جريمة مجزرة الناصرية : الواقع والدلالات 2 من 3

يجد كثيرون الراحة في إطلاق صفة بعثيين على كل حدث إرهابي وكثيرا ما يمتد التوصيف لمناسبات وأوضاع كثيرة بعضها يمنح البعث مآثر لا يستحقها وهذا التوصيف الذي يحقق لهؤلاء متعة الانتقام السياسي أو تصفية الحسابات التاريخية يسقط في المقابل أجزاء كثيرة من الصورة ويقع في إغراء الانسياق للوصفات السريعة الجاهزة بحصر للإرهاب في دائرة أضيق من فعل الواقع .
الصورة الأولية للإرهاب في العراق .. طيف سني سلطوي من مختلف الاتجاهات يريد استعادة فردوس السلطة المفقود ولن يتورع عن القيام بأي عمل كما هو دأبه طيلة أربعة عشر عاما ويمكن أن يتخذ أي لافتة ويوظفها في خدمة هذا الغرض وهذا الطيف كانت نواته " الحزب الخاص " الذي انشأه صدام داخل حزب البعث من قاعدة تقوم على الأضلاع الثلاثة : العشيرة والطائفة والمنطقة " وقد أعده إعدادا عقائديا في مرحلة الحملة الايمانية ثم هيأه للعب هذا الدور الذي اتخذ مسميات عديدة من جيش محمد الى الدولة الإسلامية .
قد يذهب قصيرو النظر الى تصور مضمون طائفي لهذا التوصيف مع أنه يقدم التشخيص من أجل البحث عن مشكلة أو علاج وحين نسمي الأمور بأسمائها فمن أجل ذلك والا فلن يختلف هذا التوصيف عن النقد الذي لم نتوقف قط عن توجيهه منذ الاحتلال والى يومنا هذا الى طيف شيعي مقابل يتحمل المسؤولية المباشرة عن الكثير من مآسي العراق بل ويتخادم بطريقة مثيرة مع هذا الطيف الإرهابي من أجل الاستمرار في الإستحواذ على السلطة ومغانمها . 
رهان الإرهاب دائما على جذب السنة والقاعدة الشعبية لهم الى صف الإرهاب وممارسات السلطة وخطابها السياسي ومن ورائها المؤسسة الدينية وهي لا تقتصر على مرجع لم ير ولا يرى في أي مناسبة مهما عظمت ويتعامل مع الناس بطريقة شبحية بل وتشمل الخطيب والرادود وآخر معمم في القافلة وحتى هذه المظاهر التي تبرز في العراق في المناسبات الدينية وتتعمد إظهار إهانة مقدسات طائفة من العراقيين برفع لافتات اللعن والشتم أو الهتاف بذلك وهذه الأعمال التي يلحظ تزايدها ومع أنها تخص طائفة الفتنة الشيرازية وتحقق في دقيقة واحدة لا أكثر وبصورة واحدة لا تزيد ما تعجز عنه آلاف الصفحات من الكتب ومئات الساعات من البث التلفزيوني ومع أثرها المستفحل ودورها الخطير في خدمة الإرهاب وأغراضه ومقاصده فإن المؤسستين الدينية " الرسمية على الأقل " والسياسية لم تتخذا أدنى إجراء لوضع حد لمثل هذه الممارسات المستهترة والتي يدفع الناس ثمنها دما غزيرا كالذي جرى في جريمة الناصرية .
الإرهاب يقتضي معالجة إجتماعية وثقافية ودينية وسياسية إنما ليس على طريقة الزعامات السياسية الشيعية التي تنطلق من مصالح حزبية وشخصية ضيقة فتزعم بأن حل مشكلة الإرهاب سياسي وتقصد عقد الصفقات مع المستفيدين السنة من هذه الأوضاع والذين يشاركون في السلطة على اعتبار أنهم ممثلون للسنة وينالون حصتهم من مكاسبها وغنائمها وهؤلاء لم يستطيعوا تقديم أي مساهمة في حل مشكلة الإرهاب بل ساهموا في مفاقمتها وهم كالطرف الشيعي يعتمدون في نجاحهم عند اوساطهم الشعبية على التأجيج الطائفي ويساهمون كنظرائهم الشيعة في خدمة المشروع الإرهابي . 
المعالجة السياسية تقتضي خلق حالة من الأمان والإطمئنان لدى المواطن السني وإشعاره بأنه مواطن في بلده له ما للآخرين دون نقص وعليه ما عليهم من غير إمتياز وللأسف ففي مثل هذه المناسبات المؤلمة تتصاعد حمى الإنتقام والتحريض على الافتراق وتعميم الحالات والممارسات الخاصة إما عن جهل وضيق إدراك أو لخدمة مشروع سياسي داخليا كان أم خارجيا مع أن مواجهة الإرهاب خلقت أرضا صالحة لوحدة وطنية حقيقية تساهم جديا في دحر الإرهاب وشرطها الأول تخلي الشيعة عن تصدير عقلية الحسينية واللطم ومحاولة فرضها على الآخرين والتصرف بطريقة مسؤولة تتناسب مع حجم المهمة وعبء الكوارث التي يمر بها العراق . 
وإن كان من الممكن تصنيف الإرهاب على الأقل بعنوانه العام بحسب التنويه أعلاه فإن هذا لا يمنع أن يستغل موضوع الإرهاب كأداة لتحقيق أغراض كثيرة من أهمها وعلى رأسها تأجيج الخلافات الطائفية وإغراق العراقيين في بحر دمائها وأينما توجهت أصابع الاتهام فقد أصابت من السفارات وأجهزة المخابرات المختلفة ومليشيات الأحزاب وعصابات الإجرام والشركات الأمنية الأجنبية وغيرها والقائمة طويلة ومتعددة والعراق مستباح أرضا وسماء وحجرا وبشرا وقد إنهارت في العراق منظومات القيم والأخلاق ولن يتردد كثيرون في سلوك سبل الجريمة مقابل مكسب مادي أو معنوي والسلطة تتعامل باستخفاف مع هذه المشكلة أو أنها مغلولة اليدين لا تستطيع أن تقوم بدورها وقد كانت الطريقة دائما غسل آثار الأعمال الإجرامية وإزالتها بعد ساعات وكأن شيئا لم يكن للتفرغ لأمور أهم كثيرا عند الطبقة السياسية من الاهتمام والإلتفات الى تضحيات الناس ومعاناتهم . 
أما حزب البعث فقد ولى الى مزبلة التاريخ ولم يعد له وجود الا لتخويف الناس ودفعها الى الالتفاف حول هذه الطبقة السياسية المجرمة والفاجرة والتي مازالت كلما شعرت بضيق ذات يدها في مواجهة نتائج الكارثة التي ساهمت هي بصنعها خدمة لأجندات مختلفة سارعت باشهار التهديد بالبعث وقد رأينا أن هذه الاتهامات لا تقتصر على الإرهاب بل وتمضي الى المطالب الشعبية والتظاهرات العفوية التي لا تلجأ الناس اليها عادة الا بتفاقم مشكلة أو بتصاعد معاناة وعلى أية حال إن كان البعث بهذه الأهمية وهذه السعة رغم أن العملية السياسية استوعبت معظم المنتسبين الى حزب البعث وفضلتهم في الامتيازات عن المواطنين من ضحاياهم فلماذا لا تحل السلطة المشكلة مع البعث وتشركه في العملية السياسية وتكفي الناس شره وأذاه وكل الأطراف السياسية بدون استثناء تعاملت مع البعث بجناحيه العباسي والأموي قبل الاحتلال حتى لا يزايد أحد منها في رفض أفكار البعث بل وكانت جميعها تحت قيادة البعث ويمكن معالجة الممارسات الإجرامية التي إرتكبها البعثيون كل حالة وما تستحق من عقاب مع أن السلطة نفسها تواطأت على هضم حقوق الناس وإسدال الستار على هذا الجانب وصار المجرمون من أنصار العراق الجديد والمستفيدين من خيراته .
أشار أحد الأصدقاء الأعزاء الى حبل سميك بين العمل الإرهابي في الناصرية والجدل الدائر حول الاستفتاء في المنطقة الكردية فرده آخرون واتهموه بأنه يحاول تبرئة البعث حسنا البعث هو المسؤول المباشر عن كل هذه الجرائم فمن يقود حزب البعث ؟ أليس عزة الدوري ؟ وعزة الدوري مقيم في أربيل في ضيافة البارزاني وبحماية الأميركان ومعه كل الأصوات التي ترونها على الفضائيات تروج للإرهاب وتدافع عنه وتتحدث من أربيل أيضا ما الذي يمنع الدوري مثلا من رد الجميل لمضيفه من خلال هذا العمل الإرهابي المجرم ..