ما السعادة ؟

كل الكائنات البشرية تشترك في نقطتين وتتمحور كل فعالياتها الحياتية عليها من الولادة حتى الممات: وهي البحث عن السعادة وتجنب الألم. وما من كائنٍ بشريَ يخلو من هذا المطلب. لكن لماذا لسنا سعداء ؟ قد يجيب بعضنا إن السعادة تتفاوت من شخص لآخر وتتباين ردود الأفعال في تصورها، ومن هذه الناحية يغدو مفهوم السعادة قابل للتخمين والتفلسف، وبالتالي سوف يتدخل الذهن في تقييم المفهوم، وإذا تدخّل هذا الأخير سيجرّنا نحو المعاناة!، اعتماداً على نقاطه المرجعية وتقييماته الخاصة .

إن تجربتنا في الوجود هي تجربة تحدث من خلال الشعور، ولولاه لم ندرك الأشياء . والشعور ملوث بالإدراكات المزيفة والإسقاطات الشخصية التي لا تعتمد على شيء سوى الانطباعات السابقة، وبدورها تغدو عادة متأصلة بمرور الوقت، وتبقى السعادة من هذه الناحية أسيرة لهذه الانطباعات الملوثة. لكن لازال السؤال قائماً حول المنبع الحقيقي للسعادة ، فالتيار لابد له من منبع، فقد يقف هذا التدفق لو توقف المنبع، ومنابع السعادة كما نراها نحن كامنة في الخارج ؛ فالمال، الجنس، الكحول، السفر، وقضاء أوقات ممتعة، هي منابع السعادة كما نراها . ولو فتشنا جيداً سنجد إن هناك من يقيم أمر سعادتنا وتعاستنا، إنه الفكر ! .. الفكر من يقيم ذلك ويضعنا في تصورات معينة للسعادة، فمن هذه الناحية اقتربنا من فك العقدة التي تحدد امر الفكر : إنها حالة داخلية وليست خارجية , فأجسادنا حينما تمرض لا تتوقف عن الشعور بالسعادة !، حتى لو كنّا في أقصى حالات المرض، نفرح ونضحك ونبتهج..الخ. النقطة التي نقترب منها في فهم السعادة هي الفكر وليس الجسد. ومن خلال التقييمات المستمرة للفكر تضطرب المشاعر، وما يراه الآخرون جميلا ومفرحاً، يغدو عندنا مصدراً للتعاسة، وقد يتبدل الأمر نحو العكس . الأغنياء والفقراء تتفاوت مشاعرهم نحو السعادة, كل الفئات البشرية على اختلاف توجهاتها يتفاوت شعورها بالسعادة، لأن طبيعة الفكر واحدة، لكنّ التقييمات مختلفة، والخطوة الأولى في إيجاد السعادة هي تسكين الفكر من التشويش والاضطراب وتنقيته الشوائب.

ساهم الظروف الإيجابية في تسكين الفكر، إلّا أنها ظروف وقتية، ومتى ما تعلّق أمر السعادة بأمور مشروطة، فسوف تنتهي حين انتهاء الشرط وترجع الكآبة من جديد. قد تساهم المسكرات في جعل الفكر مبتهجاً وسعيداً، لكن سرعان ما يتبدد هذا الحلم عن الصحو " فصحونا وإذا الدنيا على حالتها.. ". ولذا يفشل الكثير في مواجهة الحياة ومتاعبها من خلال الإدمان على المخدرات هرباً من هذا الألم المستمر.

والتأمل هو احد المقترحات لتسكين هذا الفكر وخلق عادة جديدة كانت بعيدة عن عادتنا، ومن يمارس التأمل سوف يفهم سكون الفكر والراحة النفسية والسلام الداخلي الذي يجلبه التأمل فيما لو جعلناه أحد عاداتنا اليومية، بدلاً من الانغماس في السوداوية والبحث عن منافذ وقتية سرعان ما تتلاشى لمجرد انتهاء شرطها.