الاستفتاء الكردي والوطنية العراقية الثانية(1/2)

انهار العراق الايديلوجي، ومعه "الوطنية الايديلوجية"، على اثر وكحصيلة للغزو والاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، الاحتلال الجديد في القرن الواحد والعشرين، جاء مختلفا جوهرا، عن الاحتلال الانكليزي الاول عند بداية القرن العشرين، فالاول ترافق حضوره مع ميل الغرب الاستعماري ل "بناء الامم"، على عكس مايدعيه القوميون العرب، اما الثاني الحالي، فقد ترافق دخوله العراق، مع غلبة استراتيجا جديدة، صار الغرب يجدها اكثر ملائمة لاغراضه، قاعدنها "تفتيت الامم"، ابتدأ بناء عليها بسحق الدولة العراقية المسماة "حديثة" بعد 82 عاما على اقامتها على يد الانكليز 1921/2003.
هذا المتغير، ترافق مع ظاهرتين اساسيتين، الاولى نجدها في انفتاح افق التحول التاريخي العراقي على حقبة مابعد الدولة، او يدءغلبة مجتمع "اللادولة" الذي هو مكون اساسي من مكونات العراق التاريخية، سعى الغرب الحديث لسحقه، والاجهاز عليه، عبر الدولة الايديلوجية الاولى، عام 1921/ والثانية 1968، مع استمرار تداعي الهيمنة النموذجية، والفعالية والصعود الغربيين الحضاريين، في اطار انقلاب كوني وشيك، مايزال في طور التشكل.
المستجد الاول، تشير له التفاعلات النامية داخل "العملية السياسية الطائفية المحاصصاتيه" وقوى ماقبل الدولة، المتصدرة لها منذ الغزو عام 2003 ،وتتمظهر اجمالا في التناقض الظاهر، بين تدني قدرات وممكنات فعل هذه القوى وطنيا، بازاء حجم ونوع المقتضيات الوطنية المتزايدة الحاحا، ومع طغيان الجزئية على عمل وفعالية وافق القوى التي يحتويها المشهد العراقي عموما، تتراكم الخبرات المستخلصة من المناسبات المستجدة، لصالح، وفي خدمة مشروع "الوطنية الثانية" الكامن في قلب اللوحة الوطنية، وحيث تختلط مظاهر العجز والتخبط، فتشمل تباعا قوى الجزئية مادون الوطنية، لايبدو حاضرا في المقابل سوى صوت يقايا الايديلوجيات، والافكار الجاهزة البائدة، وهو ما يصبح من قبيل المناسبة الكاشفة لانماط التفكير المستعار الجهول النقلي، حسب الحالة والظرف.
فقضية الاستفتاء البارزاني مثلا، كشفت لنا عن اعداد كانت غائبة، ولم يسمع بها احد، من التنظيمات والاحزاب، والمنظمات التي تدين بالماركسية، وتتحدث باطناب مضحك عن "حق تقؤيؤ المصير"، وعن توافق الاستقلال، مع اهداف " الطبقة العاملة"، او " البروليتاريا الكردية"، او حتى بعض غير الكردية، من بين من يتباهون بكونهم يؤمنون ب"حق تقرير المصير"، مع ان القضية الدائرة لاتمت باية صلة لهذه الموضوعة بالذات، بقدر ماتتعلق بازمة الطرف الكردي الاصيل في العملية السياسية المحاصصاتية، تقابلها المظاهر الفاضحة التي تتجلى على مستوى الحكم، شللا وفسادا ولاجدوى، ولدى المجموعات المتعيشه على الانتماء السني، مشاريع مستيلة جزئية بلا مخرج، حصيلتها الموت المعمم للجميع.
والمشكل الاكبر والخطير، الذي يمكن استخلاصه من كل هذا الضجيج الدائر، والمتنقل على مدى مساحة العراق منذ 2003، ويمنحه الاستمرارية وقوة الحضور، انما يعود بالدرجة الاولى لتاخر واستمرار غياب بدء تبلور الرؤية الوطنية الثانية. ان بعض القوى، او اصحاب الاراء والايديلوجيون منهم على الاخص، ليس بمقدورهم تكوينيا الاحساس، ناهيك عن الاقرار، بانهم قد اصبحوا خارج الزمن، او انهم مجرد معطى وعلامة من علامات الدلالة على انتهاء ولاجدوى تفكرات، انتهت تاريخيا لكارثة، فهؤلاء مؤسسون بداهة على حجزتخييلي لقاطرة التاريخ، واختطافها، والعيش داخلها منفردين وحيدين، خارج العالم.
وليس من طبيعة الاشياء او الخبرة البشرية والتاريخية، الارتكاز الى ماهو غير ملموس، والبناء عليه، مايعطي الازمة الحالية بعدا مركبا، فاحادية ممارسة قوى القصور والعجز، بمختلف اشكالها الطاغية، يمكن ان تظهر من بعض المناحي وكانها "واقع" لابديل عنه، وان عناصرها وقواها هي "قوى اللحظة"، بحيث يكون النظر اليها من وجهة نظر تجاوزها من قبيل التخيلات، هذا مع ان بعض المناسبات المتاخرة، ساهمت ضمنيا في التاسيس لخلخلة قوة هذا المعتقد، من قبيل ذلك مثلا الانتقاضة الشعبية الاخيرة المطالبة بالاصلاح، او مترتبات انهيار الموصل في حزيران عام 2014، وماكانت تتضمنه من احتمالات انقلابية خطيرة، الا ان ظواهر كهذه، دالة على العجز، لم تترافق بعد مع نهوض ملموس لرؤية بديله، وماتزال "هيئة الكارثة المتصدرة للمشهد"، قادرة على ان تتعايش مع الازمات الكبرى، وان تكون حاضرة في المعالجات التي تتطلبها.
وغالبا ماتتوالد الازمات الناشئة، عن التناقض السالف الذكر، ما بين حجم وطبيعة المقتضيات والمتطلبات الوطنية، والقوى الموضوعه في مركز الفعل الوطني بحكم الواقع الاحتلالي، مولدة خاصية وطابعا متزايد الاحتدام، يصبح اكثر فاكثر مميزا للحظة التاريخية، فالانتفاضة الشعبية، اعقبت انهيار حزيران 2014، وتحرير الفلوجة، ايقظ لدى القيادة العشائرية الكردية، المخاوف من ان تنتهي جولة داعش بشطريها، من الرمادي الى الموصل، الى فتح صفحة تمدد البيشمركة باسم تحرير بعض المناطق من "داعش" الى مايعرف ب " المناطق المتنازع عليها"، بظل متغيرات وخبرات عسكرية، يعرف البارزاني انها ستكتسب بفعل الحرب ضد "داعش"، ماسيمنح الحكومة المركزية في بغداد، قدرة في المجال العسكري الاكثر مضاء وخطرا، لم تكن موجوده ابان ازمته الاولى مع المركز ايام المالكي، ومع تراكم المشكلات داخل كردستان، وانتهاء مدة رئاسة مسعود، وتعطيله البرلمان، والكساد بعد توقف مشاريع البناء، وتنامي مظاهر السخط الشعبي، بظل استشراء الفساد، والدكتاتورية العائلية، وتزايد الفقر،لايجد البارزاني سوى مخرج وحيد، يختاره، ليس على قاعدة الحقوق، او النظريات والمباديء، التي يتلهى بها اليوم منشغلون بجنس الملائكة، اذا كانت ياترى برجوازية ام بروليتارية.
ليس لدى مسعود كتدبير متوافق مع ازمته، ونطاق استيعابه، وحدوده كشخص وجد ضمن ظرف خاص انتقالي تاريخيا، قائم على اختلال شامل، سوى التعبير عن ازمة قيادته، بوسائل اصغر من المطلوب، وابعد عن السياق الوطني الاشمل والمتضمن افاقا ارحب، بغض النظر عن النقاش المتعلق بقضية الحقوق، غير الواردة في اعتباراته او اغراضه. ولايمكن في مثل هذه الحالة، النظر بجدية، او استحضار مقاييس من هذا النوع، لمعالجة حالة وظرف، كل ماينتج عنه، ويصدر عن قواه، هو ادنى واضيق من اي قاعدة قياس صالحة للتطبيق الوطني بمعناه الراهن والماضي، بما في ذلك الايديلوجي المنتهي الصلاحية منه.
ان نطاق "المشترك الوطني الاعلى"، الذي يشارف على تحدي العقل والارادة العراقيين من هنا وصاعدا، تتاسس اولياته كما هو قدر العراق خلال تاريخيه كله، من خلال الكوارث والماسي المترابطة والمطردة، التي سيكون على القاعدة العراقية الوطنية، كردية كانت، سنية او شيعية، او تركمانية، ومن اية ملة عراقية، ان تحفر الاساس الضروري لارسائها بظل، ضرورات انتقالية، عنوانها الكوني "مابعد غرب"، بما يعنية من انقلاب اكبر. العراق الذي شهد عام 2003 اولى حواضنه وتطبيقاته الدالة على ازمة الغرب الكونية، كما بسبب اهليته البنيوية ككيان مزدوج تاريخي، المؤهل الاول للافصاح عنه، وعن الوجهة التجديدية البشرية الراهنة الدالة على ملامحه.
هل سنشهد على المدى المنظور، بدايات التشكل العراقي الموازي للقشرة المحاصصاتيه الطائفية ولقوى ماقبل الدولة مادتها، مع بزوغ "الوطنية العراقية الثانية"، تصورا، وكينونة، وقوى، وممارسة؟ الانتقالات التي من هذا العيار، عادة لاتتحقق بين ليله وضحاها، وهي لهذا وبحسب خبرتنا الطويلة، ونوع تاريخنا، وتجليات افكاره، تاتي مقترنه بالايحاء والمعجزة احيانا، والمؤكد ان الانسان ومهما اراد او حاول، لن يستطيع اجبار التاريخ على الصدوع لرغباته واحلامه، الا ان تاريخ العراق الطويل المديد، وخاصياته، وعمل آلياته المغفلة المضمرة، وتاييد "الغائية الكونية العليا" / معادل "الحتمية التاريخية المادية"/، ولمن قد يتاح له ان يعرفها، او يتحسس موجبات انكشافها، واماطة اللثام عنها، قبل ابعاث فعلها، لم تعد اليوم وعلى المدى المنظور، من عوالم وعنديات الحلم والوهم الذي ينتقل اليوم، نحو زاوية اخرى، كانت شديدة الاقتناع من دون مبرر، بواقعيتها، وبمصادرتها ايقاع وعمل التاريخ.
ـ يتبع ـ