لماذا نعاني !؟

 

توجد الكثير من الأشياء المجانية التي يمكن العثور عليها في هذه الحياة، ومن أهمّها كميّة العذاب المجاني الذي نجلبه لأنفسنا من خلال الصراع الداخلي المستمر، كما لو أن هناك نزيف متدفق يصعب إيقافه. نشتهي الخلود ونعلم علم اليقين إن الحياة مثل فقاعة ! وأسباب الموت تبدو تافهة للغاية في كثير من الأحيان، ونعلم كذلك إن الموت حقيقة غير قابلة للتأويل، إلّا أن الخوف من هذا الكابوس لازال يحتل مساحة كبيرة في ذاكرتنا. نشتهي العيش وسط حياة خالية من كل أشكال المعاناة ونعلم علم اليقين إن هذه الحقيقة لا توجد سوى في المسلسلات التركية، ونعلم إن حياتنا من الولادة إلى الشيخوخة نهاية بالموت كلها معاناة، ويصعب العثور على حياة مثالية خالية من الألم. نشتهي أن لا نفارق من نحبهم ونبقى بجنبهم طول الدهر، ونعلم علم اليقين إن الفراق أمر محتّم مهما كان ثقيلاً على النفس، ولن تنفعنا الصراخات والدموع وكل أشكال الرثاء ولو بقينا نبكي الدهر كلّه لن نغيّر هذه الحقيقة الدامغة.

 

ولكل واحدة من هذه الحقائق فروع لاتعد ولا تحصى من أشكال المعاناة، فينتهي بنا الحال للانتحار أو العدمية أو نتحوّل إلى وحوش كاسرة، أو نحاول ترقيع هذه الحقائق بتزييفها من خلال الخلق المستمر لكل صنوف التعلّق . أعظم ترياق يمكنه أن يخفّف هذه المحنة الكبرى هو إدراك الزوال، إدراك المعاناة، إدراك ألم الشهوة بهذه الحقائق وما تنتجه من آلام ذهنية ونفسية فضيعة. حينئذ نكون قد خطونا الخطوة الأولى لفهم اللعبة!. إن إدراك الزوال ضرورة من الضروريات وليس كماليات أو ماشابه ذلك ؛ إنها حالة تبصّر عالية بمغزى هذه الحياة وحقيقة تلاشيها في يوم من الأيام مهما طال أمدها . لاتبقى سوى الرحمة التي تمثل حالة انفتاح فكري عالية تجاه الآخر، وعبور حالة التشويش الذهني التي تضاعف تعلقنا بالحياة . كلنا متورطون ولا أحد منا يمكنه الوقوف على ساحل الحياد في مثل هذه الحالة. إدراك الزوال لا يقودنا للعدمية !، وإنما للانفتاح واستشعار مكامن البهجة والفرح في أعماقنا المستغيثة من ألم المعاناة، والتي يكمن تحتها عالم السَكينة. ذلك الانفتاح الذي يمنحنا قدرة فريدة للتعامل مع الأشياء كونها زائلة، فنستمتع بها كمسافر حط رحاله في مكان بهيج، لكنّه يعلم بمغادرته حين انتهاء الرحلة. ربما السعداء أدركوا هذه الحقيقة،فلا مانع لديهم من الرقص والغناء والمرح، وتصدير البهجة لؤلئك المحرومين منها. مهما حاولنا غض النظر عن هذه الحقائق ستطاردنا كما الكابوس، وستبدد هذا الكابوس بالتدريج حينما ننتبه أثناء الكابوس.. ! أنه حلم ثقيل لا أكثر.

مؤكد أن الموضوع لا يحل بهذه الكلمات، ولا نتصرف معه كوجبة طعام، أو رحلة استجمام قصيرة، أو نزوة جنسية عابرة، وإنما يشكل رحل حياتنا بكل تناقضاتها، هذه الرحلة التي أدهشت الخلق بسحرها وتناقضاتها وحلوها ومرّها. بغداد اليوم.