لماذا يرفض البعض حق تقرير المصير للكرد؟ 2 من 4

 

ننتقل الآن إلى عرض أهم وأشهر الأسباب التي يطرحها رافضو حق تقرير المصير للأمة الكردية مع ردود أولية ومقتضبة عليها. -الحجة الأولى هي إنكار وجود "أمة كردية" أو "شعب كردي" أصلا فالأكراد من وجهة نظر البعض هم "عرب الجبال" في العراق، وهم "ميديون فرس" في إيران، وهم "أتراك الجبال" في تركيا، حسب الخطاب القومي العنصري في هذه الدول، أو هم أقوام مهاجرة لا أرض لها ولا وطن، وهذا الخطاب ذو جوهر عنصري بحت يكرره دعاة الخطاب القومي العنصري بمختلف لغاته العربية والفارسية والتركية. ويمكن تفنيد هذه الترهات العنصرية بسهولة فالكرد أمة متمايزة عن غيرها من الأمم المجاورة لها لغة وتاريخ وجغرافيا وهي مقيمة على أرضها التاريخية منذ قرون عديدة بل هي أقدم بقرون عديدة من أتراك الأناضول أنفسهم في الشرق الأوسط. أما كونها كانت بدوية مهاجرة في فترة معينة من تاريخها القديم فهذا لا يطعن بأصلتها كسائر الأمم العريقة التي مرت بمرحلة البداوة كأمة العرب في آسيا والشعوب العربية "المستعربة" في أفريقيا وشعوب أخرى في أفريقيا وآسيا.
- وهناك حجة عدم وجود دولة للأكراد في الماضي التاريخي. هذه حجة لا قيمة لها علميا وقانونيا لأننا لو أحصينا عدد الدول القائمة الآن والتي لم يكن لها وجود أو تراث دولتي قبل 70 عاما لما انتهينا من العد وهذه بعض الأمثلة: الكويت وقطر والأردن وتونس وأريتيريا وعدد كبير من الدول التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية. 
- يزعم البعض أن حق تقرير المصير خاص فقط بالأمم والشعوب المستعمرة. وهذا السبب أو الحجة متهافتة منطقيا إذ لا يمكننا ان نتصور وجود شعب غير مستعمر في الماضي والحاضر دون أن تكون له دولة مستقلة إلا إذا كان هذا الشعب يريد ان يكون بلا دولة رغم أنه غير مستعمَر وهذه حالة لا وجود لها. إن حق تقرير المصير لا علاقة تعليلية ووجودية له من حيث الأساس بوثائق الأمم المتحدة حول قضية "تصفية الاستعمار والوصاية على الدول الصغيرة" كواحدة من نتائج الحرب العالمية الثانية. وليست وثائق الأمم المتحدة بهذا الخصوص ذات صلة بحق تقرير المصير الأساسي والعام والبدئي (بما يعني: حق الشعوب والأمم جميعا وكلا على حدة في العيش بحرية وكرامة ودون خضوع لأمة أخرى) لأن هذا الحق سابق وأصل لهذه الوثائق وليس فرعا وتجسيدا لها أو لجزء منها. وتأريخيا فإن أول تجسيد وثائقي لهذا الحق يعود إلى عهد الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر 1789، ولكن الدول الاستعمارية كانت تحتال عليه أو ترفضه بكل سهولة لضمان مصالحها الاستعمارية القارية كما فعلت فرنسا ما بعد الثورة ذاتها حين احتلت الجزائر وألحقتها بدولتها طوال مائة واثنين وثلاثين عاما. حق تقرير المصير هو أحد تجليات مبادئ الحرية الفردية والجماعية للشعوب والأمم، ورفضه يعني رفض مبادئ الحرية الإنسانية في أبكر صورها وتعبيراتها والانحياز للظلم والاستعباد الجماعي للشعوب والأمم الصغيرة من قبل الأمم والدول الكبرى والقوية. 
-حجة أخرى يسوقها رافضو حق تقرير المصير الأكراد في العراق ومفادها أن الأكراد في العراق حصلوا على ما لم يحصل عليه بنو جلدتهم في الدول الأخرى من حقوق وامتيازات ثقافية وقومية. وتبوأوا مناصب كبرى في الدولة العراقية منذ العهد الملكي. والرد هنا يمكن اختصاره بأن نيل الأكراد لجزء من حقوقهم في العراق أو غيره لا يُسقِط الجزء الاخر منها بالتبعية وإذا كان يحسب للدولة العراقية موقفها هذا فسيحسب عليها أيضا سجل جرائم ومجازر بعض أنظمتها التي بلغت درجة استعمال السلاح الكيمياوي والتهجير القسري واسع النطاق" الأنفال" بحق الكرد.
-هناك من يناقش حق تقرير المصير بناء على أيديولوجيته الخاصة، سواء كانت الماركسية أو الإسلامية الشيعية أو السنية او القومية البعثية وغيرها. وهؤلاء الأيديولوجيون لا يمثلون إلا أنفسهم وأيديولوجيتهم كما فهموها بطريقتهم الانتقائية هم – وفهمهم أختلف معهم فيه، بخصوص الماركسية مثلا-لأنه فهم ليس ملزما لغيرهم. فالأيديولوجية أيا كانت تبقى أيديولوجية بين عشرات الأيديولوجيات الأخرى وهي ملزمة لمن يعتنقها بشكل دوغمائي جامد وليس لمن يتبناها كمنهج عقلاني نقدي في التفكير، ولن نحيد عن الصواب لو قلنا إن هذه الأيديولوجيات من الناحية التطبيقية و في التجربة التاريخية المتحققة متماثلة جوهرا. فالإسلامي الذي يريد للكرد أو غيرهم ان يعيشوا في دولته (الخلافة الراشدة أو ولاية الفقيه) متحابين وسعداء تحت (راية الإسلام الذي لا يفرق بين الناس) ينسى أنه هو من يحكم هذه الدولة ويمنحها صفتها وهويتها القومية وليس الكردي. هذا الإسلامي لا يختلف تطبيقيا عن اليساري من النموذج الستاليني أو القومي البعثي أو غير البعثي في مصادرة حق الكردي وغير الكردي في تقرير مصيره كقومية ثانية أو ثالثة في البلاد وهو جزء من أمة أكبر، وتحدث هذه المصادرة باسم شعارات "جميلة" أخرى. فماذا بخصوص وضع الكرد في العراق؟ يتبع.
*فقرات من مقالة بعنوان " فضُّ الاشتباك بين استفتاء البارزاني و حق تقرير المصير للأمة الكردية" تنشر كاملة لاحقا!