من ايران الى السعودية .... روهينجا يا مسلمون !

عادت بورما او ماينمار وقضية اضطهاد المسلمين ( 15 % من السكان ، تقريبا ) والتطهير العرقي الذي يجري ضد اقلية الروهينجا المسلمه فيها ، مرّة اخرى ، الى واجهة الاعلام العربي والاسلامي ، وبصوره اكثر حدّة مما جرى ، في الفترات السابقة، حينما تم تركيز اضواء هذا الاعلام عليها ، خلال الاعوام 2012 و2007 و1997، مع ثلاثة علامات فارقه اضافيه ، هذه المرّة : اهتمام اعلامي غربي واضح . حملة متزامنه ومنظمه اوسع مدى من سابقاتها ، عبر مواقع التواصل الاجتماعي . وتوافق ايراني سعودي، في هذا الشأن ، وان ليس بالدرجة نفسها ، على المستويين الاعلامي والرسمي !
لكن اخبار وفديوهات الاضطهاد و التهجير، الحقيقية والواقعية ، التي بثتها وتبثها وسائل الاعلام العالميه ، تترافق ، اليوم ، مع سيل عرم ، عربي واسلامي ، من الصور المفبركه والزائفه لمجازر ومحارق تقشعر منها الابدان باستخدام صور لوقائع اخرى وفي اجزاء اخرى من العالم ، فتصبح صورةٌ لضحايا انفجار صهريج غاز في الكونغو ، مثلا ، صورةً لأحراق " اخوتنا في الاسلام في بورما " . وتُستثمر صورةٌ لرهبان بوذيين يدفنون ضحايا زلزال في التيبت ، في القول بقتل مئات المسلمين او دفنهم احياء على ايدي بوذيين بورميين . بل ويعُلق على صورة لحرق اجنه اطفال مشوهة وغير مكتملة النمو على انها شوي اطفال مسلمين للتلذذ بأكلهم، في حفلة باربكيو بوذيه بورميه ! وهكذا بالنسبة لعشرات بل ومئات الصور المعززه بنداءات التحفيز والتكبير ودعوات الانقاذ والجهاد و التي يمكن للكثير منها ان تبث الرعب في الاوصال وتشعل نيران الغضب والكراهية والحماسه في البشر . لقد استُخدم نفس هذا الاسلوب في بث الفتنة والتحريض الطائفي بالنسبة لسوريا والعراق، بل والأدهى من ذلك ان صورا لضحايا عراقيين ابرياء رُوجت على انها جرائم ارتكبها العراقيون ، ضد" اخواننا في الدين " ! واصبحت في بعض البلدان العربيه والاسلاميه ايقونات للتعبئه الجهادية للشباب المنفعل والمتحمس وارسالهم لقتال الكفره من الروافض والمرتدين !
لقد امست صناعة التزييف والفبركه هذه صناعة متخصصه ونجحت في انتاج هياج عام بسبب مخاطبتها اللاشعور والعقل الجمعي عبر آليات نفسية مؤثرة تستهدف اشاعة التعاطف الغريزي والتقمص النفسي والتي تضمن التهييج العاطفي الشديد وجعل شخص المتلقي يتقمص دور الضحية او يتمثل كونها شخصا عزيزا من عائلته ، وخصوصا باستخدام صور الاطفال وفبركة قصص لا يمكن ان تنتجها الا مخيلة مريضه واعماق جهنميه ! لقد تم اتباع هذا الاسلوب في سوريا والعراق ، كما قلنا ،وتم ، من خلاله ، تحويل الضحايا الى مجرمين والمجرمين الى ضحايا ، خصوصا عند التوجه الى من هم بعيدين عن تلك الميادين ويراد تهييجهم وتعبئتهم .
فمن يقف خلف هذا التهويل وسيل الفبركات والاكاذيب ، وما الذي يهدف اليه بالضبط ؟! وقبل ذلك ما هي نسبة الصحة في هذه الحمله، وما هي حقيقة الوضع في بورما . ماهي حقيقية المشكله و جذورها ، وقائعها ، ومدياتها الحاليه ؟ ، وبالاختصار المطلوب والضروري بالنسبة لحجم هذا المقال .

تاريخ وواقع ....

ليست قضية الاضطهاد والتمييز الذي تعاني منه الاقلية المسلمة في بورما ، عموما ، واثنية الروهينجاه، على وجه الخصوص ، بجديدة . حيث انها تمتد لأكثر من قرنين ونصف من الزمان ، كأنعكاس لواقع الصراعات العرقية والطائفية التي لم تنطفيء و التي ميزت تاريخ بورما الحديث ، لكنها لم تكن ، ابدا ، بعيدة عن مداخلات القوى الغربيه التي كانت تحاول الهيمنه على مقدرات هذا البلد او التي هيمنت عليها بالفعل ، وخصوصا الاستعمار الانكليزي ، الذي لعب دورا سيئا جدا في تأجيج هذه الخلافات بتبنيه للبورميين من اصل هندي او بنغالي ، مرّه ، واتخاذهم اتباعا ومستفيدين ، وهم مسلمون في الغالب ، ضد الأكثريه من البورميين البوذيين ،.او العكس ، بالقاء الملامة عليهم وحث البوذيين على كراهيتهم . ولقد شهدت بورما الصدامات واالقلاقل العرقية ، بين البوذيين من جهة والمسلمين ، وخصوصا الروهينجاه من جهة اخرى ، طوال القرن العشرين ، خلال عشرينات وثلاثينات واربعينات وستينات وسبعينات القرن الماضي ، واستمرارها ، وان بصورة اقل شدّة ، خلال السنوات المنصرمه من الالفيه الثالثه !
تعتبر بورما من البلدان الغنية في مواردها ، فهي تنتج النفط والغاز ، الذي لديها احتياطات كبيره ، نسبيا ، منه ( الغاز ) . والذهب والقصديروالرصاص والتنكستن والاحجار الكريمه ، وخصوصا الماس الاحمر الذي تنتج حوالي 90% من انتاجه العالمي كما انها تتميز بوفره في المنتجات الزراعيه خصوصا الرز الذي تعتبر رابع منتج عالمي له وكمياته تفيض عن الحاجه المحليه وتصدر الى الخارج . كذلك الاخشاب وخصوصا الانواع الجيدة حيث تغطي الغابات نصف مساحة بورما . وكذلك التوابل والسمسم و الاسماك وغيرها ... لكن ما يقابل هذه الثروات ، على صعيد الشعب ، وياللأسف ، فقر وحرمان حيث يهبط الى ما دون خط الفقر اكثر من 30% من السكان ...
ويمثل المسلمون حوالي 15% من البورميين . يعيش اغلبهم ، بصورة افضل من اقلية الروهينجا العرقيه ، والتي ينسبها البورميون وخصوصا الحكومات المتعاقبه ، الى بنغلادش ، ويحاولون اجلائهم اليها في حين ترفض بنغلادش قبولهم ، وهم يعيشون ، في الغالب دون اعتراف رسمي بهم ولا وثائق تثبت هويتهم ، مثل حال " البدون " او المهاجريين غير الشرعيين في بعض البلدان العربيه او غيرها .

من المجلس العسكري الى الديمقراطيه ...

لقد حكمت الطغمه العسكريه بورما لنصف قرن تقريبا ( 1962-2012) ، وكانت اساليبها في الادارة والحكم ، اتجاه البورميين عموما والاقليات ، خصوصا ، بالغة الشّده ولا انسانيه بمعنى الكلمه ، لكن ردود افعال العالم الغربي والولايات المتحده لم تتجاوزسقف دعاية حقوق الانسان وبيانات المنظمات المختصه ، مثل العفو او غيرها . ورغم ان مجموعة المجلس العسكري كانت تحسب على الماوية ، وتركز على الاقتصاد المخطط ومبدأ الاعتماد على الذات لكنها انتهت الى ان تصبح اوليغارشية وفاسدة وتولت شركات شيفرون الامريكية وتوتال الفرنسية امر الشراكه معها في انتاج وتسويق النفط والغاز . ولم تكتف هذه الزمره بجني ومراكمة ثرواتها على الموارد المنظورة و" الشرعية " فحسب بل واعتمدت ، لاحقا ، على زراعة الخشخاش وتحضير الهيرويين بمساعدة ودعم شركات فرنسيه وغربيه في سنغافورة وغيرها . اما عملية التصدير والترويج خارج بورما فتشير تقارير صحفيه غربيه الى ان وراءها شريكٌ مخاتل و مستفيدٌ اكبر ، هو الCIA !! 
لقد عملت الحكومة البورمية ، التي اضحت طغمة اوليغارشية وكيان هجين من القادة العسكريين المخضرمين للمجلس السابق وليبراليي الية السوق والتجارة الحرة والفساد الذين جاءوا عبر الاصلاح واللبرله ،و رغم تناغمها خلال السنين الاخيره مع مصالح وارادة الامريكان ، على ان لا تضع بيضها كله في سلة واحدة ، فطورت شراكات صغيره ومصالح متبادله ليس مع فرنسا و اليابان ، المستعمر القديم الذي تناوب الهيمنه مع بريطانيا ،بل وكذلك مع تايلند والهند والاخطر من ذلك كله ، الصين ، التي اصبحت اكثر تهديدا للولايات المتحده والغرب تجاريا منها عسكريا او ايديولوجيا . ويمكن ان تشكل بورما بالنسبة لها، خنجرا في الخاصره وقبضة للضغط والخنق ، مثلما يمكن ان تشكل بابا للمزيد من التوسع والقوّة ومن هنا الشكوك في ان بورما قد تصبح ساحة للاضطراب وعدم الاستقرار مستقبلا !

من يقرع طبول الحرب المقدسه ؟

ان تأجيج الوضع في بورما باتجاه اشعال حرب مقدسه ترمي فيه دول العالم العربي والاسلامي المهّمه بثقلها ، اموالا ورجالا ، يمكن ان يستدعي الى الاذهان حرب افغانستان المقدسه ، ضد السوفيات . واذا كانت تلك الحرب قد انتجت مسخها " العرضي " ، كما يبدو ، ولكن المأمول والحتمي ، كما هو واقع الحال ، متمثلا في تنظيم القاعدة ومن ثم اجياله المتعاقبه وصولا الى داعش ، فما المسخ المراد تكرار خلقه في جنوب شرق اسيا وفي خاصرة كل من الصين والهند : العملاق الذي بدأ خطره يطرق ابواب امريكا واوروبا بعنف والعملاق الاحتياط الذي هو في طريقه لأن يتّرسم خطاه ؟
ثمة افتراض ، لا يخلو من الوجاهة والدعم من ان المعني بهذا التصعيد ليس حقوق الروهينجا ولا انصافهم بالفعل ، ولا التأسي على التمييز الذي يعاني منه المسلمون ، عموما ، هناك ، بقدر مايسعى الى تمهيد الساحة وحشد الامكانات لحرب بالوكاله مع الصين وربما الهند قد تستنزف منطقة جنوب شرق اسيا كلها وتحول احلام وآفاق مجموعة بريكس الى نثار ، فاضافة الى حرمان الصين من تطوير الجسر البري العالمي ومشروع طريق الحرير الجديد الذي تدعو اليه دول البركس وفي الاساس منها الصين ، كبديل للهيمنه الغربيه والامريكيه بالذات ، على التجاره العالميه وكمناخ ممكن ووحيد لفتح الفرص امام المحافظه على وانماء استقلال الامم وبناء اقتصاداتها في شروط افضل ، فانه يهدف الى خلق بؤرة توتر واستنزاف تشبه ما كانت عليه افغانستان للاتحاد السوفيتي ، وموقد مشتعل يكون حطبه امكانات وطاقات شباب المسلمين وثرواتهم من جهة ،ويمكن ان يتطور الى مصدر تحريض ونشر كراهية وبؤرة اشدّ اتقادا للصراع والحرب .
كتب بعض المحللين الفرنسيين ، ( تيري ميسان مثلا ، صاحب موقع ، فولتير ) عام 2007، ان المصالح الفرنسيه في ماينمار ، وبالذات شركة توتال النفطيه ، هي المستهدفه من تحويل ماينمار الى ارض معركة ، لتأمين انسحابها وتخليها لمصلحة الاحتكارات النفطيه الامريكيه ومنها شركة شيفرون بالذات . لكن هذا كان عام 2007 . اما اليوم ، فنظرة الى موقع ماينمار على الخارطه ومعرفة بطبيعة المشاريع والتسهيلات التي اقامتها الصين والتي من شأنها ادامة وتسهيل امدادات النفط القادمه من ايران وشرق المتوسط عبر خليج البنغال تجعلنا نستنتج ان المستهدف الاول هو الصين ومن ثم الهند، سواء بالنسبة لموقعها الجغرافي او لطبيعة التشابك الاثني والبشري مع ماينمار !
ان عدد المسلمين في جنوب شرق اسيا والهند والصين اضافة الى الباكستان يقرب من مليار مسلم ، وبعد ان كانت، هذه المنطقه ، ميدانا خصبا للعمل الدعوي المدعوم من المملكه السعوديه ودول الخليج وبنسبه اقل ايران ، هاهي تصبح مطمحا ترنو اليه عيون التنظيمات الجهادية والتكفيرية وثمة وقائع ومعلومات عن نشاطات مسلحه وخلايا نائمة وبؤر جهادية في المنطقه . اما بالنسبة لبورما ، ذاتها ، فثمة وقائع يجب عدم اغفالها في الاحاطه بطبيعة المشكل ومدياته ، منها ان البورميين يشكلون اكبر الاقليات في المملكه السعوديه ، اذ يبلغ تعدادهم 500 الف نسمه ، وقد هاجروا الى المملكه على شكل دفعات ابتدأت منذ ما يقرب من سبعين عاما ، وحصل قسم منهم على الجنسية السعوديه فيما حصل البقيه على الاقامه ، ويعملون في الوظائف الرسميه والتجاره وكذلك الخدمات بالنسبة لذوي الهجره الحديثه نسبيا . ولقد شكل بعضهم امتدادا للايديولوجيا السعوديه وتاثيراتها في اقليم اركان البورمي ذو الاغلبيه المسلمه ومارسوا ايضا اعمال النشر والتبشير وبناء المساجد والدعوه وفق الطريقه الوهابيه ولقد كان لتاثيراتهم وتحريضاتهم وفتاويهم ، ايضا ، نصيب في الاثاره والحث على العنف ، مثلما كان لاصداء اخرى من الوهابية متمثله في حركة طالبان نصيب في تأجيج روح الكراهية والانتقام كما فعلوا عندما فجروا تمثال بوذا في باميان في افغانستان والذي يعتبر من اضخم المعالم البوذيه التي يشدون اليها الرحال ،الامر الذي تسبب في اندلاع موجة عنف ومطالب بالانتقام لدى البوذيين في بورما الذين سعوا الى احراق اكبر مسجد اسلامي في بورما ! انها الاواني المستطرقه ذاتها : فدورة التبشير والتحفيز والتنافس الديني ستفضي الى دورة كراهية وتعصب وصدامات وهذه ستفضي ، بدورها ،الى الفضائع والمذابح ، التي تؤدي الى قبول والترحيب بالتطرف والارهاب والحرب !
ان وجهة داعش او اية بدائل " جهادية " اخرى، القادمه ، ربما تكون جنوب شرق اسيا ، فمثلما يستدل من خطوط النمل على مكامن الدبق ، يٌستدل على مكامن النفط والغاز وباقي الثروات ، اليوم ، وفيما اذا كانت ثمة خطط مستقبليه قريبه لمصادرتها من ايدي الشعوب ، بانتقالات هذه الجماعات وظهورها هنا او هناك . انها حرب النفط والغاز والمياه وخطوط النقل والتجاره العالميه . حيث سرعان ما تتبع القوات الامريكية والاحلاف السانده لها تلك الخطوط " لأعادة الامن وااستقرار " بالحرب على الارهاب . انها متلازمة عالم اليوم ، والطريقة التي تدار بها صراعاته !

كلمة لا بد منها ....

ثمة كلمة اخيره ، لا بد منها ، فنحن رغم تعاطفنا ورفضنا بشده المظالم التي يتعرض لها الروهينجاه والتمييز العرقي اللا انساني الجاري ضدهم بل واعمال القمع والاضطهاد والانتقام التي تعرضوا ويتعرضون لها ، نعتقد ان الروهينجاه الحقيقيون ، الذين يستحقون التعاطف الشديد والتضامن التام والسعي الحقيقي لتخليصهم او التخفيف من معاناتهم ، اولاً ، هم العراقيون . العراقيون الذين تُقطّع منهم الاوصال وتمزق جثث اطفالهم ويحرق ابرياءهم ، حقا وواقعا ، ومنذ اربعة عشر عاما بالسيارات المفخخه والعبوات الناسفه بل وكثيرا ما ذُبح البعض منهم وسط صرخات الله اكبر وامام كامرات التصوير ! دون ان يعني ذلك احدا ، بل ودون حملات تضامن ودعوات تجييش معهم عبر نشر ولو صورة واحده من تلك الفضائع التي تعرضوا ويتعرضون لها . انهم العراقيون الذين تُنهب اموالهم وتُسرق اقواتهم ، ويفسد تعليمهم وتُسرب ادويتهم ! وبعد ذلك فالروهينجاه ، ايضا ، اليمنيون الذين تمزقهم قذائف العدوان وتقصفهم طائراته ويفترسهم الجوع والمرض . وهم الفلسطينيون الذين تُصادر، في كل ساعه ، اراضيهم ويُقتل اطفالهم . والروهينجاه ، ايضا ، السوريون الذين دمرت مدنهم ويقتل اولادهم وتستنزف طاقاتهم . وهم ايضا وايضا الليبيون والمصريون والبحرينيون وغيرهم وغيرهم ، فلا تأخذكم الصيحة ولا تستخفكم الهَلمُّ التي يشير اسلوبها ومفرداتها الى المحرك والباعث والغرض !