تناقضات الليبراليّة العربيّة وأنماط استخدامها

تختلف الحركة الليبراليّة العربيّة عن غيرها في العالم. الاختلاف في تطبيق أو تفسير العقائد ليس غريباً. اختلفت النماذج الشيوعيّة حول العالم، مع أن الأحزاب الشيوعيّة العربيّة افتقرت إلى توليد نموذج خاص بها بسبب نجاح الاتحاد السوفياتي (المالي والسياسي) في جذب هذه الأحزاب إلى معسكر موسكو، وبسبب الانصياع التام الذي قدّمه قادة الأحزاب الشيوعيّة العربيّة نحو الحاضنة البلشفيّة.

كان يمكن في أوائل السبعينيات أن تتوّلد في العالم العربي، وخصوصاً في رحم تنظيمات المقاومة الفلسطينيّة التي أنتجت بعد هزيمة ١٩٦٧، نماذج مختلفة من الشيوعيّة، شيوعيّة عربيّة محليّة الصنع والطابع. كانت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في بداياتها مستقلّة تماماً عن موسكو، وكانت أدبيّاتها، مثل كتيّب «الاستراتيجيّة السياسيّة والتنظيميّة» مستقاة من الأدب السياسي الماوي، وخصوصاً من كتابات ماو عن «تحليل الطبقات في المجتمع الصيني» وعن التناقضات. وكانت دراسة عن الشيوعيّة العربية تتحدّث في أوائل السبعينيات عن نسق من الشيوعيّة الآسيويّة تمثّله تجربة الجبهة الشعبيّة1. وكان بمستطاع الجبهة الشعبيّة، لو استمرّت في استقلالها عن موسكو، أن تتحلّل من الإصرار السوفياتي على ضرورة الاعتراف بالكيان الصهيوني وحول نبذ العمليّات الخارجيّة التي دشّنتها الجبهة في انطلاقاتها2. لكن الجبهة، مثل التنظيمات الشيوعيّة العربيّة الأساسيّة، وقعت تحت السيطرة السوفياتيّة في ما بعد، لا بل انها كانت تحيل خلافاتها إلى الحكم السوفياتي، كما فعل الحزب الشيوعي السوري وكما فعل الحزب الشيوعي اللبناني في مرحلة الستينيات على الأقل.
لكن لليبراليّة العربيّة نسيج وحدها، وهي حركة لا تتطابق أو حتى تتشابه مع الحركات الليبراليّة في دول الغرب، أو في دول أخرى. تحظى الحركات الليبراليّة في عدد من دول العالم بدعم الاتحادات العماليّة (كما حال حزب العمّال البريطاني) أو نقابات القطاع العام، أو بدعم رجال الأعمال كما في بعض دول أميركا اللاتينيّة. لكن الليبراليّة العربيّة تفتقر إلى قاعدة اجتماعيّة، وهي - خلافاً لليبراليّة في دول الغرب ودول أخرى في العالم - لا تسعى إلى السلطة، لا بل هي حركة تريد أن تدعم سلطة غيرها. أي أن الليبراليّات الغربيّة في الأحزاب المُعبِّرة عنها تريد أن يوصلها النضال البرلماني إلى السلطة، أو هي تكون في المعارضة في انتظار دورها في تداول السلطة (المُقيّد، طبقيّاً وسياسيّاً).
إن نشوء الليبراليّة العربيّة ينبع من سياق النظام العربي المهيْمِن منذ ما قبل وفاة عبد الناصر. لقد لجأت الحكومة الأميركيّة وحلفاؤها في العالم العربي - أي ملكيّات موغلة في التخلّف السياسي والاستبداد - إلى إيجاد الوسائل الأيديولوجيّة لمحاربة التهديد الناصري والاشتراكي العربي بصورة عامّة. كل الوسائل أو الحيَل الأيديولوجيّة كانت مستخدمة، وكانت صحف دول الخليج تتضمّن من ناحية تقديماً للبديل الإسلامي المناهض للحكم الناصري، كما أنها كانت تنتج أدبيّات الليبراليّة العربيّة من خلال ترجمات للفكر الليبرالي الغربي. وتوزّعت الأدوار في ثقافة الهيمنة الخليجيّة بين الإسلام السياسي، وبين التبشير الليبرالي الذي يعيّر النظام الناصري بغياب الديموقراطيّة فيه. إن نواقص النظام الناصري كمنت، حسب نقد الأدب السياسي الخليجي (الحاكم)، في غياب الديموقراطيّة وفي انتهاج النظام الناصري لعلمانيّة اقصت الدين. عابت دول الخليج على عبد الناصر استقاء الشرعيّة السياسيّة من مصادر شعبيّة، ومن خارج الخطاب والتسويغ الديني، ليس فقط من أجل الدفع بأجندة اجتماعيّة ــ اقتصاديّة تقدميّة - وهذا مرفوض في دول الخليج - لكن أيضاً من أجل الترويج لعلاقات عربيّة ــ عربيّة خارج أواصر الدين، الذي شكّل الرابطة الخارجيّة التي اعتمدتها المملكة السعوديّة ضد القوميّة العربيّة أو الأمميّة الشيوعيّة. وتكفير النظام الناصري - احتل مساحة عناوين صحف سعوديّة يومها - شكّل سلاحاً من سلاح الدين الحاكم بمواجهة العلمانيّة الحاكمة.
وكان في حوزة أنظمة الخليج، بقيادة النظام السعودي، تيّاران تستخدمه ضد الأنظمة الاشتراكيّة والعلمانيّة العربيّة. التيّار الأوّل هو تيّار الإخوان، وكان سائداً في دول الخليج (بدرجة أو بأخرى، ولنا عودة إلى ذلك في مقالة لاحقة) بشكل أو بآخر، كما أن دول الخليج وثقت بقدرة حركة الإخوان، خصوصاً في جناحها المصري (والسوداني بشخص حسن الترابي) على وضع مناهج تربويّة وعلى قوننة الشريعة في القانون أو الدستور الخليجي3. والتيّار الإسلامي كان فعّالاً في مواجهة أنظمة بعثيّة وناصريّة عملت على إحداث فصل (نسبي) بين الدولة وبين السلطة الدينيّة، لا بل ان النظامين الناصري والبعثي طوّعا المؤسّسات الدينيّة لصالح الدولة (لا يختلف هذا عن النظم الخليجيّة لكنها تختلف في تسويغ شرعيّتها السياسيّة في الاعتماد على الدين أو المذهب أو العقيدة الدينيّة، كما أنها تضخّ من تفسيرها للدين في الحياة وفي المجتمع وفي خلق الأعذار لانعدام الحريّات). والتيّار الإسلامي أثبت فاعليّته بعد الهزيمة عندما تضافرت أقلام النظام الأردني والسعودي والكويتي والإماراتي في بث فكرة أن ضعف الدين، أو غيابه، عن الفكر والممارسة السياسيّة العربيّة، هو الذي تسبّب في الهزيمة.
لكن التيّار الليبرالي لم يكن بعيداً عن الإعلام والدعاية اليمنيّة (الخليجيّة التمويل). كانت صحيفة «النهار» وصحيفة «الحياة»، بالإضافة إلى دور نشر عربيّة4، تنشر قيم الفكر الليبرالي، عن ترجمات غربيّة غالباً، لنقض الأنظمة الاشتراكيّة بسبب غياب الديموقراطيّة («دار النهار» كانت ناشطة في ترجمة الكتابات الرجعيّة ضد الشيوعيّة وفي البكاء على الحريّات في أوروبا الشرقيّة فيما كانت تتنشر كتباً عن الازدهار والسعادة في دول الخليج). أي أن الليبراليّة العربيّة لم تكن حركة مستقلّة ذات قواعد شعبيّة خاصّة بها (ومن المشكوك به أن تكون الحركة الليبراليّة العربيّة في عصر الاستعمار الغربي قد انبثقت عن قواعد شعبيّة محليّة، إذ انها كانت تحظى برعاية المستعمر الذي وجد فيها خير عوْن ضد الحركات الاستقلاليّة. (يتحمّل المؤرّخ ألبرت حوراني المسؤوليّة عن تحقيب ـ وتسويق ــ الفترة الاستعماريّة عبر توصيفها بـ«العصر الليبرالي» في كتابه «الفكر العربي في العصر الليبرالي»5). ولم يكن خلاف شكيب أرسلان مع الليبراليّين من معاصريه إلا خلافاً بين مُتهم باعتناق العثمانيّة ومؤيّدين للاستعمار الأوروبي، كما وصفهم). ولأن الليبراليّين العرب يفتقرون إلى القواعد الشعبيّة فهم يكتفون بالمطالبة بالحكم لغيرهم (إما للاستعمار الغربي أو للسلالات النفطيّة والغازيّة).


نشوء الليبراليّة العربيّة
ينبع من سياق النظام العربي المهيْمِن


والليبراليّة إما ان تكون تعبيراً عن حركة شعبيّة أو تكون، كما في بلادنا، حركة رسمية يستخدمها النظام الحاكم ضد خصومه مع قطع أي صلة بين الفكر والممارسة الليبراليّة وبين النظام الحاكم. ليس للحركة الليبرالية من وجود خارج الجهاز الدعائي الإعلامي للنظام الحاكم. أي أن النظام العربي الرسمي الخليجي، أو حتى المصري والمغربي والأردني والتونسي، ارتأى أن تعزيز الحركة الليبراليّة يفيد في حسابات النظام في الحقبة هذه لأن ذلك أكثر فائدة في العلاقة مع الحليف الأميركي، وفي مواجهة المعارضات الفعّالة، وفي دعم فلسفة الرأسماليّة المتوحّشة. واختيار الأنظمة الخليجيّة الاستبداديّة بين الحركات السلفيّة وبين الحركات الليبراليّة تفرضه خيارات الحليف الأميركي، وحسابات الحكم الداخليّة. كانت الحكومة الأميركيّة تحتاج إلى عقيدة الحركات الاسلاميّة، وحتّى إلى جهادها، من أجل محاربة الشيوعيّة ومحاربة كل العقائد والأنظمة الأقرب إلى التقدميّة والعلمانيّة من الخصوم الاسلاميّين.
لكن اندحار الشيوعيّة وسقوط الاتحاد السوفياتي قلّل من الحاجة الأميركيّة إلى عقائد الجهاد الإسلامي وإن كانت الحكومة الأميركيّة لا تزال مستعدّة، مباشرة أو مداورة، للاستعانة بالحركات الجهاديّة كما فعلت في سوريا أو ليبيا عندما حيّدت تنظيم «القاعدة» وغيره من الحركات الجهاديّة، لمحاربة خصوم عرب آخرين، أو للاستخدام ضد النظام الإيراني. لكن أحداث ١١ أيلول أحدثت حرجاً كبيراً في العلاقة الأميركيّة ــ السعوديّة. وهذا الشرخ في العلاقة لم يتمّ إصلاحه بعد، وإن كانت صفقات الأسلحة العملاقة والتقرّب بين الرياض وتل أبيب تُعتبر من قبل الإدارة الأميركيّة واللوبي الإسرائيلي دفعات على الحساب نحو إزالة الفتور في العلاقات. وتفضيل الأداة الليبراليّة على الأداة الاسلاميّة كان ضرورة من ضرورات تحسين العلاقة مع أميركا. ويُذكَر أن الأمير نايف بن العزيز كان أوّل من أشار إلى تغيير العلاقة مع الإخوان المسلمين بعد ١١ أيلول، في تصريح في ٢٠٠٢ عندما قال: «منحنا هذه المنظمّة تأييداً كبيراً جدّاً. الإخوان المسلمون دمّروا العالم العربي». وكان الإخوان يحتلّون مواقع في نظام التعليم السعودي (كان عبدالله عزام ومحمد قطب محاضريْن في الجامعات السعوديّة)، وفي نظام الصَدَقة الذي أثّر على برامج نشر العقيدة حول العالم. ولم يقرّر النظام السعودي مصادرة ومنع كتب الإخوان من المكتبات السعوديّة إلا في عام ٢٠١٧ بعد استفحال الخلاف مع النظام القطري.
واستحسان دور الليبراليّة هو لإعطاء صورة إيجابيّة للغرب عن النظام السعودي: يختار النظام السعودي أن ينشر موقعاً بالإنكليزية مثلاً لترجمة مقالات من جريدة «الشرق الأوسط» ولا ينشر مقالات من صحف سعوديّة أخرى تتضمّن خطاباً أكثر إسلاميّة وأقل مجاهرة من «الشرق الأوسط» بالصهيونيّة الليكوديّة. لكن النظام السعودي يحتضن الجناح الليبرالي الذي هو أقلّ مطالبة من التيّار الإسلامي من ترجمة عقيدته وقيمه. فالحركة الليبراليّة العربيّة، خلافاً لحركات أخرى حول العالم، ليس لها مطالب من أنظمة الاستبداد التي تحتضنها، إذ أنها تكتفي باحتضانها الإعلامي والوظيفي كي تثني على الاستبداد عندما يعطي ليبراليّين مواقع إعلاميّة أو حكوميّة. والإعلام العربي يعاني من هذا التناقض: إذ ان كلمة الاستبداد، في الخطاب الليبرالي، لا تعني إلا تلك الأنظمة الاستبداديّة التي لا تكون متصالحة مع النظام السعودي. ويستعد الليبراليّون العرب إلى العودة إلى التاريخ لذم الاستبداد فقط إذا كان معارضاً لمشيئة آل سعود. أي أن النظام الناصري الذي مات في عام ١٩٧٠ يتعرّض للذم المستمرّ في الاعلام العربي، خلافاً للنظام السعودي الاستبدادي والأنظمة الاستبداديّة المتحالفة معه. ذم النظام الذي لم يعد موجوداً أسهل سياسيّاً من ذم نظام استبدادي موجود - لكنه يدين لليبراليّين العرب بوظائفهم ومواقعهم الدعائيّة. والدعوة الليبراليّة هي حصراً دعوة دعائيّة، لأنها تُستخدم فقط ضد الخصوم: يتغيّر خطاب الليبراليّة العربيّة (الموالي لآل سعود في معظمه) من التودّد نحو النظام القطري، إلى هجائه ليبراليّاً بمجرّد أن تسوء العلاقة بينه وبين النظام السعودي. (لكن هناك بعض الليبراليّين الذين يعملون بين الاعلاميْن، وهؤلاء هم الذين لاذوا بالصمت إزاء الصراع الخليجي، أو هم ساقوا الأعذار، من نوع أن المعلومات عن الصراع شحيحة وبناء عليه يجب تجنّب إصدار موقف في انتظار المزيد من المعلومات).
والليبراليّة العربيّة وإن استظلّت بنظام ينتهج العقيدة الوهابيّة فإنه يؤيّد العلمانيّة فقط ضد خصوم آل سعود. هي تريد العلمانيّة في إيران، لكن ليس في السعوديّة (أو قطر) ولا في الدول التي توالي آل سعود، ولا تعارض نظام «أمير المؤمنين» في المغرب. لكن التناقضات تحكم مواقف الليبراليّة العربيّة من العلمانيّة. الليبراليّون العرب يريدون العلمانيّة لكن ليس في النظام الذي يرعاهم. وبين السلفيّة الجهاديّة وبين العلمانيّة (وإن منقوصة) يفضّل الليبراليّون العرب السلفيّة الجهاديّة إذا كانت متوائمة مع النظام الراعي. لكن في ظلّ النظام المصري أو التونسي - حيث تلعب العلمانيّة (النسبيّة، دائماً) دور الأداة كما في ظل النظام السعودي أو القطري - فإن العلمانيّين هناك يفضّلون الخلطة الاسلاميّة للنظام على إسلاميّة المعارضة، مهما كانت. وعليه، فإن المعارضة الاسلاميّة لنظام علماني (بعض الشيء) معارض للنظام السعودي مُحبّذة أكثر من معارضة علمانيّة لنظام إسلامي لا علماني متحالف مع النظام السعودي. والليبراليّة العربيّة تتغاضى عن طبيعة اللاعلمانيّة في دولة العدوّ، ودور الحكومة في رعاية أحزاب ومنظمّات دينيّة، كما انها تجعل من علمانيّة الغرب مثالاً نظريّاً خالياً من التناقض التي تحكم انحياز الدولة (من فرنسا إلى أميركا) إلى جانب دين ضد آخر. 


التيّار الليبرالي لم يكن
بعيداً عن الإعلام
والدعاية اليمينيّة


وعلمانيّة الليبراليّة العربيّة هي سلاح ضد حزب الله وإيران، فيما الحركات الاسلاميّة هي سلاح ضد الأنظمة البعثيّة أو تلك المعارضة لمشيئة النظام السعودي وللحركات الاسلاميّة. لكن مرونة الليبراليّة (والعلمانيّة) العربيّة مُلفتة. حازم صاغيّة كتب في «الحياة» في ذم رجل الدين العراقي، مقتدى الصدر - ومن منطور ليبرالي علماني - ثم كتب في مديحه بعد أشهر فقط (أي مصادفة بعد أيّام من زيارته للرياض) - ومن منظور ليبرالي وعلماني6. في المقالة الأولى وصفه بالقاتل وفي الثانية بعد أربعة أشهر دعاه لتشكيل معارضة وطنيّة في العراق. وجمال خاشقجي، الذي يمثّل تغيّر خيارات النظام السعودي السياسيّة7، كتب ضد العلمانيّة بصراحة، بعد رفع الحظر الكتابي والشفهي عنه من قبل النظام السعودي (وكان أوّل ما كتبه بعد عودته مدحاً للنظام الذي منعه من الكلام، ثم سمح له بالكلام - الليبرالي). فهو عارض العلمانيّة وقال فيها: «في الإسلام من السماحة والمرونة والعصرنة والقدرة على التجديد ما يغني عن البحث عن «أيديولوجيا» أخرى، كما ان الشرعيّة الحقيقيّة التي تمثّلها الأسرة الحاكمة والوطنيّة السعوديّة تحتاج دائماً إلى أيديولوجيا يقبلها الشعب وتحدّد العلاقة بينه وبين الحاكم، والزجّ بمفهوم العلمانيّة وخاصة في السعوديّة سيربك تلك العلاقة المريحة... فلمَ الزجّ بالعلمانيّة في عالم خليجي تقليدي يحكم بالدين أو بعرف قبلي مشيخي صمد منذ زمن التأسيس؟». ولم ينسَ خاشقجي أن يربط بين العلمانيّة وبين «الجمهوريّات العربيّة البائسة المضطربة»8 - وهي طبعاً إشارة إلى الجمهوريّات العربيّة التي عارضت مشيئة النظام السعودي تاريخيّاً. طبعاً، لو أن خاشقجي، أو أي ليبرالي عربي يكتب عن إيران، فتكون الدعوة إلى العلمانيّة حاضرة ومُلحّة. والنظام السعودي أكّد رسميّاً - أي باسم تلك المعارضة السوريّة التي يدير - أنه يريد نظاماً علمانيّاً في سوريا، على أن يكون موالياً للنظام السعودي.
أما في المسألة الاقتصاديّة، فإن الليبراليّة الغربيّة - بالرغم من تناقضاتها - فإنها نشأت بمواجهة الفكر الراسمالي المُحافِظ الذي ينأى عن تدخّل الدولة في السوق. وكانت لنشأة بعض الأحزاب الليبراليّة الغربيّة - خارج أميركا حكماً - جذوراً ماركسيّة أكيدة (كما حال حزب العمّال البريطاني). وبعد الأزمة الاقتصاديّة العالميّة في ١٩٢٩، نشأت «دولة الرعاية»، والتي كانت الليبراليّة الغربيّة من حماتها. لكن الليبراليّة الغربيّة حادت نحو اليمين في التسعينيات، في بريطانيا وأميركا وألمانيا وغيرها من الدول. أما الليبراليّة العربيّة، إن في طورها الأوّل في عهد الاستعمار الغربي، أو في عهدها الثاني بعد صعود الحقبات السعوديّة المتتالية، فإنها لم تكن يوماً نصيرة لأنظمة الرعاية الاجتماعيّة أو لحقوق العمّال. على العكس من ذلك، فإن الليبراليّة الخليجيّة تريد المزيد من التخصيص، فيما نشأت الليبراليّة اللبنانيّة بعد الطائف جناحاً للمياردير رفيق الحريري، وهي ناصرت كل برامج الرأسماليّة المتوحّشة التي تبناها، وتبنّاها من بعده ابنه وفؤاد السنيورة، ومن حكم باسم «تراثه». وليس مستغرباً أن يرعى الليبراليّين في دول مثل تونس ومصر والأردن النظام الحاكم وأصحاب المليارات. والمسألة الاقتصاديّة تجعل من الليبراليّة العربيّة نقيضاً لليبراليّة الغربيّة، بالرغم من جنوح الأخيرة نحو اليمين، وبالرغم من إرثها الاستعماري9.
كسرت أحداث ١١ أيلول العلاقة بين أنظمة الخليج وبين الإخوان. كانت التيّار الليبرالي في الدولة السعوديّة موقع الضعف والدفاع، بوجه التيّار السلفي والإخواني. لم يكن ممكناً بعد الإطلاق الرسمي للجهاد الديني من قبل الملك فيصل بعد حريق المسجد الأقصى ان يبرز دور الليبراليّة الرسميّة. وميزان القوى بين التيّارين الرسميّين رجح بقوّة مؤخّراً لصالح الليبراليّين. لكن معضلة الأزمة التي ترعى الليبراليّة العربيّة انها تستعين بتيّار - خلافاً للتيّار الإسلامي - لا جذور أو قاعدة شعبيّة له. ولهذا، فإن هناك مِن الأمراء في آل سعود - مثل عبد العزيز بن فهد - مَن يفضّل الاسلاميّين على الليبراليّين. أي أن الليبراليّة العربيّة ليست إلا خياراً من الخيارات المُتاحة لأمراء النفط، مثلها مثل خيارات الاستجمام: هناك مَن يفضّل أوروبا وهناك مَن يفضّل المغرب.
المراجع:
1) راجع دراسة «شركاء حذرين: الاتحاد السوفياتي والاشتراكيّة العربيّة»، «أوراق إدلفي» الصادرة عن المؤسّسة الدوليّة للدراسات الاستراتيجيّة، ديسمبر ١٩٧٠. وقد صدرت في ترجمة في «ملف النهار»، عام ١٩٧١، ص. ١٤-١٥.
2) هنا، تختلف الروايات. هل وديع حدّاد قام بعمليّاته مستقلاً عن الاتحاد السوفياتي أم أنه كان متحالفاً مع «كي. جي. بي» ويحظى بدعم مباشر من يوري اندروبوف، كما يروي رفاقه من تلك المرحلة، وكما يرد في «أرشيف متروخين» في كتاب «السيف والدرع» الذي يجب النظر إليه بحذر شديد بسبب رعايته الغربيّة.
3) عملت دولة الإمارات على التخفيف من دور حسن الترابي في وضع دستور الامارات بعد أن كان ذلك أمراً معروفاً وعلنيّاً. راجع الأوراق الخاصّة لـ«مجموعة السير جيفري أرثر» في كليّة سانت أنتوني في جامعة أكسفورد البريطانيّة.
4) لعب الشيوعي السابق قدري القلعجي دوراً بارزاً في هذا الصدد. وكان له دار نشر خاصّة به، «دار الكاتب العربي»، الذي كان ينشر كتابات تجمع بين فكر الليبراليّة المضاد للشيوعيّة وفكر نظم سلالات الخليج.
5) استبدلت الترجمة العربيّة للكتاب المذكور مصطلح «العصر الليبرالي» بـ«عصر النهضة».
6) مقالة صاغيّة الأولى نُشرت في «الحياة» في ١٣ نيسان ٢٠١٧، والثانية في ١ آب ٢٠١٧.
7) جمال خاشقجي، الذي سيُعرف بأنه صاحب أقصر تجربة تلفزيونيّة في العالم أجمع، إذ ان محطته التلفزيونيّة أو بالأحرى محطة الوليد بن طلال الذي أوكل له إدارتها، لم تبثّ إلا ليوم واحد. وهو قد بدأ مسيرته بالجهاديّة الابن لادنيّة قبل أن يتحوّل إلى الليبراليّة في نسقها السعودي الرسمي. وفي مقابلة قبل أيّام مع «الحرّة»، قال إنه «كاتب حرّ» قبل أن يضيف: «نحن كسعوديّين نسمع ونطيع. الدولة أمرت ووجّهت ونحن نستجيب لتوجيهات الدولة ونقف دوماً بولاء وبدعم لحكومتنا».
8) ١٩ آب ٢٠١٧، «الحياة».
9) يجب مراجعة كتاب الصديق جوزيف مسعد «الإسلام في الليبراليّة»، والذي سيصدر لاحقاً في ترجمة عربيّة.
*كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

الأخبار

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | asadabukhalil@