ويطالب بمنح الملحدين الحق في الدفاع عن فكرهم وقناعاتهم. أما هو شخصيا ورغم اتهامه بالإلحاد، ومواجهته لحملات تحريض تكفيرية عديدة فيقول (بالطبع أنا مسلم ثقافياً. هل تشك في ذلك؟ هذا انتماء حضاري، وهو جزء من هويتي وثقافتي وفكري ...وأنا أكتب وأناضل دفاعاً عن أفكاري. لم أخفْ يوماً من التعبير عن أفكاري، حتى في أحلك الفترات. في كل كتبي، أدافع باستماتة عن القيم التقدمية وعن الحريات، بما فيها حرية الإلحاد. ولا يمكن أن أنكر ذلك يوماً أو أتراجع عنه. أما أن أظهر على التلفزيون لأستفز مشاعر شعبي بالقول إنني ملحد، فذلك ما لا أريده. وهؤلاء "الطحاحنة" (جمع "طحّان"، ومعناها باللهجة الجزائرية "القوّاد")، الذين ينتقدونني بسبب هذا الموقف، الذي ليس جبناً أو تراجعاً بل احتراماً لمشاعر هذا الشعب الطيب، لماذا لا يظهرون هم أنفسهم على التلفزيون، ليقولوا إنهم ملاحدة!؟). ولكن لماذا يظهر بوجدرة الماركسي في الفضائيات الخاصة ومنها الإسلامية ويناظر سياسيين ومفكرين إسلاميين سلفيين؟  

يجيب بوجدرة (دعني أقول لك، منذ أكثر من 5 سنوات لم يُسمح لي بالظهور في القنوات التلفزيونية الرسمية التابعة للقطاع العام في الجزائر. طوال هذه السنين، لم توجه لي الدعوة للمشاركة في أي نقاش أو برنامج أو حوار، بينما القنوات الخاصة التي نتحدث عنها ـــ رغم أنّها جميعاً ذات خلفيات إسلاموية ـــ توجه لي الدعوات بانتظام للمشاركة في برامجها. خذ، مثلاً قناة "الشروق". لقد نظمت مناظرة فكرية بيني وبين أبو جرة سلطاني (أحد مؤسسي «حركة حماس» الإسلامية الجزائرية). كان النقاش بيننا راقياً ومفيداً. كان البرنامج جدياً والنقاش مفتوحاً ومتوازناً. سلطاني تحدث من خلفيته وثقافته، وأنا أيضاً. لكن من دون أي تصادم أو إقصاء. هو تقبل أشياء كثيرة مني كشيوعي، وأنا أيضاً تقبلت أشياء كثيرة منه كإسلامي، لأنه منفتح ومتسامح. لماذا لا تقوم القناة الأولى الجزائرية الحكومية بتنظيم نقاشات أو سجالات فكرية من هذا النوع؟ لماذا يُترك ذلك إلى قنوات خاصة ذات خلفيات مشبوهة، وتخدم أجندات غير وطنية؟ ونحن، كمثقفين تقدميين، ماذا نفعل؟ هل يجب أن نقاطع تلك القنوات، وهي الأكثر مشاهدة وتأثيراً في الرأي العام، ونترك التيارات الرجعية والمحافظة والإسلاموية تستفرد بالمشاهد الجزائري وتغرقه بالشعوذة والخرافة والغيبيات؟ لا يخفى عليَّ أن أغلب هذه القنوات حين توجه لي الدعوة للمشاركة في برامجها، تكون لديها رغبة مبيتة في الإساءة إليّ. من خلال رشيد بوجدرة، يريدون الانتقام من كل ما هو فكر تقدمي أو يساري. يريدون أن يظهروا أمام الشعب بأنهم متدينون ونحن كفار. يستعملون خطاباً شعبوياً وديماغوجياً. لكن الحيلة لا تنطلي على أحد. الكل يعرف أن أصحاب هذه القنوات منافقون وخبثاء وفاسدون أخلاقياً وسياسياً. هؤلاء انتهازيون يلعبون ورقة الدين لكسب ودّ الشعب، بينما هم أصلاً غير متدينين، بل يمكن القول إنهم فَاسِقُون، إذا أردنا توصيفهم من وجهة النظر الدينية). قد نختلف أو نتفق مع بوجدرة في ما قاله في هذا الحوار، وأنا شخصيا أختلف معه في عدد من المقولات والتفسيرات والتقييمات، ولكننا لا نملك إلا أن نتوقف باحترام عند حقيقة مهمة، هي أن ما قاله وطرحه جاء كاشفا وصادقا وشجاعا وعلاجيا إلى أبعد الحدود، وهو يرينا الفرق الكبير بين طريقة العقل النقدي التقدمي حين يدور ويشتغل فلا يرحم ولا يداهن ولا يجامل على حساب الحقيقة ولكنه يحترم ثوابت ومشاعر شعبه، وبين العقل السكوني حين يدور على نفسه كأي برميل معلومات مخابراتي يستعمله الأميركيون والغربيون عموما في مراكزهم ومعاهدهم الأكاديمية!

*وبالمناسبة، فالإعلام الفرنسي لا يطيق بوجدرة ويعاديه مع أنه كتب أغلب روايته بالفرنسية، بسبب مواقفه السياسية الجريئة ضد الاحتلال الأميركي للعراق وضد تدمير سوريا ودفاعه المستمر والشجاع عن الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة على العكس تماما من بعض الدونيين من أدعياء الديموقراطية واليسار العراقي والعربي الذين يتم استعمالهم في المعاهد و مراكز الدراسات والجماعات البحثية المعادية كخبراء وبراميل معلومات مخابراتية وفلاتر للتحليل).حوار كثيف وثري جدير بالقراءة النقدية خصوصا لمن يؤمن أنه يعيش في القرن الحادي والعشرين... تجدون رابطين يحيلان إليه في خانة أول تعليق.

رابط يحيلان إلى الحوار المطول مع الروائي الجزائري رشيد بوجدرة:

http://al-akhbar.com/node/282383